لتضامن مع الثورة السودانية ملحّ!

جلبير الأشقر
2019 / 4 / 24


قبل أسبوعين، كتبنا أن منطقتنا لم تدخل في «ربيع عربي» ثانٍ كما تكهّن معلّقون عديدون، بل في مرحلة انتقالية تختلط فيها بوادر ربيع جديد في السودان والجزائر باستكمال الهجمة المضادة للثورة في كل من مصر وسوريا وليبيا واليمن، وهي بلدان لا زالت تعاني من مخلّفات الصقيع الذي ألمّ بالمنطقة منذ عام 2013 عندما حلّ شتاء قارص محلّ الربيع الأول. وقد وصلنا إلى خلاصة مفادها أن مصير المرحلة الانتقالية ومسار السيرورة الثورية الإقليمية القادم يرتهنان اليوم بما سوف يؤول إليه الحراك في السودان والجزائر.
هذا ولم يردع الحراكان عبد الفتّاح السيسي عن السعي إلى تمديد حكمه لمدّة ثماني سنوات بعد انتهاء ولايته الحالية في عام 2023، بتكريس التمديد مثلما تكرّست الولاية من خلال اقتراعين أعادا مصر إلى التقاليد التي ألِفتها منذ عقود والتي تهدف إلى الإيحاء بشعبية «الريّس» الفائقة من خلال تزوير الإرادة الشعبية وإفسادها.
ولا شكّ في أن التاريخ سوف يسجّل قصر النظر السياسي والنرجسية الفائقة اللذين قادا السيسي إلى الطموح بتمديد رئاسته، وبالتالي إطالة عمر النظام الذي بناه أنور السادات على أنقاض الحكم الناصري قبل ما يناهز نصف قرن، في حين تخضّ بلدين مجاورين انتفاضتان شعبيتان ضد إطالة عمر نظامين مشابهين، أحدهما نشأ في الجزائر عن طريق الانقلاب الذي قاده هواري بومدين قبل خمسة وخمسين عاماً، والثاني في السودان عن طريق الانقلاب الذي قاده عمر البشير قبل ثلاثين عاماً.
والحال أن القيادتين العسكريتين في السودان والجزائر تواجهان حراكاً شعبياً استخلص دروس «الربيع العربي» الأول، وأدرك إدراكاً يقيناً أن سيطرة العسكر على السلطة هي الداء وليست الدواء، بعكس ما توهّمت به غالبية شعب مصر مرّتين في 2011 و2013. كما أدرك الحراكان السوداني والجزائري أن «الرئيس المخلوع» ليس سوى قمة جبل الجليد الذي تشكّل المؤسسة العسكرية جزأه الرئيسي والمحوري في كلّ من البلدان الثلاثة، مصر والجزائر والسودان. ولم يُسِئ الحراكان السوداني والجزائري فهم معنى «النظام» في الهتاف الرئيسي للانتفاضات العربية: «الشعب يريد إسقاط النظام»، فنراهما يصرّان على تسليم الحكم لحكومة من المدنيين ولا يقبلان بالمحاولات المتتالية الرامية إلى إقناعهم بالقبول بصيغة سياسية «انتقالية» تحت هيمنة عسكرية، يعلمون أنها لن تعدو كونها هدنة تبغي المؤسسة العسكرية التقاط أنفاسها خلالها والإعداد لتمديد حكمها بحلّة جديدة، على غرار ما حصل في مصر.


ويشكّل الحراك السوداني اليوم الحالة الأكثر تقدّماً وخطورة، ليس لأن السودان بلدٌ ذات أهمية أكبر من الجزائر، بل لأن الحراك فيه يتميّز بوجود قيادة على رأسه، أثبتت حتى الآن، وببراعة نادرة خلال الأيام القليلة الماضية، أنها أكثر صلابة وجذريّة من كل ما شهده «الربيع العربي» قبل ثماني سنوات، مثلما أكّدنا قبل أسبوع. وقد رفضت قيادة الحراك السوداني، التي تشكّلها «قوى إعلان الحرية والتغيير»، ما حاولت القيادة العسكرية إملاءه عليها، فتمسّكت بمطالبها وعلى رأسها تسليم الحكم لهيئات مدنية تختارها هي، وتزمع على إعلان أسماء المشاركين والمشاركات فيها في وقت قريب.
في هذه المواجهة بين قيادة الحراك الشعبي وقيادة المؤسسة العسكرية، تراهن الأولى على التعاطف الملحوظ الذي أبداه إزاء الحراك جنود وضباط صف وضباط من القوات المسلّحة السودانية، وهو الأمر الذي ردع القيادة العسكرية حتى الآن عن استخدام القوة ضد الحراك، خشية من أن يؤدّي ذلك إلى تمرّد في صفوف القوات المسلّحة قد يرتدّ على القيادة ويسرّع إغراق سفينة النظام بدل تعويمها. وهذا وجه آخر جوهري من أوجه تفوّق الحالة السودانية، التي دخلت منذ أسابيع في حالة من الاعتصام الدائم تتخطّى حالة التظاهر الأسبوعي التي لا زالت الجزائر تخوض فيها.
ويقف الحراك السوداني اليوم في طليعة الحراك الشعبي الإقليمي الذي بدأ مع «الربيع العربي» قبل ثماني سنوات، بما دشّن سيرورة ثورية طويلة الأمد. وعلى مصير الحراك السوداني يتعلّق مصير الحراك الجزائري ذاته مثلما يتعلّق مصير الحكم في مصر المجاورة وكذلك مصير المرحلة الراهنة الانتقالية من السيرورة الثورية برمّتها. فقد تتحول هذه الأخيرة حقاً إلى «ربيع» ثانٍ إن أفلحت الثورة السودانية، أو تفضي إلى تمديد «الشتاء» ومفاقمته لو تمكّن الحكم العسكري من قمع الحراك في السودان أو أغرق البلاد في حرب أهلية على غرار ما جرى في سوريا وليبيا واليمن.
وقد أدركت المملكة السعودية والإمارات المتحدة، قلعتا الرجعية العربية المضادة للثورة، خطورة ما يجري في السودان، وسعتا وراء إشراك حكومة دونالد ترامب، سيدّهما المتربّع على رئاسة الدولة الوصيّة عليهما، في دعم معجّل للحكم العسكري في الخرطوم الذي بات تحت قيادة رجل يُدعى هو أيضاً عبد الفتّاح. أما عبد الفتّاح الآخر في جارة السودان الشمالية، فمنخرط في دعم حكم زملائه الجنوبيين منذ البداية، لإدراكه أن وضع السودان لا يقلّ تأثيراً على أوضاع مصر، بل يزيد، عن وضع ليبيا حيث قام بزجّ قواته إلى جانب خليفة حفتر. وقد بات حفتر يتمتّع بدعم المربّع الرجعي ذاته الذي هبّ لنجدة الحكم العسكري في السودان، أي المربّع الأمريكي السعودي الإماراتي المصري، فضلاً عن روسيا التي لا تغيب عن أي مساعٍ مضادة للثورة في منطقتنا.
ولو كان لدى الحراك الشعبي الإقليمي قيادات تقترب شيئاً ما من متطلّبات المرحلة التاريخية التي نحن في صميمها، لدعت في كل مكان إلى حشود جماهيرية تضامناً مع الثورة السودانية ضد التدخّل الرجعي الرامي إلى وأدها. وليت الحراك المصري يستفيق من سباته، هو على الأخص، إذ أنه الأوثق ارتباطاً بما يجري في السودان ويستطيع دعم الثورة السودانية أقوى دعم.