العيب في الفكرة أم في المحيط

جعفر المظفر
2019 / 5 / 4

العيب في الفكرة أم في المحيط
جعفر المظفر
وأجد أن القول (العيب ليس في الفكرة نفسها , إنما في الناس أو المحيط), قد إستهلك نفسه كثيرا, والأصح أنه كان مضللا منذ البداية.
إن سمو الفكرة لوحده لا يكفي للتأكيد على صلاحية الفكرة, فقد ينجح مشهد في زمان ومكان وقد يفشل في مكان آخر, والسبب كما هو معروف سبب بيئوي, ولا علاقة له هنا بعيب الفكرة من عدمه, وإنما العيب في تجريدها من تأثير أحكام الزمان والمكان التي خلقت بيئة هذا المحيط وميزتها عن تلك, بحيث يصبح من العبثية التأكيد على فشل المحيط في إستقبال الفكرة السامية وتحميل هذا المحيط وزر الخطأ وسبب العيب.
الحقيقة أن صلاحية أي منهج إنما تكمن في عمليته, وليس في مقدار الخير الذي يحتويه, فالنوايا وحدها غير كافية, كما أن الشيطان غالبا ما يعثر على مكانه في التفاصيل ويتناسل في أحضانها الدافئة.
لكن الإسترسال بأمر كهذا يحتاج إلى وقفة توضيح, فهو لا يعني وضع بيئة الزمان والمكان كحاجز في وجه الأفكار الإنسانية الوافدة علينا من التجارب العالمية, وفي المقدمة منها تلك المرافقة لقضية الديمقراطية, وإنما يعني بكل تأكيد العمل على خلق توليفة ملائمة ما بين الفكرة الوافدة والمحيط المُسْتقبِل لمنع الإحتدام الذي قد يشيعه التناقض بينهما.
حينما يكون هناك إقرار لوساخة الوسيلة بإسم سمو الغاية تكون هناك مساحة مقرة للجريمة والخروج الأخلاقي على الغاية, وفي النهاية ستتراكم الجرائم الأخلاقية والجنوح القيمي لتغطي على نبل الغاية نفسها, وسيتراجع نبل الغاية لصالح وساخة الوسيلة وتتغلب الثانية تدريجيا على الأولى.
إن وسيلة لا تحمل تفاصيل النبل ذاتها التي تحمله الغاية لن تكون لها في النهاية علاقة بغايتها.
وسيكون الأمر في النهاية كمن يحاول الجمع بين عدوين لدودين في رباط مقدس واحد.
من الصعوبة بمكان تطبيق هذا الدمج المحكم بين الوسيلة وغايتها, وبينما يبدو الأمر وكأنه نظرية جديدة متناقضة مع التعريف الأوسع لمفهوم السياسة الذي ظل متوارثا منذ ان وضعه ميكافيلي, فإن من السهولة رؤية أن الكثير من قيم التجديد والتطور والحداثة, حتى على صعيد طبيعة الأنظمة السياسية في البلدان المتحضرة, إنما تدور حول محور تضييق الرقعة ما بين الهدف الأخلاقي المثالي وما بين الوسيلة الواقعية التي تحاول الدمج بين تاريخية الهدف ووسيلة تحقيقه.
وبينما يسحبنا واقع الحال هذا تدريجيا إلى الإعتراف بإستحالة أن تأتي الوسائل في معظم الأحوال متناغمة تماما مع غاياتها الإخلاقية فإن العمل على تضييق رقعة هذا الإختلاف سيكون إحد المشاهد التي غالبا ما يتوجه الفكر السياسي الإنساني ليعمل على تضييق مساحته.
لو قيل ان الديمقراطية قد فشلت في العراق, وهو قول عليه الكثير من الشواهد الدالة, فإن محاولة تنزيه الديمقراطية بدعوى فشل المحيط يعني من جانب آخر تحويل الديمقراطية من منهج إنساني يجوز تعديله إلى مقدس غيبي لا يجوز الإقتراب من هالته, وستؤدي حالة كهذه, التي غالبا ما يجري الترويج لها تحت عنوان التخويف من عودة الدكتاتورية, إلى تحميل المحيط, وهو هنا الشعب العراقي, وزر هذا الفشل بدلا من الذهاب مباشرة إلى تغيير أو تعديل المنهج نفسه.
عمليا لم تُظْهِر الديمقراطية في عراق ما بعد سقوط صدام قدرة ملموسة على تأسيس دولة وبناء وطن وتغيير مجتمع بل ظلت تدور في مساحة حل إشكالية السلطة, وقد تم رسم الإشكالية العراقية برمتها بحيث تتمحور حول هذا المشهد لوحده, وكأن مشكلة العراق الحقيقية كانت تكمن في نوعية المذهب او القومية التي كانت تنتسب لها السلطات والأنظمة السابقة وليس في عجز هذه الأنظمة عن بناء عراق متحضر