خمطوقراطية

جعفر المظفر
2019 / 4 / 23

خمطوقراطية

جعفر المظفر
سأقول أن الديمقراطية لا تبنيها النوايا الحسنة لوحدها وإنما هي تشترط وجود قوى تؤمن بها حقا, ثم أن تطورها على الأرض وفاعليتها كنظام أو مجموعة وسائل وأهداف يرتبط بشكل كبير على ما تحققه من إنجازات إقتصادية وتحولات إجتماعية بناءة.

النوايا الطيبة الساذجة أن نظن بأن الديمقراطية هي ذاتية الحركة والتعجيل والتوجيه وأن بإمكانها أن تخلق جنة الله على الأرض بدون قيم إجتماعية وأخلاقية ومادية تحرسها.
وأقولها بملئ الفم أن النظام الحالي قد عجز كاملا عن إنجاز ولو الجزء اليسير من هذه التحولات على الأرض بل نراه فعل العكس من ذلك على جميع المستويات. ولم يأتَ ذلك إعتباطا وإنما هو جاء لتلبية حاجات وثقافة نظام المكونات وبما يتفق مع تغييب اي مستوى من مستويات الوطنية العراقية السليمة.

رفضنا للنظام الحالي لا يعني بالضرورة الدعوة للعودة إلى الدكتاتورية لأن ما لدينا لا يمثل حالة ديمقراطية معقولة ومقبولة, ولنا أن نعود إلى نسبة مقاطعة الإنتخابات الأخيرة لتشتق منها ما يعيننا على تقدير مستوى الرفض لهذه الديمقراطية المشوهة.

ثم أن رفض السيء والحذر من ممارسته والتنديد به لا يشترط بالضرورة حتمية توفر البديل أو الضد النوعي بكل تفاصيله.
كما ويدعونا ذلك أيضا إلى القول أن تشخيص ما أنتجته هذه (الديمقراطية) من أضرار لا يعني على أي مستوى الدعوة أو التبشير للدكتاتورية. وليس خطأ بالتالي دعوة المثقفين إلى التفكير بقيام نظام بديل يأخذ بنظر الإعتبار سيئات كلا التجربتين السابقتين للخروج بتجربة ثالثة.

ما لدينا الآن ليس ديمقراطية بالمعنى الصحيح وإنما هي أقرب إلى ان تكون (خمطوقراطية وخيانوقراطية).

وليس خطأ على سبيل المثال الدعوة إلى ضرورة تشكيل حكومة إنقاذ مشروطة من ناحية البرنامج ومرحلة الإنتقال, كما أن صعوبات قيام ذلك لا يوجب عدم التبشير به, فثمة تململ كبير من حالة الفساد والتبعية والتمزق الإجتماعي الأمر الذي يدعونا حقا إلى الدعوة إلى شكل من أشكال (الديمقراطية المتنقلة أو المُمَرْحلة) وبما يعني ان تأتي الديمقراطية على مراحل وبجرعات نسبية تتوافق وتنسجم وتتفاعل على ما تنتجه على الأرض من تحولات ذات مردود إنعكاسي يحقق النقلة المرحلية التالية فلا يجعل الديمقراطية وكأنها نظام قد أُنزل بالباراشوت أوجاءت كتقليد أعمى لنظم كانت ديمقراطيتها قد جاءت كإستجابة مرحلية وتاريخية لواقع أنتجها وحضارة إستوجبتها.

إن تحويل الديمقراطية إلى مقدس لا يجوز الإقتراب منه أو تعديله أو حتى تأجيله هي دعوات قد تكون صادرة أما من المجاميع المستفيدة من شكلها المشوه أو من ردود فعل مشروعة ضد الدكتاتورية المجرمة أو من أصحاب النوايا الطيبة الذين يعتقدون ان بإمكان الديمقراطية أن تحمل سر قوتها وتطورها في ذاتها.

أن قدرة الديمقراطية على البقاء والتطور والإنتاجية ستكون مضمونه حينما تكون الديمقراطية قد تأسست على ونشأت من بنى إقتصادية وثقافية سليمة تصلح كرحم لولادتها ولادة طبيعية, فالديمقراطية أيضا مخلوق حي ضمانة أن يأتي من داخل رحم سليم معافى لا من داخل رحم مريض أو تأتي كولادة من خارج الرحم لأن ذلك سيكون كفيلا بموت الأم وموت الجنين.

ما لدينا من أحزاب دينية وميليشيات لا يصلح لبناء صريفة أو كوخ طيني فكيف لها أن تشيد قصر الديمقراطية الشامخ المتين المحروس أولا بصلابة مواده وتسليحه الحديدي وهندسته المتقنة قبل أن تحرسه التمنيات والنوايا الطيبة.