ارحلوا القسم الثاني

صادق إطيمش
2019 / 5 / 11

ارحلوا ـ القسم الثاني
الإسلام السياسي بمفهومه الحديث الذي تبلور بعد تشكيل حركة ألأخوان المسلمين في مصر على يد السيد حسن البنا في اواخر عشرينات القرن الماضي والذي اقترنت ولادته بالمخابرات البريطانية ( راجع على سبيل المثال لا الحصر :
https://www.youtube.com/watch?v=03tnNoZq2Ps
هذا الإسلام السياسي الإخواني المنشأ خاض تجارب عديدة في مناطق مختلفة من العالم أراد من خلالها تحقيق هدفه ألأساسي المتمثل بالدولة الدينية . لقد إختلفت الرؤى وتعددت المفاهيم حول ماهية هذه الدولة بعد أن إختلفت وتعددت التنظيمات التي إنسلخت عن التنظيم ألأم وبعد أن برزت أحزاب وتنظيمات في المجتمعات الإسلامية وضع كل منها برامجه وتصوراته حول المحور الذي ترتكز عليه هذه الدولة والذي لم يتجاوز الدين الإسلامي الذي فسره كل على هواه ووظفه كل على ما يرى فيه من تحقيق لمآربه السياسية أو نزواته الشخصية أو الحزبية التي كثيرآ ما إبتعدت عن جوهر الدين وتعاليمه التي يروجون لها على الأقل . لقد أتبتت هذه التجارب الدينية جميعآ وبدون إستثناء بأنها غير مؤهلة لتحقيق النظم السياسية التي يمكنها التعامل مع الواقع اليومي الذي يمر به العالم اليوم , ناهيك عن التجاوب لطموحات الجماهير التي تريد التجمعات الدينية المختلفة التحكم بها من خلال فرض مفهومها للدين عبر قوانين بدائية جائرة , إذ أنها جعلت من حقول تجاربها مناطق تعيش ضمن الخصوصية التي إكتشفها على حين غرة دهاقنة الخطاب الديني فأثبتوا بذلك مدى تخلف خطابهم الذي جاء بفشل تجاربهم هذه كحصيلة حاصل لتوظيف الدين وإستغلاله.
سنحاول التطرق لبعض هذه المشاريع الفاشلة لا لتعليل ومناقشة أسباب فشلها , إذ أن مثل هذا ألأمر لا يحتاج إلى جهد وعناء للوقوف على هذه ألأسباب التي لا تتعدى التجارة بالدين التي مارسها تجار يجهلون حتى ماهية البضاعة التي يتاجرون بها , بل لنرى حتمية هذا الفشل الذي صاحب هذه المشاريع بالرغم من تباين المنطلقات والتوجهات في توظيف الدين لتحقيق النظام السياسي الذي يتطلع إليه منفذو هذه المشاريع . بعبارة اخرى يمكن القول بكل تأكيد ان مجرد وضع الدين كموجِه للسياسة امر مكتوب له الفشل الأكيد حتى وان تعددت المناهج الدينية التي تدعوا الى مثل هذه المشاريع ، والتاريخ العالمي يرينا ذلك بكل وضوح.
وللتوغل في هذه الفكرة أكثر نحاول مناقشتها من زوايا مختلفة حسب القناعات التي فرضتهاالجماعات الدينية المختلفة محاولة تطبيقها على الواقع العملي كنظام سياسي . فلقد لعب الإنتماء المذهبي لأحد المذهبين الكبريين في الدين الإسلامي , المذهب السني , بجميع مدارسه وتشعباته, الذي يمثل الغالبية العظمى من التعداد السكاني ألإسلامي العالمي والمذهب الشيعي , الذي تشعب هو الآخر, والذي يمثل الأقلية الواضحة بين مسلمي ألأرض كافة , لعبت هذه الإنتماءات دورآ أساسيآ في تحديد معالم النظام ألإسلامي الذي تبنته وعملت على تحقيقه القوى المنضوية تحت هذه الإنتماءات وفي مناطق مختلفة من مناطق ألإنتشار السكاني ألإسلامي . وربما نستطيع القول " رُبَّ ضارة نافعة " حينما نرى فشل جميع هذه التجارب , إذا ما أخذنا بالمفاهيم العالمية الحديثة لتحديد الفشل والنجاح لأي نظام سياسي في عالم القرن الحادي والعشرين.
لقد قامت دولة الطالبان في أفغانستان كدولة لها توجهاتها الدينية الإسلامية ضمن الثوابت السُنية التي تنطلق منها هذه الجماعة والتي جعلت منها نظامآ سياسيآ لا يمكن وصفه , من خلال ما حققه طيلة سنين تسلطه على رقاب الشعب الأفغاني , إلا بالهمجية والبدائية التي عطلت قدرات وقابليات هذا الشعب الذي بدى للعالم وكأنه يعيش في غياهب قرون ما قبل التاريخ . لقد أجبر هذا النظام التسلطي الرجعي البدائي في أفغانستان حتى تلك القوى التي ساهمت بتأسيسه ودعمه ماليآ وعسكريآ والمتمثلة بالمخابرات المركزية الأمريكية ونظام آل سعود في شبه الجزيرة العربية ،على التخلي عنه حيث لم تستطع هذه القوى حتى من إيجاد مبرر إيجابي واحد لإستمرارية وجود هذا النظام تستطيع التلويح به ولو من بعيد ضمن سياق دفاعها عنه. لقد قامت دولة الطالبان على نظرية الوقوف بوجه المد السوفيتي آنذاك وبتوجيه وتمويل من المخابرات السعودية والأمريكية. وسقط هذا النظام الإسلامي السُني على يد من أقاموه ومولوه كنتيجة حتمية لإنتهاء دوره الذي وضعه له مؤسسوه في محاربة الشيوعية في المنطقة إنطلاقآ من محاربة التدخل السوفيتي في أفغانستان آنذاك أولآ, ولعدم إستطاعة هذه القوى التي جاءت بهذا النظام ترويض وتجميل الهمجية التي واكبت جميع تصرفاته واقترنت بجميع قراراته محليآ وعالميآ ثانيآ , بحيث أصبح من المستحيل ألإشارة إلى سبب إيجابي واحد لإقناع ألآخرين باستمرارية وجوده ولجزع الشعب الأفغاني , ثالثآ , من تسلط عصابات الطالبان التي قننت, ضمن ضوابط شريعتها, كل تحرك في المجتمع الذي بدى وكأنه لا ينتقل من ظلمة إلا ليقع في أخرى أكثر سواداً وأشد تخلفآ . فسقط غير مأسوف عليه وسقط معه هذا المشروع المؤسس لدولة دينية إسلامية ضمن التوجه العام لمشروع الإسلام السياسي.
وكما فشل المشروع الأفغاني السُني فشل قبله المشروع ألإسلامي الجزائري الذي تبنته القوى ألإسلامية الجزائرية التي إنطلقت من ثوابتها ألإسلامية السُنية أيضآ , بالرغم من إختلافها عن ثوابت المدرسة التي يمثلها ألإسلام السياسي لدى حركة الطالبان . لقد أدى هذا التوجه ألإسلامي الجزائري الذي ظل يخطط لقيام الدولة ألإسلامية في الجزائر إلى أن يتكبد الشعب الجزائري مئات ألآلاف من الضحايا التي شملت جميع طبقات المجتمع الجزائري ولم يفرق " المجاهدون المسلمون " بين الشاب والشيخ أو المرأة والرجل أو الرضيع والصبي في عمليات الذبح التي كانت ترافقها صيحات التكبير والتسبيح بحمد الله . لقد كان هذا المشروع مرتبطآ بالجريمة التي وجد لها منفذوها مختلف الفتاوى والتبريرات الدينية التي نسجوها وفق مقاسات فهم عقولهم الضامرة, إلا أن ذلك لا يتعارض ووضع هذا المشروع الإجرامي ضمن محاولات ألإسلام السياسي الداعي لتأسيس الدولة الدينية ألإسلامية .
وليس ببعيد عنا ذلك التوجه الهمجي لدولة الدواعش التي استنسخت التجربة الجزائرية الفاشلة محاولة اضفاء همجية ووحشية اكثر على مقومات الدولة الإسلامية في العراق والشام .
وقد رأينا مؤخراً كيف اطاح الشعب السوداني بدولة البشير التي تنهج النموذج الإسلامي لبناء الدولة التي اوصلت الشعب السوداني الى اسوأ ما عاشه من تردي لكل مفاصل الحياة واستغلال خيرات البلد للدكتاتور الإسلامي وحاشيته الذين حاولوا لثلاثة عقود من تاريخ السودان فرض الإسلام السياسي بثوابته السنية أيضآ من خلال التبجح بتطبيق تعاليم الشريعة الإسلامية التي إتخذت منها ذريعة لقتل أبناء الشعب السوداني في الجنوب وفرض القوانين المجحفة المنافية للحياة الإنسانية في عموم القطر السوداني . وكلنا عاش التصرف الهمجي ضد الصحفية السودانية لبنى وزميلاتها بسبب أرتدائهن للبنطلون..
أما في الصومال الذي جعلت منه المحاكم الصومالية السنية الثوابت أيضآ ساحة للإقتتال ليس بين أبناء الوطن وحسب بل بينهم وبين جيرانهم أيضآ بغية خلق مبررات القهر والإضطهاد والتحكم برقاب الناس بالعزف على وتر الدفاع عن الوطن ، فلم يكن نصيبه من التخلف والإنحطاط والسير بالبلد نحو الفقر والمجاعة والإضطهاد باحسن مما آلت اليه الإنظمة الدينية التي سبقته.
وسنة واحدة من حكم الأخوان المسلمين في مصر كانت كافية لأن تبين بوضوح كيف يستغل الإسلاميون المبادئ الديمقراطية ، بالرغم من التشوهات التي يدخلونها عليها ، للوصول بواسطتها الى قمة السلطة السياسية ليضربوا بعدئذ هذه المبادئ عرض الحائط من خلال التسلط الدكتاتوري للإنفراد بالسلطة التي رفضها الشعب المصري طارداً هذه الدولة الدينية من على ارضه التي اصر شعبها على صيانة جميع حقوقه وعلى مختلف المجالات من عبث الإسلاميين وجرائمهم.
ولا تنتهي هذه السلسلة من اخفاقات الدولة الدينية بالتوجه السائد على ارض منشأ الإسلام فيما يسمى اليوم بالمملكة العربية السعودية التي لا حاجة لشرح طبيعة الحكم الهمجي فيها والذي يستند بكل مفاصل الدولة ومؤسساتها على توظيف الفكر الديني كمنهاج ثابت للدولة التي اصبحت بمرور الزمن تشكل رمزاً من رموز العصور الوسطى التي يسعى فيها البعض لتحسين قباحة النظام ببعض ما يسمونه من الإصلاحات التي لا تخرج عن الإطار الديني الذي يعمل بموجبه هؤلاء المصلحون ايضاً.
هذه المشاريع الفاشلة للإسلام السياسي السني التي لا يرتبط فشلها بالمدرسة التي يتبنى ثوابتها هذا المشروع أو ذاك , بل بتوظيف الدين ذو الطبيعة الروحية التأملية العبادية التي تتغلب عليها الخصوصية الشخصية أكثر من تلك العمومية التي تجعل الدين رهينة لتقلبات وضع سياسي أو إقتصادي معين أو لمزاجات شخص أو مجموعة ما . هذه المشاريع التي رافقتها الجريمة وأشاعت مبدأ القتل وشرعنت إستعمال العنف حتى بدى وكأنه العلامة الفارقة لمثل هده المشاريع , لا ينبغي أن يرتبط فشلها بتوجهها السني , بل بإرتباطها بتوظيف الدين لخدمة أهدافها السياسية وفشلها في هذا التوظيف الذي ربطته بالعنف دومآ , إذ أن التوجه الديني الآخر الذي خطط ويخطط لتأسيس مشروع الدولة الدينية إنطلاقآ من ثوابت الإسلام الشيعي لا يقل بؤسآ وهمجية ووحشية وتوظيفآ فاشلآ للدين عن نظيره السني ولا تتحقق له فرص نجاح أكثر منه , حيث إرتبط هذا التوجه أيضآ بعامل العنف المؤدي إلى الجريمة متنكرآ هو ألآخر لكل أساليب ألإقناع التي تشكل القاعدة ألأساسية لأي فكر بما فيه الفكر الديني. وخير مثال صارخ على فشل هذا التوجه الطائفي الشيعي يتجلى في نظام ولاية الفقيه الذي سنناقشه في القسم الآخر من هذا الموضوع ، إضافة الى مناقشة ما يتفاخر به ادعياء الدولة الدينية من ذلك الهجين المشوه للدولة في بعض الدول ذات الأغلبية الإسلامية والتي تدعي انها تؤسس لدولة مدنية حديثة بتوجه اسلامي كتركيا والباكستان مثلاً ، او المجتمعات الخليطة ذات المذاهب المختلطة التي تؤسس لهذا الهجين من الدول ، حيث يعتبرها الإسلام السياسي نماذج ناجحة . إلا ان الفشل الذريع الذي يرافق مثل هذه الدول لا يمكن لكل ذي بصر وبصيرة انكاره، وهذا ما سنتطرق اليه في القسم الثالث من هذا الموضوع.
الدكتور صادق اطيمش