الكلمة والحرف في قصيدة محمد الربادي - هاءت رشدا-

رائد الحواري
2019 / 5 / 13

الكلمة والحرف في قصيدة

محمد الربادي

" هاءت رشدا"

توحد الشاعر مع القصيدة يأتي عندما تكون القصيدة هي من تُكتب الشاعر، فتكون كالجنين الذي نضج وآن الأوان ليخرج للحياة، فإن لم يخرج يموت ويمكن أن يقتل حاملته، في هذه القصيدة نجد حروف الهاء والهمزة والراء في كل بيت من أبيات القصيدة، وكأن الشاعر (فقد) بقية الحروف ولم يجد سوى الكلمات التي تتكون من هذه الحروف.، الهاء والهمزة، في لفظهما نجد الألم والوجع، وكأن الشاعر بها يريد أن يريح نفسه من الألم:

"هــاءت لـقـلـبي دروب تـسـتـقي رشـدا
والـروح تـاقـت ومَـن نادى الهوى وجدا"

"هاءت، دروب، الروح، الهوى" في الكلمات السابقة نجد شاهد حي على وجود الحروف الثلاثة، ونجد البياض حاضرا فيها، وهذه الفاتحة البيضاء تقدمنا من القصيدة، فموضوعها ناعم وهادئ.

"لا شيء يـفـني هـيـام الـمـغـرمـيـن إذا
صـار الـهـوى في فـؤاد الـمــرء متـقـدا"

الفاظ "شيء، هيام، المغرمين، صار، الهوى، فؤاد، المرء" نجد الحروف، ونجد الفاظ قاسية: "لا، يفنى، متقدا" لكنها تخدم المضمون (الحب) الأبيض للقصيدة.

"يا قلب مـن دان يومـا بالهـوى وجـبـت
كـل الـفـرائـض حتى تُــذهـِب الـزبــدا"

"بالهوى، الفرائض، تذهب" صيغة النداء، وحكمة (الحب) التي في البيت، تدفع بالمتلقي ليتقدم أكثر من القصيدة.

"طـهــر ريـاض المنى مـن كـل خـائـنـة
واحـفـظ عـهـود الهـوى ترقى بـه أبـدا"

"طهر، رياض، خائنة، عهود، الهوى، ترقي، به" حكمة يقدمها الشاعر تقربنا من القصيدة أكثر، والملفت للنظر وجود أكبر عدد من الكلمات ـ تتشكل من الحروف الثلاثة ـ في بيت واحد، كلننا نجد الشاعر يتحدث بصيغة الأمر المباشر "طهر، وأحفظ" وهذا الفعل له وقع (سلبي) على القارئ، فكيف حدث هذا؟، وهل هناك مبرر لوجود فعل أمر في قصيدة حب؟.

"في القلب ذكـرى حبـيـب حـفـهـا ألـم
في العين حلت سماء صـبـرها نـفــدا"

وكأن الشاعر في هذا البيت اكتشف أنه خاطب المتلقي بصورة مباشرة، فأراد عن يبرر ويوضح سبب (الجريرة) التي اقترفها، فيحدثنا عن ألمه ووجعه، وبهذا الخطاب الشخصي يقرنا منه، فالهم الداخلي لا يباح إلا للأصدقاء والمقربين، لهذا نجد مضمون البيت مؤلم، وأيضا نجد ألفاظ الألم والقسوة: "ألم، صبرها، نفذا"، وفي الألفاظ "ذكرى، حفها، صبرها" الحروف الثلاثة.

"إني أرى الـسـبـع عـجـفـاء جـوانـبـهـا
والـلـيـل فـيـهـا يـواري عيشـنـا كـبـدا"

"أرى، عجفاء، فيها، يواري" فيها الحروف المميزة، لكن الشاعر يتوغل أكثر في تناول القسوة من خلال "عجاف، الليل، يواري، كبدا" وهذا البيت من أقسى الأبيات في القصيدة، فيبدو ولنا وكأن الشاعر خرج عن مسار القصيدة، الحب.

"ما عدت أهوى سوى ليلى التي قتلوا
فيها الضياء الـذي مـن بغيهـم خـمـدا"

في "أهوى، فيها، الضياء" الحروف المميزة، وهناك فعل ماضي غارق في القسوة "قتلوا"، وحروف قسوة "بغيهم، خمدا" عندما خاطبنا الشاعر في الألبيات الماضية عن ألمه، بالتأكيد شعر بشيء من الراحة، وهدأت نفسه، وهذا ما وجدناه في هذا البيت:

"كم كـنـت أبني على كـف الـرؤى أمـلي

والـدهـر يملي ومني القلب قد سَـعُـدا"

رغم عدم ناصعة البيت، إلا أنها تبقى ألفاظه بيضاء وهو أبيض، في "الرؤى، الدهر" فها الحروف المميزة.

"صار الـهـوى في فـؤادي مثل مـقصلة
تفني زروعي ونـخـلي مـنـذ أن ولـدا"

"الهوى، فؤادي، زروعي" في الحروف المميزة، لكن هناك ألفاظ قاسية: مقصلة، تفنى، تخلي" وكأن حالة عدم الاستقرار هي سيدة الموقف عند الشاعر، وهنا يكون الشاعر فلا قد أدخلنا إلى مضوع جديد، موضوع ، القتل/المقصلة، والموت/تفنى.

"تبكي سمـاء الألى ما حَــلَّ في وطني
ليل به ظَـهرُ مـن يهـوى الـعـلا جُـلـدا

في "السماء، الألى، به، يهوى" الحروف الثلاثة، والقسوة في "تبكي، ليل، جلدا" والفكرة العامة للبيت فيها الألم، ونجد لفظ "وطني" الذي يؤكد تماهي الشاعر مع ما يجري في اليمن.

إذا ما أخذنا لقصيدة كوحدة واحدة، سنجد حضور للألم والقسوة، رغم محاولة الشاعر (الهروب) منها، فالحب الذي حاول الشاعر أن يقدمه لنا شبكه بالوطن وما يعانيه من ألم، فكان الشاعر والحب والوطن والقصيدة يتداخلون فيما بينهم، وشكلوا ـ مجتمعين ـ هذه القصيدة.