من أقول الشاهد الأخير حيدر محمود

رائد الحواري
2019 / 5 / 3

من أقول الشاهد الأخير
حيدر محمود
أحيانا نحن القراء نتبنى وجهة نظر (جاهزة) دون بحث أو تفكير، وهذا ما يحرمنا من متعة المعرفة، واعتقد أن (إلصاق) فكرة (الرسمي) على شاعر ما تجعلنا نبتعد عنه وعن شعره، فيكون بالنسبة لنا أقرب إلى شاعر مجهول، لأننا لا نقرأ له، وهذه الحالة تنطبق على العديد من الشعراء الذي تقربوا من (الرسمي).
الفضل للشاعر "فراس حج محمد" الذي حفزني للتعرف على شعر "حيدر محمود" فرغم معرفتي بالشاعر منذ عقود، إلا أنني لم أقرأ له قراءة متمعنة، وهذا خطأ وتقصير كان من المفترض أن لا يأتي من (قارئ) يدعي الانفتاح على كل ما يُكتب ويُنشر، فالمعرفة تبقى الحصن الذي يحمينا من أن نكون (قطيع) يتبع وينساق وراء (مزمار الراعي).
الحرف
تناول مجموعة قصصية أو ديوان شعر، يأتي بشكل عام (فضفاض) ولا يعطي الديوان/المجموعة حقها من البحث، لهذا سأحاول قدر المستطاع أن أعطي الديوان حقه، يفتتح الديوان بقصيدة "ولكن .. لا أحد"، وفيها نجد حقيقة الشاعر، حقيقة ما يعانيه كشاعر وكمواطن، فمن خلال عنوان القصيدة "لا أحد" يمكننا أن نقول أن الشاعر يعيش حالة من فقدان الأمل/الضياع/التيه:
" (1)
ستكونون كثيرين، كثيرين، كثيرين..
ولكن .. لا أحد.." ص11، يستوقفنا تكرار "كثيرين" ثلاث مرات، وكأنه أراد الشاعر أن ينفي ما هو مقدس/حقيقي/مطلق في تفكيرنا، أليس رقم ثلاثة مرتبط بالمقدس/بالعبادة/بالدين؟، وتستوقفنا صيغة الخطاب الموجه لنا "انتم" فرغم أنها مباشرة إلا أن " لا .. أحد" تستوقفنا، فهي عامة متعلقة بنا وبالآخرين أيضا، يقدمنا الشاعر من واقعنا أكثر:
" وستمتدون، مثل الموج، وفي كل بلد
ثم ... ترتدون، كالإسفنج، لا يبقى لكم
زرع .. ولا يبقى لكم ضرع
ولا يبقى ولد!!" ص11، الحركة المتعاكسة بين "ستمتدون وترتدون" تشير إلى عبث، فقدان الأمل وضياع الهدف، ونجد في حرف النفي "ولا" ديمومة العبث والتيه وعدم وجود بوصلة ترشدنا إلى الطريق، فاستخدام الحروف يشير إلى امتعاض الشاعر من الواقع، وكأنه بها يؤكد على اغترابه وعدم توافقه مع الواقع، فيبدو وكأنه (يقرف) من الكلام لهذا يستخدم الحروف.
"(2)
لا تصدقنا، أن قلنا: (سنأتيك،
لنفديك) .. فلن يأتي أحد!!" ص12، حرفي "لا، فلن" يؤكدان حالة النفي لما هو ايجابي، والشاعر يدخل مشاركا في (خذلان والكذب) على الآخر ـ الاقصى ـ "لا تصدقنا"
"وإذا امتدت يد الهدم، فلن تمتد
(كي تبنيك)، من هذي الملايين
التي تهدر ... يد!!" ص12، حروف وسماء الاشارة "وإذا، فلن، كي، من، التي، هذي" كلها تشير إلى عدم توافق الشاعر مع ما يجري، مع الواقع، ونجد حالة (قرف) التي يعيشها الشاعر من خلال استخدام ألفاظ قليلة الحروف "أحد، يد" وكأنه يتعب من الكلمات لهذا (ينتقي) منها ما هو خفيف، قليل الحروف.
"لا يغرنك العدد..
فهو (يا أقصى) غثاء، كغثاء السيل،
لا وزن له .. وهو زبد!!" ص12، الملفت للنظر أن هناك ربط بين تكرار "كثيرين" ثلاث مرات التي أخذت صبغة دينية/مقدسة، وبين "غثاء كغثاء السيل" التي جاءت كتناص مع الحديث النبوي "بل أنتم يومئذ كثر، ولكنكم غثاء كغثاء السيل" وكأن الشاعر يشير إلى عقم الخطاب الديني، فهو يراه خطاب فارغ "لا وزن له"
ونجد أثر الحرف على الفكرة/على المضمون في قصيدة "موال الغربة":
"أحبائي/ رفاق الليل، والغربة
أقول لكم .. لماذا كانت النكبة:
لأنا ـ حين كنا نزرع الزيتون ـ كنا مجهل التربة
ولا نهتم إن أعطيت،
وإن لم تعظ..
نترك أمرها لله، يحرثها ويسقيها
وينفخ روحه فيها" ص111و112، حرف التاء في آخر كلمات "الغربة، والنكبة، والتربة" يحمل الألم، فهو يلفظ قريب من حرف "هاء" الذي يحمل الألم، ونجد حروف "لا، وإن، لم" والتي تؤكد حالة الألم عند الشاعر، فأختصر الكلام والكلمات، لكنه قدم فكرته وأوصلها كاملة.
وإذا ما توقفنا عند "أحبائي/ رفاق الليل، والغربة" نجد أن الشاعر لا يخاطب العامة، بل الخاصة، وقد أعطانا فكرة انحيازه لهم "أحبائي، رفاقي" وأيضا أبدى لنا (ضياعهم/تيههم) "الليل والغربة" وهذا يعطينا فكرة الحالتين التي يعيشهما الشاعر، فهو غير مستقر، فيبدو وكأنه يضع خطوة هنا وخطوة هناك، لهذا هو في حالة تناقض وصراع.
الصراع
الألم والغربة هما محفز على إطلاق الابداع في الشاعر/الكاتب، فالكتابة احدى الوسائل التي يلجأ إليها للتخفيف من حالة الاحتقان والضغط، كما أنها تمنح الشاعر/الكاتب الهدوء والسكينة والفرح، لهذا، للكتابة أهمية (شخصية) اضافة إلى دورها في خلق حالة من النشوة عند القارئ، ومن ثمة سينعكس مظاهرها (اجتماعيا)، في قصيدة "إعادة تصوير لما حدث" يقدم الشاعر رفضه وتناقضه مع الواقع:
"(2)
قل يا الله!
لا تسأل: (كيف يصير شعاع البدر
أحذية لبنات الليل..
وكيف تصير خيوط الشمس
جوارب للمنزلقات)
لا تفتح فمك، إذا ما ندى
"زنديق" لصلاة الفجر!
هذا زمن، لا يرحم
فاسكت تسلم!!" ص126، حرف النفي "لا" يشير إلى عدم انسجام الشاعر مع الواقع، فهو ممنوع من السؤال والكلام، وبالتأكيد من الفعل، فالكلام أسهل من الفعل، ومع هذا هو محظور وممنوع، وهناك انسجام بين فكرة "عدم السؤال والكلام" مع الألفاظ المستخدمة: "قل، تسأل، تصير، لا، فمك، إذا، ما، نادى، هذا، ومن، يرحم، فاسكت ـ تسلم" فاللفظين الوحيدين (الشاذين) "للمنزلقات، زنديق" وهما ثقيلين على اللفظ ويحملان مضمون أسود/قاس، وهذا ما يجعل القصيدة منسجمة في ألفاظها وفي ومضمونها.
" (3)
أغمض عينيك، إذا هربت امك يوما
من حضن أبيك!
أوجدك راح يغازل زوج أخيك
ولا تقلق لو وضعوا في السجن السجان
وإذا يوما، أحيت ليلة عرس
جوقة غربان!
هذا زمن يهرب فيه القط من الفئران
أغلق أبواب البيت عليك
ولا تحمل هما عن إنسان" ص126و127، إذا ما توقفنا عند "السجان، غربان، الفئران، إنسان" يبدو وكأن الشاعر غير منسجم مع "الألف والنون" فهما يذكرانه بأشياء/أسماء/افعال/ مفروضة عليه، والملفت للنظر أن سهولة الألفاظ وانسيابها يتناقض مع فعل الامر القاسي "أغمض، لا تقلق، أغلق، ولا تحمل" لكن إذا ما رتبنا الأفعال "أغمض عينيك" فنبدو وكأننا أمام طبيب في مستشفى، يطلب من مريضه أن يغمض عينيه ليعطيه حقنة مخدرة، ولا " تقلق" فهذه الجرعة من (المخدر) ستجعلك "تغلق" تنام مرتاح و "لا تحمل هما" وجعا.
وفي قصيدة "من رباعيات السندباد" نجد ألم أخر عند الشاعر:
" (1)
هل يملك الإنسان أن يكون،
غير نفسه؟!
كيف يكون الليل، لو كان بلا سمار؟!
هل يستطيع الشاعر الشاعر أن يحيا
بغير حسه؟!
كيف يكون الوجه عندما يكون مستعارا؟! ص120، دائما الأسئلة تثير المتلقي وتجعله يتوقف عندها مفكرا، الشاعر يسأل نفسه ويسألنا كيف يكون الإنسان ذاته، فيريده لا يقلد احدا، ولا يتشبه بأحد، ولا يخضع إلا لما يمله عليه ضميره/مبادئه، وأن يرفض كل الضغوط ويحاربها مبدي صلابته وجلده أمام الآخر/العدو.

(2)
صديقتي،
تعبت من تنقلي بين فجاج الأرض
قطعتها: واحدة، في إثر واحدة..
فلم ألاق واحة،
تحمي دمي، من العيون الحاقدة
كل العيون، يا صديقتي، ترمقني بالرفض:
"عد يا غريب" ص121، مخاطبة المرأة تعطي شيئا من الهدوء والسكينة، والمرأة هي الأقرب وقت الضيق، والحديث معها ـ رغم الألم ـ لا يأتي بألفاظ شاذة، بل يأتي على شكل اعتراف وبوح بالألم، فالشاعر يبوح لها بما يوجعه، فيبدو وكأنه يستمد منها العون "فلم ألاق واحة، تحمي دمي" وهو يستعطفها من خلال " كل العيون، يا صديقتي، ترمقني بالرفض: "عد يا غريب" لتخلصه من تلك العيون، فهو ضعيف وهي من تمده بالقوة..
(3)
الليل يتبع النهار
والنهار كالح كالليل
كالح كئيب
والسندباد، مثلما عرفته
يظل دائما "غريب" ص 121، في هذا المقطع لا نجد "صديقتي" فقد استخدمها الشاعر مرتين في المقطع السابق، وأخذ كافيتها من الطاقة، لهذا جاء المقطع صغير نسبيا، وجاء يتحدث عن الآخر/السندباد، وليس عن أنا الشاعر.
(4)
صديقتي
السندباد عائد إلى الحمى،
بنصف روح!
ردي إليه روحه..
وضمدي جروحه..
فمن سواك، يا أعز الناس،
يعصب الجروح" ص121و122، يتقدم الشاعر من المرأة "صديقتي" مبدي ضرورة أن تتقدم منه، من السندباد التائه، فهو بنصف روح، وجريح.

فيما سبق نجد اغتراب الشاعر عن الواقع، فهو غير منسجم معه، ويتألم من الممنوعات المفروضة عليه، يعبر عما يحمله/يعيشه من صراع داخلي في قصيدة: "ثلاث محاولات للاستغراق":
" (1)
استغرق في الصمت
فتوجعني لغتي!
ويحدق في الليل، فأنهار
أمام العينين المرعبتين
وأعلن:
أني مسؤول عن كل مشاكل هذا العالم!!
.. اشتم نفسي
( ـ ماذا يملك هذا "الرقم"؟!)
وأشكر "عدل" الدنيا .
وأقبل قدميها..
كرم منها: أن خلتني في حضرتها
ـ طوال الليل ـ
أشاهدها تتعرى!!
"خداها" : جبلا رمان..
"عيناها": حقلا ذرة..
"فماها": حاكورة لوز..
(ماذا يملك هذا الرقم!؟)
...دعتني فجثوت..
...ودارت حولي..
أخذت مالا يعطى!
نامت فوق الزند "الأيمن"،
(سحقت عظم الزند!)
فجن الوجع البدوي
ومات الوعد
وسقط الشعر، شهيد اللغة العرجاء!" ص129 و130، عناصر تخفيف الضغط، المرأة، الطبيعة، الكتابة، التمرد، يفقد/يضيع الشاعر فيما سبق أهم عنصرين "المرأة والكتابة، " فتوجعني لغتي!
، وسقط الشعر، سحقت عظم الزند" وعندما يفقد الشاعر ما يستقوي به "المرأة والكتابة" يكون في الحضيض، لهذا نجده يستخدم ألفاظ قاسية ومؤلمة "الصمت، فتوجعني، يحدق، الليل، فأنهار، المرعبتين، مشاكل، أشتم، قدميها، تتعرى، فجثوت، سحقت، فجن، الوجع، البدوي، ومات، وسقط" وإذا كانت هذه الألفاظ تتبع "المرأة والكتابة"، فكيف سيكون عليه الحال في عدم حضورهما؟.
ونجد في "وأقبل قدميها، ودعتني فجثوت" انهيار/خيانة الشاعر، فأمسى (خائنا) لذاته كشاعر، واعتقد أن هذه القصيدة تعبر عما يعانيه الشاعر من (صراع) بين فضيلة الشاعر والشعر، وبين الانحطاط والسقوط في مستنقع الواقع.
يقدم لنا صورة أخرى لما يمر به في قصيدة "الحصار":
"يؤرقني فارق اللون: بيني وبيني.
فيا حزن.. قبل اكتشاف دمي لا تسلني
عن الياسمين
من الجرح، تأتي شفافية البوح،
من وتر في الشرايين
يأتي الغناء الحزين
ويمضي إلى النهر، دون شراع
ويسقط دون وداع،
كما يسقط الدمع من حدقات العيون.
هو الوجد:
حد السكاكين .. حينا
ونار البراكين ... حينا
ولكنه الفرح المتجدد فينا
وصدفتنا الأزلية .. خيمتنا الأبدية
ندفنه ثم نبكي عليه،
ونهرب من سهده المستبد، إليه..
فلا شفيت منك، يا وجع الشوق
لا حرمت من عذابك
أفئدة العاشقين.
يحاصرني الطين.
كيف يحاصر هذا الجدار المعلق
خيطا من نور،
كيف يصادر هذا الرداء الممزق
نبض الحضور
ويمنعني من مغادرتي
ويسد علي سبل العبور" ص79و80،
نجد حالة الصراع في " بيني وبيني، الجرح والياسمين، وتر وشرايين، غناء وحزين، النهر ودون شراع، والسكاكين والفرح" وإذا ما توقفنا عند فاتحة القصيدة نجدها ناعمة رغم الحزن، لكن بعد لفظ "النهر" يدخلنا الشاعر إلى حالة من الغضب أكثر منها من الحزن، فنجد "السكاكين، وندفنه، فلا، لا" وبعده نجد الشاعر يتقدم من جديد من الواقع ـ لكن بصورة رمزية ـ "يحاصرني الطين، ويسد علي سبيل العبور".
ويطلعنا الشاعر على ما يمر به من ألم في قصيدة "مقاطع من قصيدة لن تكتمل":
"الميت ـ خارج حضن النار ـ شهيد
والمولود ـ بعيدا عن دف الدار ـ شهيد
فليمسك كل منكم خنجره بالأسنان
فإن لم ينوف
نزف الخنجر..
وليكتب .. حتى آخر نبض
في الدفتر
كل العالم منفى
ومريض الغربة .. لا يشفى!
فعلى ماذا، يختلف المسببان
القمر الواجف
والوتر الراجف؟!
ولماذا .. يتصادم
ثغر الزهر الظمآن
وخذ النهر الراعف!؟
هذا العالم منفى
والبرد شديد
والوطن الساطن في العينين، بعيد.." ص132و133، فكرة الاغتراب واضحة، لكن وجدوها في الألفاظ "الميت، خارج، النار، بعيدا، شهيدا، خنجره، لم، ينزف، منفى، مريض، الغربة، لا، الواجف، الراجف، يتصادم، الظمآن، الراعف" البرد، شديد" يؤكد على انسجام الفكرة مع الألفاظ المستخدمة، والشاعر يستخدم عناصر التخفيف الكتابة:
"وليكتب .. حتى آخر نبض
في الدفتر"
والطبيعة:
" القمر الواجف"
والمرأة:
" ثغر الزهر الظمآن" بشكل سلبي، فهو فاقد الأمل ويعيش في حالة قنوط، لهذا نجده بهذا السواد والقتامة.
يوضح حالته أكثر في قصيدة " رسالة إلى فدوى طوقان:
"...تعبان .. من قرف الحكم
زعلان من وطن
لا يُقدر ..
ما أجمل الألم
ـ في اللغة العربية ـ
ما أقبح اللام ..
لوكنت أملك نفسي
أتيت إليك عن فرس الريح..
لوكنت أملك شعري
لقلت الذي لم أقله،
ولكنني جمل،
من جمال الخليفة
يركبه .. بين حد الرماح
وحدج الجراح
توجعني لغتي
آه يا جبل النار
ـ هل تطلع الشمس؟
ـ حين تكسر هذا اللجام/
وهل تلتقي الكلمات،
ـ إذا صار جرحك حرفا،
ـ متى ـ آه ـ يا جبل النار؟!" ص166و167، تركيز الشاعر على أدواته "الكلمات، اللغة، الشعر" فهي ومن خلالها يكون شاعرا، فهو يتحدث عنها كأسيرة/محبوسة/ممنوعة، مما انعكس عليه فأمسى عاجزا/كسيحا لا يقدر على أن يكون ذاته كشاعر، والملفت للنظر أن الشاعر بعد أن وصل إلى القنوط من الواقع، نجده يستمد شيئا من القوة بعد ذكر المكان "جبل النار" وهذا يظهر لنا من خلال الفعل المضارع/المستقبل الذي كان الوحيد المستخدم: "تطلع، تكسر، تلتقي، صار" بينما كان المضارع قبل "جبل النار" يأتي بصيغة الماضي والآن:
" ولكنني جمل،
من جمال الخليفة
يركبه".
وفي قصيدة "معزوفة المواطن رقم صفر" يندم الشاعر على كونه شاعر، ويجلد نفسه بسياط موجع، وليس بعد جلد الذات عذاب:
"أتيت من تلاقح الخوف، مع الخوف
ومن بكتريا السأم..
ومن لقاء الجوع ـ سيد الفراغ ـ
بالفراغ
من تثاؤب العم
وعشت فوق الطين: طحلبا،
لا وزن لي،
لا حزن لي، ولا ألم!
صرخ قاطع الطريق:
كنت أصلي الصبح،
حين اقتادني الشرطي للتحقيق!
وكنت مرة موظفا، كسائر الموظفين..
ينام في مكتبه، ويشتم الموظفين
وحين أصبح المدير صاحبي
راودني عن راتبي!
...
الولد الحصيف
يقدر الرغيف
الولد الممتاز
يحترم الخباز
(وإن كان حبيبك إجا
وهو لابس القنباز
بيكون حبيبك إجا
وهو لابس القنباز!"
... يا شجر الجميز، هل تظل عاقرا؟
يا شجر الجميز .. أنت المجد
غائبا، وحاضرا!! " ص168 -170، الواقع كان ثقيلا وقاسيا على الشاعر "الخوف، الجوع"، فنعكس في "لا وزن، لا حزن، لا ألم" فهل هو يبرر ما فعله، أم يقدم ما مر به لنتعاطف معه؟.
أعتقد ان استخدام الشاعر لما يتماثل مع اللهجة المحكية في مقطع الولد الحصيف والولد الممتاز، يشير إلى ندم وامتعاض الشاعر من واقعه، مما أقدم عليه ومن نفسه، فهو يعبر عن (سخطه) بهذه اللغة، وكأنه من خلال تمرده على اللغة يرد على الواقع البائس، الواقع الذي جعله بلا "وزن، حزن، ألم" وهذا ما وجدنه في المقطع الأخير "الجميز".

التوبة
الشاعر يتصالح مع نفسه، ويتقدم من كونه شاعر/نبي/نبيل، يحمل رسالة، عليه أن يوصلها، يقول في قصيدة: "من يوميات بديع الزمان الطلياني":
"(1)
أستقيل من الشعر..
أعلن ـ بعد ثلاثين حربا مع النار ـ
أن الذي قلته ..
كان ثرثرة توجع القلب..
لا شيء يمكن أن يتبدل..
لا شيء يمكن أن يتحول..
(2)
أستقيل من المجد"
أطلب ـ بعد ثلاثين حاربا مع "الوجد"،
وقف القتال
"فالغريب" .. أنا
"واللبيب" الذي كما غاص في الوحل
طالت أظافره .. وأستطال!
ثم .. أصبح "كيسا من المال"
يمشي على الرمش ـ منتشيا" ـ
ويرش عل حائط الوقت
رائحة الموت..
قلت ..."الغريب أنا"
"والعجيب أنا" !!
ونهاري قصير
وكل الليلي طوال!
(3)
كان ثرثرة .. كل ما قيل
أو .. سيقال!
والأماني التي انزرعت في تراب القوافي
خيال!!
فأقيموا صدور القصائد
وانتشروا أيها الشعراء
وأقيموا صدور الموائد .. وانفجروا
أيها الفقراء" ص50-52، من المستحيل أن يتخلى الشاعر عن الشعر، فهو يعيش به، ويتغذى منه، فالأداة والوسيلة التي تجعله يشعر بكيانه ووجوده وحضوره هو الشعر، وكحال غالبية الشعراء الذي يتنقلون من هنا إلى هناك، يتنقل "الشاعر من الشعر إلى الاستقالة، لكنها بالتأكيد مؤقتة، وهذا ما أكده في "أو .. سيقال!" لكنه في قصيدته يبين سخطه على الواقع والواقعيين، وكأنه بهذا التناول يريد ان يعطي نفسه (سخطا) اضافيا لكي لا يكون كحال "اللبيب الذي غاص".
وبعدها ينقلنا إلى شاعر إلى كونه (مواطن) يسعى إلى هدف/المجد، لكنه يجد (تفاهة) هذا الهدف/الغاية، وندمه على الغوص، فقد وجد أن سعادته/نهاره قصير، وألمه/تعاسته/ليله طويل، من هنا يتوب ويتقدم من جديد إلى حالة جديدة ـ لكنه لا يفصلها لنا، ويكتفي بالأثر الذي تركه عليه "الغوص" مؤكد على أن هناك (جريمة) تقترف بحق الشعراء أنفسهم وبحق القراء أيضا.
الشاعر يتقدم من الله ليصفي نفسه ويطهرها مما علق بها من أدران، يقول في قصيدة "تباريح":
"لحمد لك
والشكر لك...
في غربتي عنك، أنا منكسر مهزوم
يقذفني الخوف إلى الخوف،
فمن فوقي سحابة من الاسى
ومن تحتي سحابة من الهموم
ومن ورائي الدجى..
ومن امامي الدجى..
مخالب تنهش .. أو أجنحة تحوم
فمن كحالي ـ ظالم، مظلوم!؟
وحين تخلو النفس منك، تفقد السكينة
وتسكن الأشباح ساحتها
وتستبيحها أنيابها اللعينة" ص75و76، هذا الخشوع والاستنجاد بالله يبين الحال الذي وصل إليه الشاعر، فهو يمر في أسوء حال: "غربتي، منكسر، مهزوم، يقذفني، الخوف، الأسى، الهموم، مخالب، تنهش" فمثل هذا السواد إلى بد من مواجهته بالبياض، فكان "الله" هو الخلص والمطهر لهذه القتامة.
الرمز
يلجأ الشاعر إلى تجميل القصيدة من خلال الابتعاد عن المباشرة، ليعطي القارئ مساحة من التأمل والتوقف عند الافكار التي يطرحها، في قصيدة "جدي... أو يا جدي" يقول:
" (4)
سامحني يا جدي الطيب
إن لم اخرج باستقبالك عند مشارف يثرب
لأغني: طلع البدر علينا،
فأنا أخشى الضوء، يعريني الضوء،
ويفضح عاري،
وأنا كلي عار،
ولقد خنتك يا جدي، إذا عز السند،
وبعتك للكفار
ورميت لهم .. كي أنجو وحدي .. مفتاح الغار!
آه قلبي محزون حتى الموت
يا جدي، وحبال الصوت
تلتف على حنجرتي، تخنقني، تخنقني
آه .. من يكمل عني عجز البيت!" ص150، نحن لا ندي من هو هذا الجد، فهل يمكننا ان نقول أنه الثورة الفلسطينية وحركة التحرر العربية التي خرج من بيروت عام1982، فقد استقبلت في العديد من العواصم والمدن استقبال الأبطال، والشاعر يشعر بالحرقة لعدم قيامه بواجبه اتجاه الجد/الثورة، وهو يعترف بأنه تخاذل ومن يغني/ينشد كما يليق بالجد/الثورة، ويتقدم باعترافه أكثر، بحيث أنه (تعاون) مع العدو/الكفار لينجو وحده، كل هذا جاء بشكل جميل، لكن الأجمل من كل هذا عندما ربط بين تقاعصه وبين استنجاده بالجد ليكمل عجز البيت.
وتستوقفنا "يثرب، وطلع البدر" والربط بينها وبين حالة الشاعر " فأنا أخشى الضوء، يعريني الضوء، ويفضح عاري، وأنا كلي عار،" وكأن تخاذل الشاعر يمتد من زمن الهجرة إلى يثرب إلى غاية الآن، وهذا الاختراق للزمن وربطه بالجغرافيا أعطى صورة (جمالية) لتخاذل الشاعر.
الشعراء
يميل الشاعر إلى أقرانه الشعراء، محاولا أن يستمد منهم طاقة تعينه على مواجهة الواقع وتجاوزه، يقول في قصيدة "الهرب على ظهر قصيدة:
"... كانت الشمس تُمنيني بميلاد جديد
وبألاف الهدايا، والمواعيد الجميلة، فتركت الليل يمتد،
وأطفأت النجوم
...
قاتم صدرك يا شمس
وأحشاؤك تلج
وأنا الطفل الذي فر على ظهر قصيدة
عاريا، يبحث في ثديك: عن خبز وسرج،
ونهارات جديدة
موحش وجهك، كالغربة، والجوع،
وأيام الخليج" ص146، نجد تناص مع قصيدة "وعود من العاصفة" لمحمود درويش والتي جاء فيها: "فلأن العاصفة وعدتني بنبيذ وبانخاب جديدة وبأقواس قزح" ونجد تناص مع السياب في قصية انشودة المطر" والتي جاء فيها: "أصيح بالخليج (يا خليج) يا واهب اللؤلؤة والمحار، والردى، فيرجع الصدى: كأنه النشيج يا خليج، يا واهب المحار والردى" وهذا التلاقي بين الشعراء يؤكد حالة الغربة والألم التي يمرون بها، واعتقد أن هذا الانفتاح على الشعراء يثري القصيدة وفي ذات الوقت يفتح أمامنا لنتقدم من أولئك الشعراء.
يقارب الشاعر حالته بالفنان "عبدو موسى" في قصيدة "مرثية الحقيقة":
"لعلها الوحيدة التي بكت عليه،
هذه الربابة العتيقة
لعلها الوحيدة الصديقة!
كانت رغيفه، وسيفه،
وخيمة انتظاره الطويل.
ومات في سبيلها، فهو شهيد اثنتين:
حبه، وجوعه النبيل.

يا جوع .. أنت قاطع الطريق،
أنت قاتل الأنامل الرشيقة" ص160و161، الربابة والقصيدة متماثلتنا في توفير لقمة العيش للشاعر ولعبدو موسى، وبما أن الحديث متعلق بفنان وشاعر فكان لا بد أن يكون الحزن (ناعم) وليس صاخب، من هنا نجد "الوحيدة، العتيقة، الصديقة" وهي مؤنثة وتعطي لمس ناعمة رغم الحزن في "بكت، وخيمة".
المكان
الشاعر يتناول عدة اماكن في الديوان، اماكن ماضية وأخرى حاضرة، وهناك تفاوت في القيمة والطريقة التي قدمت بها، فنجده أحيانا يتجه إلى البياض عندما يذكر المكان الماضي كما هو الحال في قصيدة "في يوم الأرض أشتاق للبحر..":
حيفا
توقظني الليلة من نومي..
تلبسني كرملها.. سيفا
وتعيد إلى عيني اللون
وتمسح عن شفتي الحزن
وتنسيني ثلج المنفى
وأنادي
ويا وجه حبيبتي
يا قمرا .. يملأني صيفا
يا وترا .. مسكونا بالجمر
أغمرنا عزفا .. أو نزفا
وأحملنا في الآفاق
وخذنا للبحر المشتاق
لنرسي فيه مراسينا
ونطهر عشب أيادينا
من وسخ الأيام العجفا" ص38و39، رغم وجود ألفاظ قاسية "سيفا، الحزن، المنفى، بالجمر، نزفا، وسخ، العجفا" إلا أن الفكرة بيضاء، وهذا يشير إلى الأمل الذي يحمله الشاعر للمكان، ويشير أيضا إلى الضيم الذي لحق بالوطن/بالمكان.
ونجد في قصيدة "أغنية نابلسية":
"أطلع الآن من وردة الجرح:
بارودة، وقصيدة
أطلع الآن:نارا جديدة
فامسحي عن عيون الجياع الأسى
يا كروم الخليل
وافتحي للعطاش: مياه السبيل
وأدخلي حالة العشق
ها هي نابلس، في ذروة الشوق
تفتح بوابة المستحيل
للتمر الفصول إلى فرح الأرض
ها هي نابلس ... تزرع سيقانها
في سفوح الجليل" ص62و63، الملفت للنظر أن حجم السواد كان محدود، وكان يقابله بياض "وردة الجرح، نار جديدة، الجياع كروم، للعطاش مياه" ثم يدخل الشاعر إلى عالم ناص البياض، " وأدخلي، عشق، ذروة، الشوق، تفتح، بوابة، لتمر، الفصول، فرح، الأرض، تزرع، سيقانها، الجليل" وكأن فاتحة القصيدة كانت في حالة صراع بين السواد والبياض، فتم النصر فيه للبياض بعد ان ذكرت "نابلس" فجاءت الألفاظ والفكرة بيضاء.
وفي قصيدة "هذا وطني" نجد بياض شبه مطلق تجتمع فيه الفكرة مع الألفاظ، لكن في قصيدة "المتنبي يبحث عن سيف" نجد المكان "عمان" الحاضرة بهذا الشكل:
" ...وعمان تاركتي بين موتين:
نفي، وطول انتظار
وعمان ساكنتي في القرار!
وبيني، وبينك صحراء
تأكل صوفية العشق
تشربها )علبا)..
وشفافية العاشقين (قناني!)
وتسألني "من تكون؟"
تحدق في بعينين فارغتين
وتسألني "من تكون..؟"
ـ أنا؟ يتمطى السؤال:
ـ أنا!
يتثاءب خصر الرمال
أنا!
وهج الجرح يحتج
تراويدة النار ترتج:
"لا ليس هذا زماني" ص84و85، حجم السواد أكثر من البياض، رغم ان الشاعر يعيش في المكان الحاضر وليس الغائب، "تركتني، موتين، نفي، انتظار، صحراء، علبا، فارغتين، يتمطى، الرمال، الجرح، يحتج، النار، لا، ليس" وهذا يشير إلى عدم انسجام الشاعر وغربته في المكان، وعدم صفاءه في ظرف كتابة هذه القصيدة، لكنه في قصيدة "السيف والهوية" نجد صورة أخرى مغايرة:
" أتمنى اللحظة، لو تصبح أهداني جسرا
يحملني نحوك، يرميني في شباكك أغنية
لو تخطف (طائرتي الورقية)، قلبي..
لأقدمه في عيدك يا عمان هدية
أتمنى لو ألقاك الآن..
وأنت تقيمين على مد الساحات
الأفراح الشعبية" ص96، بداية المقطع جاءت بألفاظ قاسية "يرميني، شباكك، تخطف" وبقية المقطع جاء بألفاظ بيضاء "قلبي، لأقدمه، عيدك، عمان، هدية، أتمنى، ألقاك، تقيمين، مد، الساحات، الأفراح، الشعبية" وهذا يشير إلى ما يكتبه الشاعر يخضع لحالة الظرف الذي يمر فيه، فإن كان صافي الذهن كتب بلغة بيضاء، وأن كان غير ذلك كتب بطريقة سوداء.
وفي قصيدة "أغنية شتائية لعمان" يقول:
" ليعنيها، شربت دمي..
مشيت على رموشي عاريا في البيد
ملحا كانت الكثبان، كبريتا، وأحزانا.
صرختُ .. فسال من عيني جرح،
كان يهتف باسم من أهوى..
وكنت أموت ـ قلبي عندها ـ فالدرب دون دليل
وليل التائهين طويل..
ليعينها حملت البعد ..
كان البعد منفى لا يطاق
حملته كرمي لينيها ..
وكان البعد: غولا مرعب العينين
ـ وقلبي عندها ـ
فالدرب يقذفني إلى حتفي ..
وكان اسم التي أهوى
حجابا يبعد الاشباح، كان تميمتي
في رحلة الخوف
... فاختصر المسافات الخرافية
وعدت اليك يا عمان:
يا جرحي .. يا رمحي
يا ليلي .. ويا صبحي

ويا خبزي .. ويا ملحي
فمدي لي يدك ... ومرغي وجهي
بتربتك السماوية" ص135 - 137، عندما يخاطب الشاعر المدينة/الأنثى من المفترض أن تكون لغته وألفاظه ناعمة وهادئة، لكننا نجد سواد وحتى قتامة "دمي، عاريا، البيد، الكثبان، كبريتا، أحزانا، صرخت، فسال، جرح، أموت، التائهين، البعد، منفى، لا، غولا، مرعب، يقذفني، حتفي، الاشباح، الخرافية، جرحي، رمحي، مرغي" اعتقد أن هذا الكم من الألفاظ القاسية يشير إلى تعكر مزاج الشاعر، مما أثر على رؤيته للمدينة/للأنثى، وإذا ما توقفنا عند الأفعال التي جاءت نجد بعضها أفعال قاسية "صرخت، فسال، أموت، يقذفني" وهذا أيضا يعكس الظرف الصعب الذي يمر به الشاعر.
إذن علاقة الشاعر بالمدن متباينة، ففي حالة المدن المغيبة يأتي بألفاظ وأفكار ـ نسبيا ـ ناعمة، وفي المدن الحاضرة تتبع حالة والظرف الذي يمر به.
الثقافة الدينية
لكل شاعر لغة وألفاظه وطريقته في تقديم أفكاره، في قصيدة "الكلمة" نجد التناص مع القرآن الكريم ومع الإنجيل:
"ـ والكلمة رب يحمل سيف الحق ـ
هزي يا مريم جذع النخلة
يسقط ثوب العنقاء
يتعر الجسد التنيني المطبق فوق الأشياء
هزي جذع النخلة
تسقط جداران الظلمة
يتبارك مجد الرب ـ الكلمة" ص 104، الجميل في هذا التناص الجمع بين القرآن والإنجيل، "مجد الرب، الكلمة، هزي جذع النخلة" وما يحسب لهذا التناص الشاعر استبدل "رطب جنيا" ب"ثوب العنقاء، جدران الظلمة" وكأنه بهذا الجمع يريدنا أن نتقدم من الله من خلال العقيدتين، الإسلامية والمسيحية.
ونجد في قصيدة "نشيد الغضب" هذه الأبيات:
"(1)
أقرأ "الفاتحة"..
وصلي على دمهم
وأقبل أثار أقدامهم...
(2) أقرأ "القارعة"..
وألملم عن ثغر أمي السنابل
أزرع في صدر أمي القنابل.
(3)
أقرأ "الزلزلة" ..
وأصيح بمل دمي:
يولد الآن، في وطني حجر ـ قنبلة
ستفرخ سبع قنابل
في كل واحدة مئة" ص113 -115، وكأن الشاعر يدعونا إلى التقدم من تلك السور القرآنية، والجميل أن مقاطع القصيدة تماثل مع مضمون السور القرآنية، فالفاتحة فيها الدعاء لله للهداية، وفي سورة القارعة والزلزلة نجد أهول القيامة.
وهناك تناص مع القرآن الكريم في قصيدة "الرسالة قبل الأخيرة":
أدركنا يا عاصم من هذا البرد.
...فقد أدركنا الطوفان، ولا عاصم من امر الله!" ص 141و142، مثل هذا التناص يشير إلى الثقافة الدينية التي يتمتع بها الشاعر، ولهذا نجدها حاضرة في الديوان.
الديوان من منشورات شقير وعكشة للطباعة والنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى 1986.


"