ارحلوا القسم الثالث

صادق إطيمش
2019 / 5 / 13

ارحلوا ـ القسم الثالث
لم يكن فشل الدولة الدينية الذي رافق النماذج السنية، التي تطرقنا اليها آنفاً ، يقتصر على التبعية المذهبية السنية ، فولاية الفقيه التي تبناها مشروع ألإسلام السياسي الشيعي في أيران أثبتت بعد مرور اربعة عقود على تاسيسها مدى تخلف القائمين على هذا النظام عن الركب العالمي ومدى كذب الأطروحات الدينية التي يُسوقها مشايخ وملالي هذا النظام الدكتاتوري الهمجي الذي لم يكسب طيلة هذه العقود الأربعة غير العزلة العالمية التي يفتخر بها أحيانآ حينما يقرع على طبول خصوصيته ألإسلامية التي ما إنفكت تردد ذلك النغم النشاز الذي لم يتوقف عن التأكيد على نظرية المؤامرة على ألإسلام والمسلمين, وذلك كلما دخل أزمة محلية أو عالمية لا يستطيع الإفلات منها إلا من خلال أحكام جائرة وسياسات عقيمة لم تجلب للشعب ألإيراني ، ذو التراث الحضاري الموغل بالقدم ، غير المتاهات والتخبط والدكتاتورية . لقد تظاهر الشعب الإيراني في كثير من المدن الإيرانية ، خاصة الكبرى منها ، وفي مناسبات كثيرة انتخابية وغير انتخابية ، والتي قابلتها عصابات ولاية الفقيه بكل قسوة وهمجية سقط بسببها عشرات القتلى والجرحى ، ودلَّ ذلك كله ، على مدى أكاذيب هذا النظام بادعاءه الديمقراطية ومدى تخلف هذا النهج الذي يسمونه دينياً حتى عن المبادئ الدينية التي يروجون لها انفسهم على انها ترفض الظلم والجور والإضطهاد.
إن من دلالات فشل هذا النظام الملائي بروز حركة اصلاحية من صلب هذا النظام الذي اعترف بعض دعاته بفشله في سنينه الأولى مطالبين باصلاحه ، إلا ان حتى هذه الحركة الإصلاحية جوبهت بالقمع والتنكيل بالرغم من انطلاقها من مؤشرات دينية تمثل نفس الطائفة التي اسس لها دعاة ولاية الفقيه.
لقد نشأت هذه الحركة في رحم النظام الإيراني الثيوقراطي وولدت وترعرعت فيه كرد فعل على ممارسات الهيمنة التي مارسها المتربعون على سلطة هذا النظام والذين حاولو من خلالها التنكر لما بدأت تشعر وتفكر به الملايين من بنات وأبناء الشعب الإيراني ، خاصة تلك الفئات الشابة التي تشكل الغالبية العظمى من هذا الشعب . لقد دلت جميع الإحصائيات الأخيرة على ان أكثر من ثلثي الشعب الإيراني هم تحت سن الثلاثين من العمر ، وبنفس الوقت دلت الكثير من الإحصائيات على ان هذه الفئات من المجتمع التي لم تعش عصر الشاه بوعي أو لم تعشه أصلاً ، تقف ضد سياسة الإكراه الديني الذي تمارسه المجاميع المسلحة على شوارع المدن الإيرانية والمتعلق بالملبس والمأكل والمشرب والموسيقى والفن وكل ما يتعلق بما تطمح إليه حياة شباب القرن الحادي والعشرين . لقد جاءت الحركة ألإصلاحية من صلب هذا النظام الثيوقراطي لتنقذ هذا النظام من المزالق الخطيرة التي إنزلق إليها والتي ستؤدي بالمحافظين والإصلاحيين على السواء فيما إذا تحول هذا الرفض الشعبي إلى حركة ثورية ديمقراطية حقاً تؤمن بحرية الإنسان وتحترم إنسانيته أيضاً وليس دينه أو معتقده أو قوميته فقط . لقد غيبت دولة ولاية الفقيه كثيراً من الأصوات الرافضة لنهجها في السلطة ، كما انها لم تسمح للمئات من المرشحين سواءً في مجال الإنتخابات البرلمانية أو الإنتخابات الرئاسية ليرشحوا انفسهم باعتبارهم من غير المؤمنين بالخط السياسي الذي يتبناه ساسة ولاية الفقيه. إن هذه الترشيحات والإنتخابات تُذكر العراقيين بتلك الترشيحات والإنتخابات التي كانت تنظمها دكتاتورية البعثفاشية ، حيث كان لا يُسمح لأي مرشح بتقديم أوراق ترشيحه ما لم يوقع على قناعته بمبادئ الحزب والثورة والتزامه بتطبيق هذه المبادئ في عمله . وظل العراقيون يتندرون على هذه السياسة الخرقاء كونها تأتي بمنتسبي حزب البعثفاشية مهما طالت أو عرضت وتشعبت الدعاية الإنتخابية للمرشحين المختلفين فإن الفائزين ينتمون إلى طينة واحدة . وعلى هذا الأساس وصف العراقيون إنتخابات دكتاتورية البعثفاشية على أنها تنطلق من سياسة الإختيار بين الأرنب والغزال ( تريد أرنب أخذ أرنب ، تريد غزال أخذ أرنب) وهذا ما تحاول كل الأنظمة الدكتاتورية السير عليه ، خاصة بعد أن إشتدت الطلبات الجماهيرية إلى التغيير ، حيث عمدت هذه الأنظمة إلى ترقيع قباحاتها باقنعة سمتها إنتخابات أرادت من ورائها إعطاء أنظمتها سحنة من سحنات الديمقراطية ، إلا أنها مخلوطة بنَفَس دكتاتوري تسلطي قمعي . إن التزمت الملائي الذي قذف بالمجتمع الإيراني إلى دياجير التفكك والإنحلال من خلال إنتشار المخدرات والعلاقات الجنسية التي صبغوها بصبغة دينية ، كزواج المتعة مثلاً ، وانتهاك حقوق الإنسان بتنفيذ عقوبات الإعدام والرجم التي وضعوها هي الأخرى في اطر دينية جاءت بها تأويلاتهم للنص الديني ليقضوا بها على معارضيهم أو ليشبعوا بها نزوات بعض معمميهم ، وليقمعوا اية حركة تحرر نتشد العدالة الإجتماعية والحريات السياسية والثقافية ، كما يحصل الأن للقوميتين العربية في الأحواز والكوردية في كوردستان الشرقية ، وليؤججوا ، كسابقتهم البعثفاشية ، ألأجواء العالمية بقرع طبول الحرب من خلال إستغلال بعض القضايا المركزية على الساحة السياسية الشرق أوسطية والمتاجرة بها ، كالقضية الفلسطينية التي تتاجر بها السياسة العربية منذ اكثر من سبعين سنة ، فلم تات إلا بالنكبات تلو النكبات لأصحاب القضية انفسهم، للشعب الفلسطيني ، ولينشروا مآسي هذا النظام الدكتاتوري ، نظام ولاية الفقيه ، من خلال دعم الإرهاب وتمويل المنظمات الإرهابية ونشاط عملائهم ، على اراضي ألأقطار المجاورة . وكلنا يعلم ما عانى ويعاني منه وطننا العراق من هذه السياسة الحمقاء التي يساهم في تسويقها على الساحة السياسية العراقية بعض أحزاب الإسلام السياسي ورموزه التي ترى وجودها على قمة السلطة العراقية من خلال الدعم المادي والعسكري والمعنوي الذي تتلقاه من معممي ولاية الفقيه . هذا بالإضافة إلى توجه سياسة ولاية الفقيه إلى خلق سياسة المَحاور في منطقة الشرق الأوسط لتأجيج العداء والتناحر وذلك من خلال التاثير على سياسة بعض الدول بالطرق المختلفة وتوظيف اموال الشعب الإيراني من العائدات النفطية لتحقيق هذه السياسة الخرقاء.
ألصراع الذي يدور اليوم بين رافضي نظام ولاية الفقيه ، ليس في ايران فقط ، ومؤيديها انعكس على التشرذم الذي تعاني منه احزاب الإسلام السياسي العراقية ، وهو صراع على السلطة ضمن هذه التشكيلة الرامية إلى تحقيق معتقداتها الدينية في دولة يسمونها إسلامية تضمن لهم مقومات هذه السلطة ، كما تضمن لبعضهم مقومات ألإثراء اللامشروع من خلال سيطرتهم على بعض المرافق الإقتصادية المهمة في الدولة الإيرانية ، وفي اي مجتمع آخر يتبوأون فيه مراكز القيادة السياسية ، كما في العراق مثلاً.
ولا نريد إطالة الحديث حول دكتاتورية دولة ولاية الفقيه التي ستؤول الى الفشل حتماً كما آلت اليه كل الدول الدينية على مر التاريخ ، بل نكتفي بالقول ان كل ما تدعيه هذه الدولة من مظاهر الديمقراطية والحرية يمكن الشطب عليه بشكل مباشر وسريع بجرة قلم من المرشد الأعلى الذي جعله دستور هذه الدولة الحاكم بامره رغم انف البرلمان او اية مؤسسة تنفيذية اخرى.
إلا أن محاولات تبني مشاريع الإسلام السياسي لم تقتصر على المجتمعات ذات الأغلبية السكانية لهذا المذهب أو ذاك , بل تجاوزتها إلى المجتمعات ذات التوزيع السكاني المذهبي المتقارب , أي في تلك المجتمعات التي يتواجد فيها أتباع هذا المذهب أو ذاك بنسبة قد تجعل منه يفوز بفارق بسيط أو ليس كبيرآ جدآ على أتباع المذهب الآخر. لقد أظهرت مجريات ألأحداث في مثل هذه المناطق التي يمثلها العراق ولبنان أحسن تمثيل مدى فقر ألإسلام السياسي إلى وضوح المنهج وإمكانيات التعامل مع الواقع السياسي والإجتماعي والإقتصادي والعلمي الذي تمر به الجتمعات التي يتواجد فيها , بحيث أدى به إلى أللجوء إلى العنف لتصفية الحسابات الشخصية والعائلية والمناطقية والعشائرية ليس داخل أتباع المذهب الواحد فقط , بل وبين أتباع المذهبين أيضآ وكل يحمل راية ألإسلام ويكَبِر ويذكر إسم ألله على منحر ضحيته التي تستقبل الموت بالتكبير ايضاً ، والكل مسلمون والحمد لله.
إن ما يجري بالعراق اليوم لا يشذ عن هذا النمط الذي أصبح قاعدة ترافق هذا النوع من التوجه السياسي الذي يربطه مؤسسوه بالدين ألإسلامي . فأحزاب ألإسلام السياسي والمنظمات ألإسلامية داخل السلطة وخارجها أثبتت من خلال الوضع الذي تبلور عن سياستها على الساحة العراقيه بأن تحقيق مشروعها السياسي مرتبط بالعنف والجريمة والفساد ،وإن القائمين على هذا المشروع لا يختلفون في تخلفهم عن أشباههم من القائمين على مشاريع الإسلام السياسي ألأخرى خارج العراق , حتى وإن إختلفت أساليب القتل والعنف والنهب والسلب من مشروع إلى آخر. إنهم جميعآ يدّعون إنتسابهم إلى ألإسلام ولا يكفون عن تكرار مقولة وحدة ألإسلام أينما وُجد أتباع هذا الدين في مشارق ألأرض ومغاربها , إلا أنهم عاجزون تمامآ عن تحقيق وحدة أبناء الوطن الواحد ، لا بل المذهب الواحد ، المرتبطين ببعضهم البعض ليس إرتباطآ دينيآ وحسب , بل وإرتباطآ عائليآ واجتماعيآ ومهنيآ وقوميآ أيضآ . إن عجز ألإسلام السياسي هذا عن تحقيق أبسط مفاهيم الدين الذي يريد تمثيله على مختلف ألأصعدة الوطنية والمتمثلة بوحدة الهدف إنطلاقآ من القناعة بوحدة الدين, إن دل على شيئ فإنما يدل على كذب ونفاق ودجل جميع القائمين على تحقيق هذا المشروع حينما يجعلون الدين طريقهم لقتل أبناء الدين الواحد الذي يتبجحون بالإنتماء إليه , ويبين بما لا يقبل أدنى شك بأن هدفهم ليس دينيآ, بل سياسيآ بحتآ ألبسوه اللباس الديني ليمرروا تحايلهم عبر الدين على كثير من الناس في مجتمع كالمجتمع العراقي الذي عانى عقودآ من الإضطهاد والحرمان والقهر والتعتيم المعرفي وغياب الإنفتاح ألإعلامي الذي جعله التسلط البعثفاشي المقيت كالغريق الذي يتشبث بكل ما تقع عليه يداه . لقد أثبت القائمون على تنفيذ مشروع ألإسلام السياسي بالعراق أن المكاسب الشخصية البحته من مال وجاه ومميزات لم يكونوا يحلمون بها تأخذ الموقع ألأول ضمن أولوياتهم , يلي ذلك وضمن المرتبة الثانية من هذه الأولويات ألأهل والأقارب والعشيرة , أي صلة الرحم , مبررين ذلك دينيآ أيضآ بمقولة ألأقربون أولى بالمعروف , إذ شرعنوا سرقة أموال الوطن وأباحوا التلاعب بمقدرات الرعية من قبل القائمين على هذه الرعية للتمتع بها شخصياً أو لتوزيعها على ذوي القربى وجعلوا ذلك يقع ضمن أعمال المعروف , حسب فتاواهم . ثم يلي ذلك وفي المرتبة الثالثة من أولوياتهم الحزب أو الجماعة التي أوصلتهم إلى هذا الموقع بغض النظر عن سلوكية وتاريخ وأخلاق أفراد هذه الجماعة التي تضمن لصاحب الجاه هذا أمنه وحمايته ونفوذه مقابل الجماعات الأخرى المنافسة , نعم المنافسة في توظيف الدين . وهنا لا تلعب حتى الطائفة أي دور ولا يفرز حتى ألإنتماء الطائفي أي عامل يحدد إستعمال الوسيلة الناجعة للتخلص من هذا الخصم أو ذاك قتلآ أو إختطافآ أو أية وسيلة مشابهة أخرى ، المهم في ألأمر أن تؤدي هذه الوسيلة إلى ملئ خزانة الحزب لتكون عصاباته المسلحة مؤهلة في أي وقت للتخلص من منافسيه ألآخرين سواءً من الطائفة نفسها أو من خارجها من التنظيمات ألإسلامية ألأخرى , وجوزوا شرعآ إستعمال هذه الوسائل ضد التنظيمات غير ألإسلامية أيضآ . وفي المرتبة الرابعة من ألأولويات يقف ألإنتماء الطائفي ليشكل العامل المشترك مع الشركاء الآخرين في النهب والسلب والقتل والإختطاف . فبإسم الطائفة تقام حفلات النصر على أعداء الدين والمذهب وبإسم الطائفة تُخلق المناطق المُغلقة ويجبر الجار على التنكر لجاره والصديق لصديقه والزميل لزميله وربما الزوج لزوجته أو بالعكس , فللدين الطائفي هذا ضرورات تبيح المحذورات حسب الفقه المعمول به لدى فقهاء هذا الإسلام السياسي عمومآ , فلماذا لا يجري سحب العام على الخاص وكفى ألله المؤمنون ألإيمان بالطائفة دون سواها . وفي سياق هذه الأولويات تفتش عن شيئ إسمه الوطن وقد تجده أيضآ , ولكن كمن يجد ألأوراق المهملة في سلة المهملات , قد يمكن ألإستفادة منها يومآ ما كما يُستفاد من ألأوراق المهملة كمسوَّدات تُستعمل في ظرف إنتخابي طارئ أو نقاش تجاري عابر أو لأي غرض آخر شريطة أن لا يمس بجوهر ألأولويات التي ليس لمصطلح الهوية العراقية موقع فيها , وإن تجرأ أحد على النطق بها أمام دهاقنة ألإسلام السياسي فما هو إلا عَلماني كافر أو متآمر على الدين وأمته أو مجنون يهذي بمصطلح لا يقره الدين الذي لا وطن له ، حسب تأويلاتهم وما ينشره خطابهم.
ألا يجعل كل ذلك من شعار ارحلوا عن العراق ، ارحلوا عن هذا الوطن الذي تراجع من خلال سيطرتكم عليه طيلة السنين الست عشرة الماضية ، ألا يجعل من هذا الشعار ضرورة حياتية ملحة ما على العراقيين إلا العمل الدائب والنضال العسير لتحقيقه ؟ غير ان تحقيق هذا الشعار ورحيل زمر اللصوص عن ارض وطننا يفرض علينا ، نحن رواد الوطن والمواطنة ، ايجاد البداءل لهذا الوطن المنكوب ، وهذه البداءل ستكون موضوع حديثنا القادم .
الدكتور صادق اطيمش