منصور الريكان -صورة الذاكرة-

رائد الحواري
2019 / 5 / 6

منصور الريكان
"صورة الذاكرة"
في ظل الظروف القاسية التي يمر بالمواطن في المنطقة العربية، يصبح وجود وسيلة/شيء/شخص تخفف عنه مسألة ضرورية، الشاعر "منصور الريكان" من الذي يخففون عنا ما يثقل كاهلنا، فمن خلال لغته وطريقته في تقديم مشاعره، نشر براحة، فتبدو لنا قصائده وكأننا نحن من كتبها، لأنها تعبر عما نشعر به، من يتابع الشاعر يجده يمتلك خط شعري مميز، اللغة، الألفاظ، الحزن الناعم، لكها تميز الشاعر عن غيره، حتى أننا نستطيع أن نعرفه من خلال القصائد حتى دون أن يذكر اسمه:
يفتتح الشاعر القصيدة:
"من يا ترى بلع الأسى وعاش في الرمادْ
وَقاد ظل نملة ونام في السوادْ"
صيغة السؤال دائما تثير القارئ وتجعله يتوقف عن السؤال متفكرا، ورغم أن هناك سواد في الفاتحة "الأسى، الرماد، السواد" إلا أن الشاعر استطاع أن (يتخلص/يتجاوزه) من خلال المقطع التالي:
"مهلاً تراني عاشقاً للذكريات وحالتي حال العبادْ
يا أيها الموسوم بالفرح اللذيذْ
قدني فذاكرتي المساءات وعشقي للموسيقى والنبيذْ"
نجد ألفاظ بيضاء "تراني، عاشقا، الموسوم، بالفرح، اللذيذ، وعشقي، للموسيقى، والنبيذ" وهذا ما يجعلنا نقول أن الشاعر من الشعراء الذي يراعون (مزاج) القارئ، لهذا نجده يحرص على تقديم الحزن بصورة ناعمة، هادئة، مما يؤثر ايجابا على نفسية المتلقي.
"يا أيها المفطوم صبرك أن تعود وترسم الشارات للأمجادْ
لغريب أنك عاقر وعشت في الكفافْ
وصوتك يا نابذ الزوايا حافْ"
النداء والسؤال من الادوات التي تحفز القارئ على متابعة القصيدة والتوقف عندها، وتكاد أن يكون النداء والسؤال سمة عامة في شاعر "منصور الريكان"، فبعد أن منحنا الشاعر طاقة من خلال الالفاظ البياض السابقة، يخاطبنا "يا أيها المظلوم" ووقع الخطاب المفرد على المتلقي أشد من الخاطب الجماعي، فيبدو وكأنه يخاطب كل قارئ بشخصه.
"قدمت قدّاسك للإله معطراً وباحثاً عن ذكريات الناسْ
ترّتلُ تعوذ من وسواسْ"
اللجوء إلى الله وقد الشدة، يشير إلى الحالة الإيمانية عند الشاعر، فرغم ما يمر به إلا أنه يجد الله معه، وسيخصله مما علق به من نوائب، ولجميل في المقطع السابق أن الألفاظ بعد الإله جاءت بيضاء "معطرا، ترتل، والسواد/الشر سبقه فعل "تعوذ".
"وتحلم بامرأةٍ لاهبةٍ من طيبة الجنوبْ
تراها كالنسيم قد تذوبْ
أما أنا أراهن العشاق يا أحبتي أعيش بالمقلوبْ"
بعد التوجه إلى الله، يقدمنا الشاعر من المرأة، العنصر الأهم في إخراجنا من بؤس الواقع، وقد أقرنها بألفاظ بيضاء: "تلحم، طيبة، نسيم، العشاق، أحبتي، أعيش، القلوب" وكأن التعويذة التي نطلق بها، مستجابة، فكان الألفاظ بيضاء.
"أصحابي القدماء قد تناقصوا منتظراً حياتي الآتية بالحبْ"
بعد أن تحدث عنا ولنا الشاعر، يتقدم أكثر منا فيحدثنا عن نفسه، وكأنه بهذا الخطاب يردنا أن نشاركه همومه كما شركنا همومنا، وإذا ما توقفنا عن (هم/وجع) الشاعر نجده وجع إنساني، فهو يفتقد للأصحاب، وهذا الحنين كاف ليثير الحنين والعاطفة فينا نحن المستمعين له.
"أواه يا مدينة الأحلام يا أغاني العشاقْ
قلبي على العراقْ ،،،،،،،،
في كل مرةٍ أجوس ذكرياتي وكيف كنا نلعب ( الطفيرةْ )
ونرسم تعويذة الإمام في الأكتافْ"
إذا ما تجاوزنا الألم في "أواه" نجد أن بقية الألفاظ بيضاء وتقدم فكرة الحزن من خلال المعنى العام للمقطع، أما الألفاظ عير النقيض من الفكرة: "مدينة، الأحلام، أغاني، العشاق، قلبي، العراق، ذكريات، نلعب، نرسم، الإمام، الأكتاف" وهذا ما يجعلنا نقول أن ما العقل الباطن للشاعر يتجه نحو البياض، لهذا يبتعد عن تناول السواد ويحاول أن لا يعكر مزاج المتلقي قدر المستطاع، أما من خلال النداء، السؤال، الألفاظ البيضاء، لكن فكرة الحزن تبقى حاضرة، لكن بأقل الأضرار.
يقدما الشاعر أكثر من عالمه الخاص فيحدثنا عن أمه:
"وأمي ترش الماء عند خروجي وتدعو بأعلى صوتها الإلهْ
الذكريات حالنا
ما أجمل الجمال والبساطة وصورة الجد على الأفواهْ"
ألفاظ مطلقة البياض، وكأن أثر الأم حول السواد إلى بياض، فجعل من الواقع القاسي عالم آخر جميل وبهي، وهذا ناتج عن الأم، فالأم أنست الشاعر الواقع، وتخلص منه بشكل كلي، مما انعكس عليه ايجابا، فكانت لغته بيضاء وجميلة.
"وجدتي تحضنني أشمها بعطرها الفواحْ
والعم يجمع ثلته وتصدح الأقداحْ
الحياة ما أبسطها"
نجد ان الشاعر يكز على الأفعال السعادة " تحتضنني، أشمها، يجمع، وتصدح، وقد عبر عن حنينه لتك الحياة الهنئة: "الحياة ما ابسطتها".
"والآن قد تغيرتْ
وكلهم قد رحلوا يا وجعيْ
الشيب قد غزاني والحروب قد تناوبت وزادني الأسى"
رغم "يا وجعي" إلا أن الطريقة واللغة التي يعبر فيها الشاعر لم تكن قاتمة، بل ناعمة، فهو يتحسر بما حصل "الحروب، الشيب، الأسى" وإذا ما توقفنا عن حزن الشاعر نجده حزن داخلي/جسدي "الشيب غزاني" وخارجي "الحروب" لهذا نجد الألفاظ قاسية "رحلوا، وجعي، غزاني، الحروب، الأسى" فلو كان الحديث عن ألم داخلي فقط لما كان هذا الكم من الألفاظ السوداء، لكن تحالف ما هو داخلي مع الخارج، فكانت الحالة (لا تحتمل).
"لكن لي حبيبة تعشقنيْ
وكلما ناديتها ترسمني كشارة للنصرْ
في ولهٍ أقول يا أشواقْ
أحب فيك صورة العراقْ"
المرأة المخلصة، من يستعان بها لتجاوز وقع الحال، بعد السواد والألم جاءت لتخلصه، وقد خلصته فعلا: "حبيبة، تعشقني، ناديتها، ترسمني، كشارة، نصر، وله، أشواق، أحب، صورة، العراق" والملفت في حضور المرأة، جعل الوطن/العراق يأتي بهيا متألقا كحال المرأة.
القصيدة منشورة على هذا الرابط
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=636243