هنود وباكستانيون وعراقيون

جعفر المظفر
2019 / 4 / 30

هنود وباكستانيون وعراقيون
جعفر المظفر
الهنود المهاجرون إلى أمريكا قادرون سريعا على التكيف مع طبيعة الحياة الأمريكية لأنهم لم يأتوا كلاجئين بالمعنى السياسي بل كباحثين عن فرص حياة أفضل, لذلك تراهم يحملون قبل حقائبهم أحلاما كبيرة ونفوسا مهياة لتحقيق النجاحات حيث تبدأ لحظة التحدي أول ما تطأ اقدامهم أرض المطارات.
أما الباكستانيون بأغلبيتهم المسلمة المطلقة فينحصر جل إهتمامهم بالحفاظ على طقوسهم الدينية حتى تراهم وكأنهم في رحلة أزلية للبحث عن الله.
لقد أراد النبي محمد (ص) أن ينتقل من الغارإلى العالم, أما النسبة الكبرى من أتباعه الباكستانيين والبقية من السلفيين فهم يريدون الإنتقال من العالم إلى الغار, لذلك فإن أول ما يسأل عنه الهندي حال وصوله إلى أمريكا هو عن المدينة التي يتوفر فيها مقر لمايكروسوف او غوغل, أما الباكستاني فيسأل عن المدينة التي فيها جامعا أو مدرسة دينية أو مقبرة إسلامية.
والفرق هنا بين الهندي والباكستاني ان الأول يبحث عن ربِّه في نجاحاته أما الثاني فيبحث عن نجاحاته في ربِّه, ولذلك لا يتعب الهندي طويلا في العثور على ربه, أما الباكستاني فيظل يبحث عنه طوال حياته.
ويمكن للمرأ أن يتعرف بسهولة على نتائج تلك الرحلة, ففي حين يسجل الهنود نجاحات إدارية وعلمية باهرة تتجلى في وصول الكثير منهم إلى مواقع متقدمة في الشركات التكنولوجية المتخصصة فإن الباكستانيين يحققون نجاحات لا تحصى على صعيد عدد الجوامع والمراكز والمقابر الإسلامية التي يتم إفتتاحها في المناطق الأمريكية المتفرقة.
العراقيون, عدا أولئك المولودين أصلا في أمريكا أو الذين دخلوها أطفالا, ما زالوا يعيشون ثقافة لحظة المغادرة. في السابق لم يكن العراقيون يحبون الهجرة عن بلادهم. كان هناك مرض (الهوم سِك) قبل أن يصير (الهوم) نفسه (سِكا). وبعد ان إزداد (الهوم سكاكة أو سِكيّةً:مرضا) لم يعد يوجد بلدٌ على وجه البسيطة إلا وإفترش العراقيون أرضه, فصرت ترى منهم الطبيب مثلما ترى منهم عامل محطات تعبئة الوقود.
أما أمريكا فيعود للعراقيين فضل تقسيمها إلى دويلات صغيرة (من قال ان بايدن هو الذي يريد تقسيم العراق). في ولايات معروفة مثل (مشيغن وكاليفورنيا بخاصة ساندياغو) هناك مناطق معظم ساكنيها من الكلدان وأخرى أغلب ساكنيها من العراقيين الشيعة الذين درجت العادة على تسميتهم بأهل (رفحا : الأغلبية في ديترويت).
والجميع ما زالوا يعيشون ثقافة لحظة المغادرة تماما كما هم الموتى في سلسلة أفلام (زومبي), حتى الشيوعييون فما زالت أغنيتهم المفضلة في أعياد تأسيس حزبهم هي (هربجي كرد وعرب رمز النضال), غير مدركين أن العراق برمته لم يعد (هربجيا).
أما البعثيون فقد عقدوا بنجاح منقطع النظير ثلاثة مؤتمرات لهم, واحد في ميشغن وإثنين في واشنطن, تماما على بعد ميل واحد من البيت الأبيض لكي يطلبوا من سيده إحتلال العراق ثانية لأجل تنظيفه من الفرس المجوس (ومرة إلكم ومرة إلنه) .
وهناك الكلداني الذي كان قد غادر العراق قبل نصف قرن وما زال يئِن من سوء التعامل الإسلامي العنصري الذي لم يكن يعتبر المسيحيين, وخاصة الكلدانيين منهم, غير مواطنيين من الدرجة الألف. هؤلاء ليس بإمكانك أن تقنعهم بأن العراق صار متسامحا مع المسيحيين جدا جدا : بسبب أنه لم يعد فيه مسيحيون جدا جدا, فظلوا على مقتهم للمسلمين العراقيين, لكن على الأقل من دون اي تمييز طائفي, إذ لا فرق لديهم بين سني وشيعي. وهكذا سيكتشف العراقيون المسلمون أن هناك ضوء غير طائفي في نهاية النفق الطائفي..
أما في واشنطن العاصمة فقد بات العراقيون على أبواب البيت الأبيض. في عاشوراء الماضي إستطاع هؤلاء ان يحتلوا الحدائق المحيطة بالبيت الأبيض حتى يتعرف الأمريكان على حقيقة يزيد بن معاوية.
ومن يدري فربما سيفلح هؤلاء في عاشوراء القادم في إقناع ترامب بضرورة إصدار مذكرة توقيف بحق الشمر بن ذي الجوشن بإعتباره واحدا من أخطر الإرهابيين في العالم.