كميل أبو حنيش -سِرُ الشِفاءِ من الحنين-

رائد الحواري
2019 / 5 / 12

كميل أبو حنيش
"سِرُ الشِفاءِ من الحنين"
يحاول البعض أن يقدم اسرانا على أنهم رجال (خارقون) لا يشعرون بألم، لا يشعرون بالحياة، ألم ينذروا أنفسهم فداء للأرض وللشعب؟، لكن في حقيقة الأمر أنهم إنسانيون، يشعرون بما نشعر وأكثر، ويتألمون كما نتألم وأكثر، فهم بشر مثلنا تماما، في هذه القصيدة العديد من الشواهد على الألم الذي يعانيه أسرانا في سجون الاحتلال، في فاتحة القصيدة يقدم لنا الشاعر كميل أبو حنيش ألمه:
"فما البداية يا صديقي،
وما النهايةُ"
الأحداث التي جعلت الأسير يعاني من وقع الزمن عليه، يتساءل عن جدواها، وإلى أين ستوصله نهايتها، واعتقد صيغة السؤال كافية لجعلنا نتوقف عند ألم الشاعر، ليس لأنه سجين جسديا، بل روحه كشاعر/كإنسان تدفعه ليرى العالم/المستقبل بعيد عن الجدار والسجان.
فالزمن هو الهاجس الذي يؤذي الشاعر، فهو يراه زمن بليد، زمن عبثي، زمن سرمدي:
"والزمن المُلذّذِ دائريٌ
لا يكُفُّ عن المجيء
والأمس مثلُ اليومِ مثل الغدْ
ويدورُ هذا الكون
لا فُسحةٌ بين الفُصولِ سوى السراب"
يكاد الشاعر أن يفجرنا بإنسانيته، برؤيته لثقل الزمن عليه، فهو يستخدم حرف النفي "لا" ليشير إلى معانته، ويستخدم الفعل المضارع "يكف، المجيء، يدور" ليؤكد استمرارية الألم/الثقل الواقع عليه، وإذا ما أخذنا فكرة الألم في هذه المقاطع يمكننا القول أن هناك إنسان يحدثنا عن معاناته، عن ألمه، وقد قدمه لنا بصورة أدبية جميلة.
ونجد الشاعر يركز على الدائرة:
"والزمن المُلذّذِ دائريٌ
ويدورُ هذا الكون"
فالدائرة لها أكثر من مدلول، الحصار من كافة الجهات، دائرة مغلقة، وفي ذات الوقت هناك حركة عبثية للزمن/للوقت، وهذا ينعكس عليه، (فتوقف) الزمن في الدائرة جعل حركته بلا معنى، بلا أثر، وهنا تكمن إنسانية الشاعر بكل تجلياتها.
والشاعر يستخدم رموز التشويه والضياع والتيه:
"لا فُسحةٌ بين الفُصولِ سوى السراب
لا شيء يلمع منبئاً ببشارةٍ وسط الضباب"
السراب والضباب من صور الماء، والماء أساس الحياة، لكنه جاء بصورة مشوهة، سراب وضياع، وبما أن عنصر وسبب الحياة مشوه، فستكون حياة الشاعر أيضا مشوهة، فحال السراب والضباب لا يمكن أن تُوجد/تخلق/تكون حياة سوية.
وقسوة القصيدة جاءت من خلال تقديم "عشتار" بصورة سلبية:
"ومُعلناً "فصلُ الحنين إلى الربيعِ وقد تأخر"
أو تأجل أو تثاقلَ خَطْوَهُ في زحمة الطُرُقات
ولن "يرى ذاك الحبيبُ جراحه تنمو بعيداً في المروج"
خذلته عشتارٌ ولم تخطب مغامرةً هناك بعالم الأموات
أحجمت الحبيبةُ
عن فداء حبيبها في العالم السُفلي"
"عشتار" رمز الخصب تتأخر في حضورها وتؤجله، ومن ثمة سيتأخر الخصب/النماء/الحياة السوية والهانئة، وإذا ما أخذنا مكانتها كأنثى/كامرأة، وهي من تمنح الخلاص والهدوء والسكينة، فيكون الشاعر قد فقد رمز الجمال والخصب، وأيضا فقد المرأة المخلص، فهو في حالة ألم مزدوجة.
رغم هذا الواقع المؤلم، نجد الشاعر يبقى متمسكا بالأمل:
"وسأحتفي فيما تبقى كؤوس العمرِ
رغمَ الضياع
والأمل الكثير إذا أطلَ على المحال
وبفارغ الصبر الجميل سأنتظر"
وهنا أيضا نجد الإنسان في الشاعر، فرغم هول والزمن وثقله إلا أنه متمسك بالحياة، بالأمل، وهنا يكمن دور الشاعر، بعث الحياة في القارئ رغم الأهوال والشدائد، فهذا المقطع يمثل قلب القصيدة، فهو جاء بين حالتين، حالة القسوة والألم، وحالة الخلاص والتحرر.
يختم الشاعر القصيدة بقوله:
"ولربما تغدو الفصول اشارةٌ للراكدين
تحت التراب
أو ربما تغدو الفصول بشارةٌ
سِرُ الشِفاءِ من الحنين
اذا استحالَ الى عذاب
وسينتهي هذا الخريف
سينتهي
وسيُولدُ الوقتُ الجميلُ
وينتهي عصرُ السراب"
تكرار حرفي "السين والواو" يشيران إلى حتمية الخلاص، فهناك يقن مطلق بأن الحياة ستكون للشاعر وشعبه، وإذا ما أخذنا بنية القصيدة التي افتتحت بصورة الألم، ثم وجود الأمل، وانتهاء بالخلاص واليقين بالحياة القادمة، نجد فيها انعكاس لحالة الشاعر، فهو اسير، إنسان يتألم، ولكن إنسانيته تدفع به لتشبث بالأمل، وخلق أبواب الفرج وجعلها يقن/أيمان مطلق بالخلاص والتحرر.
القصيدة منشورة على صفحة شقيق الشاعر كمال أبو حنيش على الفيس.