شارع الحرية 17

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 5 / 1

بمجرد أن عتبت قدميها رصيف الشارع، وبعد أن إلتـفـتـت إلى الوراء فـتـأكد لديها ما ضنت، في كونه لن يلحقها، حتى استسلمت لدموعها تـترقرق على خديها الأسيلين. لم يحلو لها أن تـفكر في سر تصرفها على ذاك النحو، بقدر ما كان انسياب الدموع عزاؤها والعذوبة التي تسيل في قلبها. لم تكن تـنظر الى أي شيء ولم تكن تـفكر في أي أمر، ولم تكن حتى راغبة في الانهمام بمدى تـقبل العقل لأي منحى واضح المعالم. كأنها تسير في صحراء جرداء، وليس في الشارع الصاخب بكل ذاك الضجيج والألوان والروائح والنظرات من هنا وهناك، وأحيانا بعض الكلمات التي يرميها أي كان ويمضي في طريقه بعد أن أعرب عن إعجابه بجمالها.
" وهكذا، توصل أخيرا الى معادلة هي بمثابة منهج في التـفكير، يحقـق له الطمأنينة الممكنة أمام رعب الكرة الأرضية، السابحة في الفضاء الأسود المخيف، التي هو ذرة تـراب فيها. تـقول هذه المعادلة أن العقل يجب عليه ان يفكر على نحو كلي كوني، وأن يوجه طلب معارفه على هذا النحو. لكن العقل وحده عاجز عن تحقيق هذه الطمأنينة الممكنة. ماذا يجب ان يكون إذن؟ الحب الكوني المطلق. كيف هو هذا الحب؟ انه الحب الروحي الغامض الذي يجب ان نستسلم له لنعيش كونيتـنا الأصيلة التي هي في أعماقـنا الروحية."
حينها رمى القـلم جانبا. نظر الى السقـف الأبـيض وقد سبقـته النار لتوقد سيجارته وقـلبه. ثم نظر الى الباب المقوس، ثم الفراغ الى جانبه. الفراغ الذي كان قبل قليل مضيئا بنور ساطع خلاب.
" هل يستـقيم التـنظير دون ممارسة؟
لماذا لم تـلحقها؟
لماذا لم تركع لها؟
هذا السؤال الذي أرقـك طوال هذه السنين. آلهتك لم تركع لها قبلا. كانت تطلب قـتالك لأجلها، وأنت تـقـدس حريتـك أم أناك المتضخم؟
والآن، هل مازلت في نفس المربع؟ هل مازالت العزة تأخذك بالإثم تجاه الحب؟
هل تصر أن تكون أجوفا؟"
وهكذا طار من مكانه، الى الشارع يـبحث عن سلمى. سلمى الحب الكوني الذي كان منذ قـليل قد توصل الى اكـتـشافه في معادلته على لسان بطـله فيما يكتبه الذي لا يدري ماذا يكون.
"فهل هو رواية، أم هكذا هو تـدفـق منساب، لا يمكن حصره في أي شكل متعارف عليه في الأدب. لا بأس. في كل الأحوال أنا بصدد كتابة سردية مطولة. سردية غير عادية.."
هكذا كان يفكر متـنـقلا بينها وبين كراسه وقـلمه وأفكاره، أو بالأحرى هكذا كان يسبح في نهر وجدانه السائل. كان يبحث عنها في الشارع، برغم كونه لا يعرف أية وجهة اتخذتها، ولكن من المفـترض ان تكون قد اتخذت وجهة شقـتها، وهكذا سار في هذا الاتجاه، ورأسه يدور على الجانبين باحثا عنها، برغم ان خطواته كانت سريعة بعض الشيء مما لا يساعد كثيرا على إمكانية ايجادها. من الممكن ان تكون قد دخلت الى احدى محلات بيع الملابس، وهي الهواية المفضلة للفتيات والنساء.
وقد حاصرته عيناها من جديد. عيناها السوداوان ذات البريق الجميل. عيناها ذات النداء العذب البعيد. عيناها تدعوانه الى السفر دون عودة. السفر اليها دون عودة الى ذاته. عينيها ذات النداء الكوني.
"الوجود كله كان بين يدي. هل تريد للوجود ان يأتيك؟ هل تـنـتـظر من الوجود أن يأخذك بيديه كطفل مدلل؟ أليس طريق الوجود هو المعركة لنيله؟"
.. وهكذا كان عقله يؤثث عزمه على ايجادها وكسر الغربة بينهما على أقـل تـقدير.
"عيناها ملؤهما العتاب. واضح مأتى العتاب. انه رفض حياة الشهوة بمثل ما تراها هي، او ما يُفـترض ان تراها هي، أو هي الغيرة ربما.."
وشيئا فشيئا كان خوف ما يتسلل اليه. شيء ما يقول له أنه إن لم يجدها الآن فإنها ستـضيع الى الأبد، وإلى الأبد ستضيع الفرصة الثانية التي يمنحها الروح الكوني للتوحد به. وحضرت صورة آلهته في ذهنه. صورتها في أبهى حضور لجمالها، فانـتـفى الشارع والصخب وغاص في نفسه. اذ ذاك انـتـبه الى نداء يأمره بعبور الطريق، فعبر الطريق، ونفس النداء يأمره بالاتجاه عكس الاتجاه الذي كان يسير فيه، فرجع الى الوراء، ثم يدخل عطفة صغيرة، ثم يجد نفسه أمام انفـتاح ساحة الباساج الشاسعة، فيتـقدم قليلا، ثم يتوقـف، ويأمره النداء أن يعرج ناحية المدرج، وهناك يجد سلمى واقـفة لوحدها.
"يا عمر العمر.
أنا هنا. الحب هنا. أيها الزمن العجيب.
ما هذه الارتعاشة؟
يجب ان أقاتل من أجل الحب.
انه حقيقة..
الى متى تضيع عمرك في الشك؟
الى متى تـتـشبث بأوهام التـفكير المادي، وعقلك وروحك ينـتـفضان لأجل كسر هذا السجن؟
أنا هنا من جديد أيها الحب، أم أنت هنا من جديد؟
لازلت أحبك.. لازلت أحبك.. اوه. لازلت أحبك يا عمر العمر."
وفعلا فـقد امتـزج الوجهان. انها سلمى ولكنها هي آلهته كذلك. لقد انـفـلت من سجنه.
ها هو واقـف أمامها. خيط أسود رقيق جدا مرسوم على وجنـتها. ما تبقى من آثار كحل العيون السائل بفعل الدموع. عرف انها كانت تبكي. حينها كاد ان يبكي هو الآخر. ضغط على نفسه فتـفـشى روح عذب داخله. تـنظر اليه بنظرة غريـبة. نظرة تجمع بين الفرح والحزن والأمل. نظرة غريـبة في الحقيقة، لا يمكن تحديدها بدقة، لكنها نظرة مشرقة متلألئة.
الحقيقة انه كاد ينهار. الزمن، يا له من زمن. الزمن المطلق. ها هو عاجز عن الكلام. ها هو حائر وتائه.
واقـف قبالتها. تـقدم اليها. لازالت واقـفة. تـقدم أكثر وهي لازالت واقـفة. تـقدم الى غاية ان أصبح أمامها.
كان ذهنه يموج بالأفكار. لماذا تصرفت هي على هذا النحو، في حين أنها دخلت سابقا الى شقته، ووقـفت أمام مكتبته وأخذت كتابا؟
إلا أنه في تلك اللحظات لم يتـذكر ساقيها. كان يملي عينيه بعينيها وتيار عذب يسري مسرى الدماء في قـلبه. ما شاء ان يفـسد هذه المتعة العظيمة. ما شاء ان يرجع الى الأرض. انه كأنه في الصحراء. وتـذكر الحلم. تـذكر حلم الصحراء ولقائه بها بجانب شجرة، وتـذكر الحصان. للحب فوارس. للصحراء مذاق الحب العظيم شديد الصفاء. للصحراء مذاق الحب المطلق. للصحراء صفاء التماهي بالمطلق. للحلم رسالة ملاك من السماء..
ثم انتبه الى كونه هنا والآن. في مدينة صاخبة جدا، بل في محطة "الميترو" في الباساج. لا مفر من التجسيد. لا مفر من الكلمات. ماذا يقول؟
ثم قرر ان يكون كعادته صادقا مع نفسه. ما حدث فعليا جدير بالتعبير عنه. قال لها:
ـ هناك شبه معجزة قد وقعت الآن. خرجت من المقهى أبحث عنك. تاهت نظراتي هنا وهناك. ثم قررت ان أغمض عيني قـليلا. توقـفـت وأغلـقـت عيني. جاء نداء ما غريب. قررت أن أصدقه. هاتف خفي هو الذي جعلني أعود وأعرج ناحية ساحة "الباساج" وأتـقدم الى هنا.. ووجدتك يا عمر العمر..
حينها أشرق وجهها بابتسامة ساحرة جدا. ابتسامة عذبة جدا كادت تبكيه. أخذها من يدها وهو يقول:
ـ اوه. لدينا كثير من الكلام. اشتـقت اليك لسنوات.
كأنها آلهته أمامه.
سألته مندهشة:
ـ سنوات؟
ـ بل منذ الولادة..
مسكها من يدها البيضاء الرقيقة وقال:
ـ اشتـقت لك يا نفسي المتوحدة قبل الولادة.
حينها كان البريق في عينيها شديد الإضاءة. قال:
ـ أرى في عينيك نداء من بعيد جدا جدا يريد أن يأخذني الى البعيد جدا جدا.
كاد أن يقول لها "يا حبي" الا انه مسك لسانه، فالوقت مازال مبكرا جدا للتأكد منها ما بينه وما بين نفسه، كما أن الوقت لازال مبكرا لتصدقها هي.
أردف قائلا:
ـ أتعلمين ماذا اكتـشفت في المقهى؟
تساءلت قائلة بصوت خفيض ملؤه الاستسلام:
ـ اكتـشفت في عينيك شخص ما يمكن ان يكون أنا.
خفضت رأسها الى الأرض، ثم رفعته. عيناها تلألأتا من جديد. كان ينـتـظر كلمتها. كانت تـنظر اليه وطالت النظرة والانـتـظار، ولم تـقـل شيئا.
تساءل من جديد قائلا:
ـ هل كنت أنا في عينيك؟
بعد برهة صمت قالت متساءلة:
ـ ماذا ترى الآن؟
ـ من طبعي أني لا أريد نفسي أن أكون مخطئا. أعتـقد أني الآن أرى نفسي بوضوح في عينيك السماويتين.
أفصحت عن تـنهدة بدون قصد. تساءلت قائلة:
ـ حقا؟
حينها أدرك أنه قد أصاب فعلا. مسكها من يدها من جديد وقال:
ـ حقا يا عمر العمر..
وضحك، فضحكت. وتحركت أقدامهما..