شارع الحرية 16

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 4 / 24

زينـته لحظة الكتابة بجمال لا يوصف في صفحة ذهنها. من الناحية الجسدية، كان ساقا على ساق بسروال داكن اللون ذو قماش قطني على ما يـبدو، وقميص أحمر اللون يفصح عن أعلى صدره الذي يكسوه بعض الشعر. وضع الكراس على ساقه ليكتب، وبين الحين والآخر يشرد نظره أو يشعل سيجارة ويعود الى مسك قـلمه. لا يؤشر المظهر الى أي طريق في الكتابة، ولكنه يؤشر الى محيط نوراني يلـفه ويـبـزغ منه، مما جعلها تعـتـقـد في وجود روح النبوة وكأن نظراته الى السقف أو الى الأمام دون ان يركز على أي شيء أمامه لحظات تـلـقي الوحي، ثم تـذكرت القول في الإلهام والبحث عنه، فما هو الإلهام غير صياغة مخـفـفة للوحي. وقـديما كان العرب يسمونه شيطان الشعر أو جن الشعر.
الله لا ينـفـك يعبر عن نفسه، أم هو الجهد الذي يـبذله العقل للاتصال بعالم المثل مثلما قال افلاطون، فأليس طريق التـفكير والكتابة الذهنية هو محاولة للخروج من الكهف؟ أليست هي محاولة التـذكر لعالم الحقيقة الذي جئـنا منه، مثلما قال أفلاطون؟ أليست المعرفة تـذكر والجهل نسيان الأفلاطونية، هي نفس التعبير القرآني بما هو تـذكير، وذكر إنما أنت مُذكر؟ رأت فيه ذاك النور المتصل بالنور الكلي.
محكمة العقل في ذهنها أصدرت الحكم ببراءته من تهمة السوقية والبوهيمية حين كانت تـنظر اليه وهو بصدد الكتابة في مقهى "مسك الليل". تـذكرت تعبير "جبران خليل جبران" بـ «النبي المجهول"، وكأن كل مفكر وكاتب مفكر هو هذا النبي المجهول.
كان ذهنها يسبح في محيط هذه الأفكار وهي جالسة في المقهى تـنـظر اليه. قررت ان تستـسلم بالنظر اليه. قررت الوقوف في محيط تلك العذوبة في القلب وإرواء الشوق إليه.
كان آخر لقاء بينهما وهو لقاء الجفاء الصادر منها في كلية الآداب منذ شهر أفريل الفارط، أي ان عمر الفراق هو بنحو خمسة أشهر. ربما تخيلت ساعتها أنه يذوب فيها عشقا وأنه سيهفو إليها راجيا مترجيا راكعا ساجدا. نرجسية الأنـثى الشرقية التي تُـذل الرجل في عشقه، وتـتـذلل له حين تـتـزوج لتصبح جارية لديه. عاطفة العبودية هي التي تلهمها بالتمنع، فما التمنع إلا إرادة مضاعفة القيمة، وكأننا هنا في سوق نخاسة كبير بما انه يصوغ نفسه في العقليات، حتى وإن كانت المرأة حرة ظاهريا إلا أنها تـفكر كما لو كانت جارية. منطق السوق هو قانون العرض والطلب مثلما فسره "آدم سميث". يؤكد هذا التصور قول الشاعر: "يتمنعن وهن الراغبات".
ربما إنـتـظـرتـه واشتاقت الى حضوره يوما، بل ربما انـتـظرت طلعته البهية مع كل دق جرس لشقـتهم، فبـينهما كتاب لم ترجعه اليه، وبينهما قصة انتحار تعطيه شرعية الحضور كصحفي الى بـيتهم والتحدث حتى مع أبيها وأمها بخصوص الحادثة.
حينها تـذكر وقـفـتها أمام المكتبة في شقـته، وتطاولها وارتـفاع الجيب الأسود لتـفصح ساقيها الجميلتين عن بياضهما الحليـبي وحسن تكوينهما الذي يخلب العقول، وتـذكر تخيله لامتـدادهما من وراء سواد الجيب، وكيف توقـدت لديه رغبة لعـقهما، وكيف ضغط على نفسه الشهوانية كي لا يمضي في طريق احتـقاره لنفسه.
كان ذهنه يسبح في محيط هذه الأفكار، حين انـتبه الى وجودها في مجلسها بجانب الباب المقوس للمقهى، وكأنها آثـرت الجلوس هناك لتـتمكن من الانسحاب من المقهى بسرعة في أية لحظة. تـنظر اليه ولم تصرف عينيها السوداوين عنه، واتحدت العيون بالعيون في سباحة ملؤها العذوبة وإرواء للشوق الذي لا يرتـوي.
***
في تلك اللحظات التي رأى تلميحا ما. استمع الى نداء ما. كان القلم قد توقـف فعلا عند نهاية فقرة تـقول:
" ربما الله هو روائي والوجود كلماته. ألم يصف عيسى ابن مريم بكونه كلمة الله، الذي هو من تراب كبقية البشر في نفس الوقت. ألم يُرد الله القول إن الوجود هو كلماته. ولكن يمكننا أن نفكر من أسفل ونحن متصاعدين في سلم الوجود وهو ما يسمى بالمنهج التجريـبي او المادي في التـفكير أو الجدل الصاعد الافلاطوني الذي اعتمده أرسطو في منهج الاستـقراء للوجود. يمكن الانطلاق من الطبـيعة والملاحظة الحسية. ربما تـتـطور العلوم ومناهجها واكتـشافاتها الى غاية الوقوف عند كلمات الله في الوجود. ربما تصل الفيزياء أو علوم الفضاء الى اكتـشاف العالم الآخر بواسطة تكنولوجيا متطورة جدا. من المؤكد أن التطور العلمي الحالي لن يقف عند حد، فـقـد اقـتـرب الانسان الى المسك بشعلة الخلق من عدم. وما العدم غير كونه الوجود غير الموجود في ذهنـنا، والغير موجود هو ربما بكل بساطة عدم الوصول إليه أو عدم إدراكه بعد".
هنا توقـف القـلم، فقرأ ما كتب واحساس من الذهول يعصف بذهنه ووجدانه. كل هذه الأفكار كانت مخبأة في منطقة مظلمة من الذهن، إلى غاية قراره بالاسترسال في تـتبع قلمه والتـنكر للعقول والأصوات الأخرى.
وحين رفع نظره أحس بنفسه فارغا تماما. أحس بذاك الذي لا يُرى أمامه قد انـدثـر. حينها رأى السقف الأبيض للمقهى، ثم الجدران ذات اللون الأخضر الفاتح، ثم نادل المقهى بقميصه الأبيض ووجهه النحيف، ثم الباب المقوس، ثم. وجهها المشع بهالة غريـبة من جمال لا يُطاق. جمال ملائـكي. إشعاعات عذوبة تهتـز لها الجبال.
تملكته رعدة في البدن، فهل هي انتـفاضة الروح تريد الخروج من سجن البدن، أم هو البدن لم يحتمل اهتـزاز الروح داخله؟
غمره للحظة تاريخ الارتعاش امام وجه آلهته وهي تـلقي قصيدتها في مسابقة بين المعاهد، وبعدها في رواق المعهد حين قرر الذهاب إليها لمحادثـتها أول مرة، وكأن الجحيم يأكله، ولكنه جحيم عذب فردوسي. تـذكر كيف صفعته الآلهة، وكيف تلون بألوان غريـبة وفق ما قال له صديقه وهو مندهش من تحول الوحش الى شبه قـتيل. وبعدها حين رضيت بالتحدث اليه في ساحة المعهد دون ان تلاحظ ارتعاش ركبتـيه وانخطاف روحه منه.
الآن يمكنه إيجاد تـفـسير ما. الآن يمكنه القول انه الاتصال بالجمال في ذاته في عالم المثل، وأن ذاك الاتصال يخرق قوانين الفيزياء فـتـرتعـش الفيزياء وتهتـز في حضرة الميتافيزياء..
قال إنها مبعوث آلهة الحب للتـذكير، لكنه الآن متـثاقـل بفضل العقل والتجربة مما جعله أقوى للسيطرة على ارتعاشة الجسد. وحين رأته يهم إليها تحولت نظرة عينيها من الاشعاع الجميل الى الخوف. وبسرعة فائـقة أخذت شنطتها وانـفـلتت. رأى فوهة الباب المقوس تبتلع هالتها النورانية، فكأنه لثواني معدودات كان باب الفردوس الذي يشع منه البياض النوراني المبهر العذب. انـفـلتت فكان هو باب الجحيم ذو السعير..
***
" يوجد شخص ما في وقت ما لكل فرد منا مهمته في الحياة هو تكدير صفوها. يجب القـذف بهذا الشخص الى الجحيم بكل قوة وسرعة ودون أي شفـقة أو رحمة. تبا لك".
لم يستطع العودة الى الكتابة، وجل تـفكيره قد أستلب منه ليغدو تـفكيره فيها هو الذي يجره ويتحكم فيه. لم يعد قائما على نفسه ليتحكم فيها، وهذا ما يسمى بالتعاسة. فعل الاستلاب للإرادة، وبالتالي للبهجة والمرح. ماذا تريد مني هذه التعيسة، ولماذا أتـقهقر الى هذه الهوة العجيـبة من الجاذبـية الماحقة؟ تبا لك..
انـتابته مشاعر الكره لها الذي هو في حقيقة الأمر كره لنفسه التي تـنفـلت منه ليتحكم فيها شخص آخر. هذا ما يُسمى إحساس العبودية في الحب. ما هو الحب؟ إنه الجحيم الذي تُـشع منه سناءات الفردوس. اوه يا نزار. لقد وجدت الإجابة عن سؤالك. الآن يمكنني أن أفسر ما اعتبرته لا يُفسر.
لكن ما انـفـلت منه فعليا و مر عليه دون أن يتساءل عنه، هو إقراره الضمني ما بـينه وما بين نفسه أنه واقع في الحب، وأنه يحبها، وبالتالي فهي ليست مجرد نسخة من آلهته. جادت عليه تلك اللحظات بتـقدم جوهري دون ان يعي ذلك. حقيقة هذا التـقدم هو انه يحبها هي وأن مسألة التـشابه الكبـير بينها وما بين آلهته يلزمه تـقدم في التـفكير. أي أن آلهته هي في النهاية تجسيد لصورة الجمال في أعماقه، والتي يمكن تـفسيرها حسب التـفكير الافلاطوني، بأن آلهته في ذاتها ليست هي الجمال الأرضي المتطابق مع مثال الجمال في عالم المثل، وانما هي التجسيد الأقرب له، وان سلمى الآن تجسد المثال. وطبعا حسب "فرويد" فهي صورة الأم المدفونة في أعماق النفس. أي الأم الشابة التي كانت ترضعه وتمنحه اللذة الشبقية الخالدة البريئة تماما من أي قصد وبالتالي من أي إحساس بالذنب. ولكن تجاوزا لفرويد فهذه الصورة يمكن ان تكون عشقا لامرأة ما في الطفولة وليس بالضرورة ان تكون الام بمثل ما قال "فرويد". ذاك العشق البريء بدوره. العشق للجمال في ذاته دون أي قصد تدميري او قصد التمتع به. ذاك العشق الذي تحيطه هالة نورانية ملائكية لأنه خالي من الرغبة الجنسية، أي الخالي من أية رغبة أنوية استعمالية تدميرية للآخر. بل الآخر غير موجود كآخر لأن الأنا غير موجود كأنا قائم بذاته. ذاك هو جوهر الخير و الجمال المطلق. لذلك فذاك العشق لتلك المرأة هو اتحاد مباشر بجمالها بكل حرية لأنه بكل تخلص من كل غرضية إنوية. لذلك تكبر هالة ذاك الجمال في الأعماق ليكون هو الجمال الكلي والجوهري ومثال الجمال، لكن هذا المثال في أعماق نفوسنا وليس في عالم آخر..
ولكن ما أهمية كل ذلك؟
تكمن أهمية التـفكير والوعي بالحقيقة في انه يجعلنا نتحرر من الانـقياد الأعمى دون قدرة على السيطرة على النفس، ودون قدرة على خلق التطابق بين تـفكيرنا وسلوكنا في الواقع. وبالتالي التحرر من عدم الايمان بقدرتـنا على تغيـير الواقع..
تكمن أهمية ذلك في ان نعيش حياتـنا بالعقل والإنـتـظام العقلاني وبالتالي الانسجام بين ملكاتـنا وحواسنا وعواطفنا وتـفكيرنا، لكي نكون أناسا فاعلين ومتملكين لوجودنا وليس مجرد ريشة في مهب الريح.
تكمن الأهمية أساسا، في ثـقافة عامة فقدت إمكانية خلق الانسجام الجمالي والحقيقي والخير بين ذرات المجتمع.
***
رجع الى مجلسه في المقهى. أشعل سيجارة بعد أن أتاه النادل خفيفا بفنجان قهوة جديد. انقضى عمر السيجارة بين مرآها الهلامي المنفلت وحضورها الجميل المفعم بالالتـذاذ الهائل. تاه فكره قليلا الا انه تمالك نفسه بواسطة التركيز على استرجاع خطوط جسدها الجميل وساقيها البيضاوين الحليـبـيتين ذات التـناسق الرائع.
عاد الى كراسه وقـلمه. عاد الى سيطرته على نفسه. انـفـلتـت هي لأنها خائـفة من الحب. انها تحبني. أما خوفها فإني لو لحقت بها لضاعفـته. كتب هذه الكلمات:
" لا يمكن الاطمئنان ابدا في أي لحظة بأننا بعيدون عن متاهة الانقسام بيننا وبين ذواتـنا. ذاك أن إنيتـنا هي ليست كليا ما أنا هو، وإنما ما أنا هو هو الكلي الإنساني في مجمله او في جوهره. لحظة الانقسام بيننا وبين ذواتـنا هي في حقيقـتها لحظة الألم الناتجة عن الانفصال لأنانا عن الكلي الإنساني. سر هذه التعاسة التي نعيشها كل يوم، والتي تُـفـقـدنا المرح والسعادة والانطلاق وبالتالي الصحة العقلية والنفسية والبدنية، هو نمط الحياة العامة التي تـفرض انفصالنا عن الانساني بما خير وجمال وحق..."