قصة هزيمتين .. القسم الثاني (5)

جعفر المظفر
2019 / 4 / 27

قصة هزيمتين .. القسم الثاني (5)
جعفر المظفر


إن الإجابات الصحيحة تعتمد على الأسئلة الصحيحة, فإن تسأل: لماذا غرق فلان ؟ سيكون بإمكانك الإجابة: لأنه لم يكن يعرف السباحة أو أن شيئا ما كان دفعه إلى الأعماق. أما إذا سألوك: لماذا مات في الغرق ؟ فستشرح لهم كيف ان الإنسان بحاجة إلى اوكسجين لكي يحيا مختلفا بذلك عن المخلوقات المائية والبرمائية. ولهذا فإن البحث عن إجابات لمعنى (هزيمة) الجيش العراقي في نينوى تستوجب في البداية تحديد ما إذا كانت هناك معركة أصلا وقد إنهزم فيها الجيش أم كان هناك إنسحاب من معركة لم تحدث ابدا ؟!.
ويعرف الجميع إن شيئا من ذلك لم يحصل, ولهذا فالأجدى البحث عن أسباب حالة تسمى (إنسحاب) بدلا من حالة تسمى (هزيمة) ثم ترتيب أسئلتنا عن أسباب الإنسحاب بدلا من اسباب الهزيمة.
إن بحثا كهذا لا بد وإن يهمل الوقوف أمام العقلية التبريرية أو النظرية العلقمية لتفسير الهزائم التاريخية الكبرى. هولاكو لم يدخله إبن العلقمي وإنما ادخله الخليفة, اي النظام الذي كان قد إستهلك نفسه كحائط نخرته دودة الإرضة وصار سهلا على طفل ان يهدمه لو أنه إتكأ عليه. والحديث عن دور للأكراد في فتح بوابة الموصل لداعش إنما يدخل حتما في باب النظرية العلقمية التبريرية.
ولسنا الآن بصدد ما إذا كانت هناك مصلحة للأكراد بدخول داعش للموصل أم لا, فهذه مسألة سنجد أنفسنا مجبرين على الخوض فيها وحتى وضعها في صدارة الأسباب لو ان الجانب الحكومي العسكري كان قد قاتل حقا ثم رأيناه إنهزم بفعل خيانة هنا وخيانة هناك ليكون مجديا بعدها ان تتحدث عن (علقمي كردي) وآخر سني. وسيمنعنا عن ذلك أيضا معرفتنا أن أغلب القيادات المسؤولة عن ذلك الجيش كانت قيادات شيعية وهي من الصفوة العسكرية التي إعتمد عليها المالكي طيلة سنوات حكمه وأغدق عليها المكاسب والإمتيازات بحيث لم يعد في كروشها مكانا للقمة طعام من آخرين.

مع الهزيمة في الكويت ثمة اسباب حقيقية يجب الوقوف عندها لأن قتالا فعليا كان قد حدث, أما أمر الإنسحاب فلم يصدر إلا بعد أربعين يوما من القصف اليومي وعلى مدار الساعة للمنشئات العراقية ولقوات الجيش المتواجدة على خطوط المواجهة, وقد قلنا ان صدام كان راهن على أن امريكا ستتردد بالنهاية عن خوض المعركة البرية مما لن يغير كثيرا من الوضع على الأرض, وهو كان قد راهن بالأصل على أن امريكا لن تتخذ قرارا بالحرب لاسباب تتعلق بخطورة المنطقة واخرى ذات علاقة بالحالة السايكوسياسية التي كانت تعيشها بعد الهزيمة في فيتنام, إضافة إلى ان قراره بالدخول إلى الكويت كان المعني به إيصال المواجهة بينه وبين أمريكا إلى حافة الهاوية حيث يمكن الحصول من هناك على بضعة تنازلات أمريكية أولها عدم التحرش به شخصيا والقبول به كقوة مقررة في الخليج.
لكن الإصرار على بقائه في الكويت وعدم الإنسحاب منها رغم تقديره لما آل إليه وضعه العسكري وسقوط مراهنته على إمتناع أمريكا عن دخول الحرب سوف نفسره بعدم رغبة أمريكا أصلا بهذا الإنسحاب الذي كانت تعتبره مبكرا, مفضلة تحت ذريعة وجوده في الكويت إنجاز قاعدة بناء النظام العالمي الجديد الذي كان قد اعلن عنه بوش الأب في اعقاب إنهيار الإتحاد السوفيتي, إضافة إلى أن إستمرار الحرب كان يضمن لها التخلص نهائيا من آلة الحرب العراقية وإنجاز تدمير البنى التحتية العراقية حتى إذا ما جاء وقت فرض الشروط فإن مهمة التنفيذ تصبح تلقائية ومضمونة.

في نينوى كان العكس قد حصل, فلم تكن هناك جيوش لثلاثة وثلاثين دولة, بل على العكس من ذلك كان المجتمع العالمي يقف إلى جانب نظام المالكي وكان هذا المجتمع قد دخل في مواجهات فعلية مع داعش على الأرض السورية, أما قوات داعش فقد قيل انها لم تكن تجاوزت الألفين. وحتى مع الموافقة على كل ما يقال بوجود مصلحة أمريكية صهيونية في إشعال نار الحروب في الجسم العربي لغرض إعادة ترسيم المنطقة من جديد, غير أن إستيلاء داعش على ثلث الأراضي العراقية كان يعني إنفلات المعادلات السياسية على الأرض بشكل يدعو إلى إعادة ضبطها.
مع (الهزيمة) في نينوى الأمر مختلف جدا فلم تكن هناك معركة البتة بل كان هناك قرار بالإنسحاب, ولهذا فإن من العقل أن نبحث في /مساحة الإنسحاب من معركة لا في مساحة الهزيمة من معركة/, ونجد أن من العبث التفتيش عن الشخص الذي اصدر القرار في غير بدلة القائد العام للقوات المسلحة, اي المالكي نفسه, لا بل اننا سنجد, أمام المعلومات التي تشير إلى وجود مكاسب هائلة جناها قادة ذلك الجيش أثناء وجودهم في نينوى أن بقاء الجيش هناك كان من مصلحتهم ولم يكن معقولا أن يحسب اي واحد منهم أن هناك إمكانية لداعش ولو واحد بالألف ان تكسب معركة ضد لواء واحد متمترس هناك فكيف بجيش قيل أن تعداده فاق المائة وخمسين ألف.
ولنا أن نعلم أن وصول أولئك القادة (كنبر وغيدان والغرباوي) بكامل قيافتهم العسكرية إلى بغداد يعني ثقتهم بوضعهم القانوني, ولو أنهم كانوا قد أصدروا قرار الإنسحاب لحسابهم الخاص أو بالتنسيق مع جهة ما كالأكراد مثلا لما تجرؤا بالعودة إلى بغداد, فثمة ما يشير بهذا إلى إمكانية ان يكون دورهم تنفيذيا فقط لأوامر مركزية كانت صدرت من قائدهم الأعلى.

فيما بعد لم تصدر إشارة واحدة إلى إمكانية محاسبة أولئك القادة. معناه أنهم لم يتصرفوا بمعزل عن قيادتهم الأعلى, ومعناه أيضا ان النظام السياسي كان وصل إلى إلى درجة من التعفن التي لا تشجع أحدا حتى من الأخوة الخصوم على فتح سجلاته إلى النهاية. كثير من الملفات إذا تم فتحها كان سيعرض النظام السياسي كله إلى الإنهيار وأن كثيرا من أولئك الذين كانوا بصحبة المالكي, ومنهم من تخلى عنه بعد ذلك, هم جزء من الهزيمة ذاتها, فصار الوصول إلى الحل يستوجب تنازلا من هنا وترضية من هناك, واي خطوة عكس ذلك كانن ستؤدي إلى نشر غسيل الأكثرية على الحبال.
من جهة لم يعد بإمكان المالكي ان يغرد لوحده, لكن كان بإمكانه من جهة ثانية ان يمنع زقزقة العصافير الأخرى لذلك جاء الحل مرضيا لجميع الأطراف, أن يصير المالكي نائبا لرئيس الجمهورية وأن يغير (الدعوة) بعض جلدته لكي يحافظ على البقية. وهكذا أمكن الوصول إلى النقطة التي صار ممكنا منها الحديث عن إصلاح الوضع السياسي, وهي عملية ستكون صعبة جدا وحتى مستحيلة لأن بنية النظام ذاتها هي بنية معطلة مما يجعل عملية الإصلاح تبدأ من تفجير هذه البنية لا مكيجتها, أما الذي نراه فهو عملية لإنقاذ هذه البنية وليس للتخلي عنها, وهي تشبه محاولة لتحويل خنزير إلى غزال عن طريق إستعمال مساحيق التجميل