شارع الحرية 18

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 5 / 9

"لا فكاك من الوطن". هكذا انبعثت هذه الكلمات وكأنها توحد كل خلجات وجدانه.
استـقرت علاقـته بسلمى. أصبحا يلتـقيان كل يوم، وكل يوم ينبعث منها أريج الملائكة أكثر فأكثر، فتـزيد بذلك قناعته، أن التوجه الروحاني او اتباع ما يحيكه روح الكون له من الحكمة ما تعجز كل المعادلات المادية في التـفكير عن اكتـناه فحواها. فعلا يا لبؤس الاطمئنان الى الجهوزيات، ويا لبؤس العقل الذي يعتـقد في امكانيته الإحاطة بكل شيء. وقد بدأ بالفعل يـنـتـشر في عالم التـفكير الفلسفي الاستـناد على منهج المقاربات الفكرية، وهي التي تعني بالأساس انعدام التوقـف عند أي قطعية معينة في التـفكير. انه اذن عصر الفكر المنفـتح والقابل للفجائيات والمتماوج مع مختلف مناهج التـفكير الممكنة.
فعلا. ان التعلق الشديد بها بقدر ما يبعثه من السحر الفياض، بقدر ما يجعله يكتـشف يوما فيوما نوعا من التطابق بين كيانيهما في عمق العمق، برغم الاختلافات على السطح.
أعطته رقم الهاتـف في البيت كما ناولها رقم الهاتف في مكتبه في الجريدة، فهو لا يمتلك هاتـفا في الشقة. اتـفـقا على موعد الساعة الخامسة كل عشية في مقهى "مسك الليل" الهادئ الشرقي الطراز.
ولم يشأ أن يمر على علاقـته بغادة كأنها لم تكن. بل انه ضحك حين قالت له بكل براءة:
ـ حين رأيتها أول مرة شبه عارية بذاك الجمال والصلف والكبرياء كاد يصيـبني الإغماء. وجدت نفسي وجها لوجه أمام صورة المرأة الحرة المخيفة لدي.. كأنها أوربـية. كم هي واثـقة من نفسها في عريها..
لم يكتم ضحكته الخفيفة التي قال على إثرها:
ـ فعلا. غادة فتاة استـثـنائية.
تساءلت سلمى قائلة:
ـ هل تحبها؟
قال:
ـ أحببتها كثيرا، وحين التـقيت بك أدركت نوع الحب الذي أكنه لغادة. أكيد ان ذاك الشعور سيـبقى في ذاكرتي.
وحكى لها عن غادة محاولا ان يوضح فكرتها أكثر من أحداثها. في النهاية المتعة الجنسية ليس لها تاريخ، والتاريخ هو سردية الوعي الإنساني. ما يؤرخ غادة هو فكرتها التحررية، أما أن تـقول انها جميلة وأنها مثيرة جنسيا الى ابعد الحدود، فهذا ليس بتأريخ لها فهذه توصيفات عامة. أما غادة بتـفكيرها ومواقـفها الفكرية واستـثـنائيتها في الواقع وثوريتها على ما تسميه البؤس الثـقافي، فذاك ما يؤرخ لغادة.
كانت سلمى على عكس ما كانت تـتـصور في نفسها من غيرة ونفس منغلقة، قد انجذبت الى حديثه عن علاقـته بغادة وحديثه عنها. اكتـشفت مكمن سحرها، كما دخلت الى عالم جديد لم تكن تـتخيله من خلال حديثه ذاك. قالت له:
ـ لقد جعلتـني أحبها.
ـ حقا؟
أومأت برأسها الجميل وهي ترمقه بنظرتها المفعمة بالعذوبة والسحر الجذاب، ولكن سرعان ما خفضت رأسها وهي تـقول:
ـ الآن فهمت ما كنت عاجزة عن فهمه. يعني من الواضح أنك عاقـل ورزين، فكيف تكون لك علاقة من ذاك النوع؟ الآن فهمت القصة بوضوح. يعني انها ليست عاهرة وأنك مثـقـف نبـيل.
ابتسم وقال:
ـ الفيلسوف "نيتـشه" كانت له علاقة مع عاهرة دميمة، و"جان جاك روسو" كان كثير العلاقات الماجنة وأنه كان يهرب من أطفاله اللقطاء، و"شوبنهور" كان بورجوازيا ولم تكن له غراميات إلا مع المومسات، كما اغـتصب "ماركس" خادمتهم في البيت حين كان يافعا في بيت أبيه المحامي البورجوازي..
تساءلت بوجه بادي الإنـزعاج:
ـ يعني ان المثـقـف يمكن ان يكون حقيرا في علاقاته..
تأمل وجهها الأبيض الصافي الذي يحاكي بياض رؤيتها للأشياء. قال:
ـ ربما هذا الانـفصام بين حياة العقل وحياة الغريزة يشكل مأساة. هذه المأساة هي التعبير عن الديالكتيك الحي. انها سر عبقرية هؤلاء.
لم تعلق بأي كلمة، ولكن غلب الوجوم صفحة وجهها. أردف قائلا:
ـ أردت أن أوضح لك خطأ فكرة الربط بين التعفف والمثـقـف. المثـقـف يمكن ان يكون صعلوكا وتلك الصعلكة تكون من بين محركات ابداعه. هذا لا يعني أني أتحدث عن نفسي. لكن في نفس الوقت..
سكت لبرهة من الزمن، فوجد أنها تـنـتـظر ما سيقول، وقال:
ـ يصف الشاعر الفرنسي "بودلير" المرأة بالعظيمة الدنيئة. أتصور أن ذلك ينطبق على المفكرين العباقرة. يعني أن الرجل ليكون في مستوى المرأة يجب عليه ان يكون مفكرا عبقريا.
ابتسمت فأردف قائلا:
ـ أردت أن أقول إني لم أعش فكرة الحرية مع غادة فقط ولكني عشت الحرية من خلال بركان اللذة الجنسية الذي إنـفجر بفضلها وبها ومعها.
لم تـنبس بكلمة ولم تـنظر اليه، وبعد برهة من الصمت قالت إنها تريد مغادرة المقهى. في الشارع تبادلا بعض الكلمات وكانت واجمة وحزينة. رغم ذلك رافـقها الى باب العمارة التي تسكن فيها.
في الطريق كان يحدثها عن حكايات عم علي الحلاق الخارقة، وكيف أنه كان يغضب ممن يشكك فيها فيصل به الامر أحيانا الى سبه. كانت هي واجمة ولو لم تكن واجمة لما تعشقها أكثر فأكثر. لقد هوى بمطرقة على رأسها. من الأكيد أنها كانت تـتـصور ان تكون علاقـته بغادة جنسية، ولكن من المحتمل انها كانت تستـبعد ذلك في نفس الوقت، وخاصة في الثلاث أيام الأخيرة التي شهدت لقاءاتهما اليومية.
استسلمت لمشاعرها باعتبارها مشاعر روحية نبـيلة وجدته محايثا لها من حيث كلماته وتهافت أشواقه. في ضل تلك المشاعر كانت تـفكر في علاقـته بغادة دون أن تـثير الموضوع، وبنت تصورا ينسجم مع ما بدا منه من مشاعر نبـيلة. قالت ان علاقـتهما بريئة من الجنس وأن عريها حينذاك ربما كان لتسرعها في فتح الباب ونسيان ما هي عليه من ساقين عاريتين، برغم ان جمالهما يفترض تعريتهما لتغدق بالجمال على العالم..
برغم ان هذا التصور لم يكن يقنعها بالتمام والكمال إلا أنها كانت تٌـقـنع نفسها به، إلى غاية هذه اللحظة التي حسم فيها تهافت هذا البنيان الواهي، باعترافه بكل اعتيادية، أن ما بينه وما بين غادة علاقة حب جنسي متحرر، بوعي استحقاقي له من كليهما.
لم تُدرك حينها أن المسكوت عنه في هذا الاعتراف، هو حبه لها حبا روحيا، وشأن الروحي هو الأزل.
أثـناء سيرهما سويا، لم تكن تستمعه، وانما كأنها تسير في الطريق لوحدها. لا علاقة بكل ذاك الضجيج في الشارع، وكان مجرد رفيق لها تُحس بتيار العذوبة الذي يربطها به، ولكنه ابليس في الجنة كذلك. لم تـنبس بكلمة، وهو بدوره لم يتكلم كثيرا وإنما فقط كانت روحه تـنـشر إغتباطها بالملاك الذي يرافقه. تصور كنه ذاك الإحساس أن يكون الى جانبك ملاك. كأنك في الجنة تسير في قلب جحيم هذه المدينة الصاخبة.
كان يملي نفسه بتـفكره في نفسه الملائكية هو بدوره. تـزاحمت الصور بفوضى في ذهنه. كان ذاك الطفل البريء العاشق للمرأة كجمال ملائكي يمشي على قدمين. ثم، لحظة احتلامه الأولى وخروج سائل بلذة خارقة من عضو تعود ان تكون له مهمة وحيدة في الحياة هي التبول، بما يرافـقه من إحساس بالذنب. حين كان يتبول في فراشه وهو نائم لتـنهال عليه أمه بالإهانة. ذاك العضو الممثل للإهانة يصبح مصدرا للذة خارقة. لكنها لذة مهينة لأنها من نفس عضو التبول. ومسح ذاك السائل الذي تجمد بعضه على بطنه فرافـقه إحساس القـذارة حتى أخذ دشا، فكان يقول "وجعلنا من الماء كل شيء طاهرا ونظيفا وممسوحا من الإهانة. هل تعني الحياة اذن الطهارة والنظافة وانعدام الإحساس بالإهانة، لذلك اختـزل ربك كل تلك المعاني بقوله وجعلنا من الماء كل شيء حيا؟".
وأصبح الإحساس بالجمال مترافـقا بالإحساس باللذة، فقال انه من المنطقي اذن ان تكون أعمدة الوجود الحقيقية التي تربط الأرض بالسماء هو اللذة المنبثـقة أمام كل جميل.. واكتـفى بذلك برغم أن الاستمناء مثل إهانة كبرى لمرور الالتـذاذ بالجمال عبر قصبة التبول. قال لصديق له أيام المراهقة: "لا يمكن لأي شيء أن يُقنعني أن البول مادة نظيفة وأن ما يفرزه هذا العضو اللعين نظافة".
وكان كلما فكر في هذه المسألة الا وضاق بنفسه، حتى قرر محاربة نفسه والقطع مع هذه اللذة الوسخة بمثل ما وصفها حينها. برغم ذلك فـقد كانت سعادته عارمة حين الاحتلام. فتلك لذة بغض النظر عن توصيفها بالقذارة الا انها ليست عن قصد منه. ورمى بنـفسه في عالم البحث عن المعنى وإرادة تغيـير العالم وتطهيره من الظلم والدناسة والقـذارة. وشيئا فشيئا كان يمارس لذة جمالية طاهرة وهي قراءة الكتب خلافا لدراسته التي كانت تغدو مملة أكثر فأكثر كلما غاص في عالم الكتب..
كانت الدراسة عبارة عن قبو صغير يُجبر نفسه على الولوج اليه مقارنة بالعالم الفسيح من الأفكار في الكتب.
ودون في سرديته الجديدة هذه الفكرة معبرا عنها بالقول:
" وكان قد قرر الإقلاع عن التدخين، حين استبدت به فكرة أن الرغبة في ذاتها هي الشر، وأن باعث الرغبة هو ابليس. ذاك انه أصبح بحكم اليقين لديه، أن الشجرة التي نهاهُ عنها ربه هي ليست شجرة المعرفة بمثل ما هو شائع، وانما هي شجرة الرغبة، ودليل ذلك هو قول ربك في قرآنه، أن آدم وحواء بمجرد أكلهم من ثمار تلك الشجرة حتى بانت لهما سوءتهما، أي أعضائهما التـناسلية. الأعضاء التي لم تكن بائـنة ولم تكن تمثل اشكالا، حتى تولدت الرغبة. اذن هو تعبير مجازي يؤكد فكرة ان انبعاث الرغبة هو المشكلة وليس الأعضاء التي لم تكن تمثل شيئا قبل الرغبة. من الذي بعث الرغبة؟ ابليس الذي هو في الحقيقة أخلص الملائكة لربه لأنه رفض السجود لغير الله. رفض السجود لآدم خليفة الله في الأرض، أي الله الأرضي. هذا الأرضي الذي لا يمكنه ان يعيش دون رغبة وابليس هو باعث الرغبة. تركيـبة منطقية مذهلة، او بالأحرى تعبير مذهل. أيها الآدمي الذي ما أن تـنبعث الرغبة فيه حتى ينزل الى الأرض.
ولكن المعرفة هي رغبة، او هي نفس الرغبة ولكنها متعالية. نفس الرغبة الكونية هي. ما هي هذه الرغبة؟ لا تحدثـني عن عمك "فرويد" فالليـبـيدو محمول الرغبة وليس حاملها. على كل ما كان للإنسان تاريخ لولا الرغبة وصراع الرغبات وتدافعها بعضها على بعض.
وبما أنه يريد نفي إرادة القتال، فالسلام في النيرفانا وقـتل الرغبة في ذاتها."
وهكذا كان وجوم سلمى قد أثار لديه كل تلك الأفكار والذكريات، وبالتالي فهي هو في تلك المرحلة من الطهرية. وقد شارفا باب العمارة التي تـقطن فيها، فكان من الواضح لديه أنها ستهرب منه من جديد إن ابتلعتها هذه البناية الفرنسية القديمة عند عتبة ضربة المطرقة التي أوقع بها على رأسها الجميل. قال لها:
ـ هل تحلمين بتغيـير العالم؟
إندهشت لسؤاله المُسقط هكذا دون أي مقدمات. قالت بنظرة تبدو أنها تحمل الاحتـقار، ولكنها فيما وراء ذلك كانت تحمل دمعة منحبسة ولا يعلم مدى القوة التي تمارسها على نفسها لحبس دموعها.
قال وهو يقـترب اليها أكثر فأكثر:
ـ يعني هل تحلمين بتطهير العالم من الدناسة؟
قالت بجفاء:
ـ لم أفهم. ماذا تريد ان تـقول؟
ـ لا يمكن تغيـير العالم حتى نكون في العالم.
قالت بنبرة استهزاء:
ـ لم تخطر على بالي فكرة تغيـير العالم.. ثم نحن في العالم سواء أردنا ذلك أم لم نرده..
وعاودت سيرها فتبعها وهو يقول:
ـ أقصد ان نكون في العالم بوعينا بالعالم بمثل ما هو العالم.
قالت بصبر نافذ:
ـ رأسي يوجعني والمشي لا يساعد على مثل هذه النقاشات.
اقـتربا الى فوهة باب العمارة حينها، فقال:
ـ أشتهي أن أرقص معك في السماء..
توقـفت وقد انـقـلبت سحنة وجهها إثر تورده بتيار من السرور. أردف قائلا:
ـ ما رأيك في رقصة.. تخيلي أعظم لحن موسيقي وهيا نرقص.
مسكها من يدها وهو يقول:
ـ هيا نطير يا ملاك البياض.. هيا. (ضغط على يدها)..
ابتسمت وقالت:
ـ أنت مجنون.
مسكها من يدها الأخرى وقال:
ـ هيا نطير الى السماء. هيا يا ملاكي..
حين جذبها قليلا اليه، إنـقـلبت من جديد مستـنـفرة وقد إقـتـلعت يديها من يديه، وهي تـقول:
ـ أنت مجنون..
وأسرعت نحو فوهة العمارة المظلمة، فلحقها. كانت قد توقـفـت داخل فوهة العمارة. اقـترب اليها وقال بصوت منخفض:
ـ أنت ملاك. أنت قديسة. أنت أنا الطهري الذي صدمته الدناسة وقـذارة الوجود.
بكت وهي تـقول:
ـ لقد كنت قاسيا معي. قاسيا ببرود. لقد كرهـتـك.
مسكها من ذراعيها وقال:
ـ لا تكرهيني فـقد كرهت نفسي بما فيه الكفاية. لا تكرهيني يا قـديستي. لا تكرهيني يا حبي. أردت أن أكون واضحا معك. أردت أن تحبيني أنا بمثل ما هو أنا وليس بمثل ما ترسمينه في خيالك..
تساءلت قائلة:
ـ لماذا تريدني أن أحبك؟
اقترب اليها حتى لامس طيف جسده طيف جسدها، وقال:
ـ لأني أحبك يا ملاكي الطاهر..
حاولت ان تجذب ذراعيها من قبضتيه، فاندفع مقـتربا اليها حتى لامسها واحتضنها في صدره وهو يقول:
ـ لماذا تهربين من الحب يا ملاكي المبعوث من السماء؟ هل هو ثـقيل عليك الى هذه الدرجة؟
كانت قد استسلمت الى صدره الدافئ فاستـشعرت إحساسا عارما من الأمان. أبعدت نفسها عنه، فرأى دموعا تـتـرقرق على خدها. مسح الدموع بإبهامه برقة، وعيناه تغوصان في سواد عينيها المبرقـتين، وبصمت ودون إضافة اية كلمة وجد نفسه كما وجدت نفسها، مأخوذين في تيار شديد العذوبة من القبل التي عانق فيها اللسان اللسان بجاذبـية كبرى جعلت روحيهما ترقصان في السماء..