منافذ الدلالة... في(عركشينة السيد) للروائي سلمان كيوش

مقداد مسعود
2019 / 4 / 27


سلالم المسمّى

عرقجينة السيد، رواية يجب أن نسمعُها ونراها فيلما عراقيا، لا أن نقرأها فقط، وأنا أعوم في مياه سردها ثانية ً كنت أصغي بلهفة لصوتيهما : سيد هاني وسلمان، ورغم توقعي للنهاية فقد تبللت مرتين الصفحات الأخيرة، أجاهر بقولي هذا: منذ أوائل سبعينات القرن الماضي ومع رباعية شمران الياسري: تستعذبني هذه الروايات اللسانية، المكتوبة بلساننا العراقي وتحديدا بلهجتنا الجنوبية المغمورة بأنهارنا وغرينها، وغيومنا المنزلية وأسانا الأصيل وأنشطاراتنا بين حلم عصي وحياة ماحلة، شغلتني المحاور الثلاث في هذه الرواية التي تستحق أهتمامات شتى :
*الأسماء
*الجسر
*شفاهية المسرود
(*)
فاعلية التسمية تشغلني،قبل أن أكتب عنها في مقالتي عن الشاعر بلند الحيدري*، ولي مقالات منشورة حول موضوعة الفاعلية التسموية، لحظة تفكر تحرر فينا : القول التالي أن المعرفيات الكونية الكبرى: مفاتيحها تسموية، ومعرفة الأسماء هي كنوز أمتيازاتك على الكل(وَعَلّم آدم الأسماء َكُلّها.31- البقرة)، من جانب الصوفية، يخبرنا مولانا محي الدين بن عربي (الاسم سلّم للمسمّى) ومن الجانب الروائي: للتسمية شرطها الأقسى في رواية (الاسم على طرف اللسان) للروائي باسكال كينيارد، وبطل رواية (جاترتن) للروائي بيتر أكرويد(كان يعرف اسماً واحدا ً غير أنه لم يستطع أن يذكره أمامها كان يخشى إذا ذكره بصوت عال فأن صاحبه ُ قد يظهر بغتة أمها/ ص276)..وفي هذا المقام من الشوق الفاتك رأيت سيد هاني الناجي..
(*)
في رائعة سلمان كيوش الروائية (عركشينة السيد) جهويات ثرة للكتابة والتوغل فيها،وللأسم فاعليته الجوهرية في الرواية، فالأسم هو التلفيق الرئيس لتفجير النص الروائي، والاسم هو فاتحة السطر الأول من الفصل الأول (اسم أمي هو الذي قادني إليه،فما كنت ُ لأعرفه لولاه/17) اسم أم السارد الضمني (حوشية) ومكتوبة بالحبر الأزرق لكن نقطة نحسة سوداء استقرت على حاء اسمها (فأصبح خوشية في شهادة الجنسية )هنا حضرت البيروقراطية الإدارية بكل ((نزاهتها)) لتعرقل مسار معاملة السارد في التقديم إلى الدراسات العليا، فصار عليه أن يذهب لدائرة نفوسه في محافظة العمارة، وسيلقي الأمرين في العمارة، وسيشرق عليه وجه سيد هاني الناجي، فتنفتح مغاليق شفاهية السرد المكظوم في صناديق قلب سيد هاني الناجي..
(*)
سيد هاني.. حين ينتزع(سلمان) من دائرة نفوس العمارة ويرميه في المقعد الخلفي من التكسي، سيخاطبه سلمان متسائلا (سيّد أنت حتى ما نشدتني عن اسمي . 24)
(*)
في الديوانية الطويلة الضيقة في بيت السيد، يستوقف قراءتي السطر التالي(أنشغلت في أثناء غيابه بمتابعة صورة كبير لسيّد معمّم زحف تآكل الملح أو العث إلى اسمه فموّهه/ 25)
(*)
الحبيبة لها صورة صغيرة يحتفظ بها الحبيب الموّله سيد هاني، لايوجد في قفا الصورة ما يعرّفنا بصاحبة الصورة ، والسيد يكتفي بضمير المؤنث (هي)..هنا عليّ التمهل العميق وكما نقول بالعامية العراقية (ينرادلهه صفنه)..وستنزلق ذاكرتي كقارىء نوعي نحو الفيلسوف هيدغر، وستكتفي ذاكرتي بالناقد هيدغر، وتحديدا(إنشاد المنادى) وهو يتناول تجربة الشاعر هولدرين : بشهادة هيدغر: بهذا المعنى يتبين لنا أن الاسم يجب أن يخفى،أن يستر،فالتسمية ينبغي أن تكون في آن معاً،استدعاء يحرر من الغفلية والكمون وإخفاء يعيد الغفلية والكمون
(*)
الريفيون الذي استوطنوا بغداد (حرصوا على الانتفاض ضدّ أسمائهم،أوّل ضحاياهم. الكل فيها حمل أوراق تغيير اسمه تحت إبطه..انتفضوا على أسماء ماضيهم وأوغلوا بإضفاء أسماء أنتقامية وكتبوا فوقها بقلم أحمر مازن ولؤي وهُشام وهيثم، وبهذا بدأوا أنسلاخهم52) هؤلاء تماهوا في الحرباء،رأوا في تلك الاسماء رائحة شروكية تشير إلى جغرافية مغضوب عليها في عاصمة السلطة المؤثلة بنسبة عالية من الواجهة الغربية، فتسموا بأسماء تسلخهم من جنوبهم العصي على السلطات دائما.
(*)
وحسين يسأله السارد سلمان (شسمها؟) يحدّقه ُالسيد هاني ثم يخاطبه، أن لهذا الملفوظ التسموي تعازيم عشقية صوفية لابد من تحضيراها، قبل فعل اللفظ، ستعمد قراءتي لترقيم ذلك :
(1) يحتاج اسمها مراسيم مني لنطقه
(2) أوّلها أن أقف ووجهي يستقبل المكان الذي أفترض وجودها فيه الآن
(3)وأن لا أكون مشغولا بطارىء
(4)وأن أكون على وضوء بماء ورد
(5) وأن يكون مَن يسمعه عاشقا مثلي
(6) ويحبني جدا
(7) لذا أفضّل دائما الإشارة لها ب(هي)
(8)وكأني أصدّ عنها ما لا أدري من الشرور
(9)وأن أحمي اسمها من ابتذال الترديد مادامت هي(تكفي)
(10)أنت سيي ء حظ كبير لوكان اسم حبيبتك شائعا
(11) لأنك ستمّر على لحظات استفزاز مفجع كثيرة للذاكرة حين ينطق الناس اسمها ويعنون به غيرها
(12) لذا يجب أن توطن قلبك على شوغات صغيرة كل حين .
وحين يلح سلمان(سيّد، بعد قلبي، ولو حرف.. بس أول حرف، والباقي عليّ)
يقترح السيد على سلمان خلطة عطارية ذات نكهات لذيذة آسرة، في تجميعها سينبثق الاسم أمام سلمان (أتريد معرفة أسمها؟ اجمع،إذا،ملوحة العمارة،والجنوب كله،والدهلة فيها،اجمع أحتشاد ملايين الطيور الحرّة في سمائها وأهوارها،أصغ للحفيف الناعم الذي تطلقه السنابل حين تميل برؤوسها في أوان نضجها قبل الحصاد،أجمع السبّاح الموروق المزهر على جروف شطوطها وخرورها..خذ ريش أجنحة الحذاّف والبراهين وطويرة بت الشيخ، استمع لغناء العمارتلين في ليالي اكتمال القمر وهم يصدّون عن أنفسهم انسلال الخوف من الظلمة وما توحي به من تمظهرات شبحية.خذ من الغيم الأبيض قدرته على حجبه المؤقت سماءً زرقاء صافية في صباحات ربيعية وستعرفه./ 84) من جزئيات توصيفات سيد هاني لحبيبته، من هذا التفكيك المنضود المنتخب المبأر من خلال عينيّ وقلب سيد هاني، ستكون أمام سلمان مسؤولية عظمى أن يتجتهد في تحويل الصفات كلها الى اسم علم مؤنث واحد أحد هو اسم الحبيبة الذي هو وعلى ذمة السيد(..اسمها اختزال لهذا كله/84) ياله إذن من اسم مؤنث تتشارك فيه تشاركا كرنفاليا الطبيعة وهي آيلة للجنوب فهو اسم متصل بجماليات الطبيعة في نسختها البكر
ويبقى سلمان على إلحاحه ( سيّد شسمها؟ الله يخليك/ 165)والسؤال هنا لماذا ضرورة التسمية له أهمية كبرى لدى سلمان؟ هل سيكون الاسم سلّما للمسمّى ؟ ولماذا السيد لديه أصرار المناضلين في صيانة أسمائهم الحركية أثناء التحقيق/ التعذيب ؟ هل يخاف على اسمها من الانتهاك، وسيكون للأنتهاك مؤثريته النفسية على سيد هاني؟ سؤالات لاتنتظر أجابات بل هذه التساؤلات وسيلة لحراثة التمسوية ..أما جواب السيد فيكون كالتالي (أهذا كل مايهمّك؟ ما الذي سيتغيّر حين تعرف اسمها؟ لو أني شعرتُ أن معرفتك به تريحني لقلته لك / 165) إذن هنا مربط الفرس الحقيقي: أن البوح باسمها لايدخل ضمن وسائل العلاج للسيد، فهو يريد اسمها له وحده، لايريده ملفوظا من شفتيه سواه . وهنا الغيرة الرجولية العمارتلية لدى السيد التي تجعل سيد ناجي يخاطب السارد سلمان (أعجز عن فهم إصرارك على معرفة اسمها،) ثم يضيف مايراه أهم من الاسم (ألايكفيك أنك رأيت َ صورتها؟) ثم يترجاه(يجب أن تقاسمني هواجسي بطريقة تتخطى فيها حرصك على معرفة اسمها فقط165) وهنا مسألة خلافية، السيد يريد من سلمان أن يكون وعاءً له ليفرغ فيه ماكبداته(عليك أن تفكّر بمعنى إصراري على أن أروي لك حكايتي بهذا التفصيل النازف. تعاطفك معي يهمني جدا يا نجيّي، ألا أكسر خاطرك؟ ألا ترى أني كمن يستعد للأحتضار بكامل عافيته؟ /165).. ومن جهة أخرى نرى السيد متعلقا جدا بتنغيمها لاسمه، وبشهادة سلمان نقلا عن شهادة السيد نفسه نقرأ الكلام التالي (ولم يرسخ من أحاديثها الطويلة والكثيرة معي غير لازمة لها،تفتح بها ما تريد قوله،أو تنهيه كانت تقول كأنها أمّي: يا بعد كلبي ياهاني. ماشعرت ُ بجمال اسمي ولا أهميته إلاّ بعد أن سمعته منطوقا بلسانها وشفتيها 214)..والسؤال هنا هل بدافع الغيرة الرجولية خشي على اسمها أن يكون له نفس الوقع في قلب سلمان، فلهذا حبسه سيد هاني قلبه المعنى المعنّى .
*سلمان كيوش / عركشينة السيد/ دار قناديل / بغداد/ ط1/ 2019
*بخصوص الشاعر بلند الحيدري، ينظر إلى مقالتنا(شرط التسمية) في كتابنا (من الأشرعة يتدفق النهر) / قراءة في الحداثة الشعرية العراقية/ من إصدارات مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية/ 2012/ ط1/ 2013