أحزاب كردية بلا سند - 1/2

محمود عباس
2019 / 4 / 22


الانشقاقات في الأحزاب الكردية ظاهرة مستديمة، مثلها مثل الوحدات الفاشلة، بل الأخيرة لم تكن أقل ضرراً من الأولى، وسنأتي على خلفياتها لاحقا، وهذه تتبين من خلال تعميقها حالة اليأس ضمن المجتمع، وترسيخ عدم الثقة بعموم الحركة الكردية، حتى تلك المأمولة منها، وخير مثال على ما نذكره الوحدة الأخيرة بين طرفي آزادي واليكيتي الكردستاني والبارتي الديمقراطي، والمتمخض عنهم الديمقراطي الكردستاني-سوريا، والحالات اللا معقولة من الانشقاقات والانقسامات وعدد الأحزاب.
فالتوقعات المتسربة حول انشقاق اليكيتي الكردستاني وللمرة الثانية، إن تم سيكون تكرارا للتجارب السابقة، وحالة تعيد ذاتها، ومن أسباب اهتمام الشارع به، خلفية الركود السياسي، والثقة المنعدمة بالأحزاب، وإصرار المجتمع على عدم جدوى القيادات الحزبية، والتي مضارها تنعكس على مجمل الحراك، ولا بد لها من إخلاء الساحة للأجيال القادمة، فهي من الماضي المأزوم، جلها من الحرس القديم، أسرى المربعات الأمنية المرسخة لسلوك الانشقاقات فيهم، والتي جردتهم من القدرة على التحرر، وعليه فالبعد الوطني والحس القومي تفرض عليهم اعتزال الساحة الحزبية. ومن جهة أخرى لم تقصر الإدارة الذاتية حزوا تلك المربعات الأمنية في تفريخ العديد من الأحزاب والتي بلغت قرابة عشرة حتى الأن.
ضجت الساحة الحزبية في جنوب غربي كردستان، بزوبعة من التكهنات والشكوك، والبيانات والاحتمالات، والتوصيات، ككل الحالات التي تسبق انشقاق حزب ما، تلتهي بها الحلقات الاجتماعية الحزبية، وتملئ يومها بموضوع لا يخلف إلا السلبيات للقضية الكردية. والأن وعلى خلفية التسريبات الصادرة من مؤتمر يكيتي الثامن المنعقد في قامشلو وبغياب البعض من أعضاء مكتبه السياسي ولأسباب أمنية، صدرت بيانات عديدة متضاربة، مما يعطي مجالا للقوى الخارجية التلاعب بتماسك الحزب، المتخمر فيه عوامل الانشقاق أصلا، والذي لم يسعفه خروجه باسم جديد، (اليكيتي الكردستاني) تحت منطق مسايرة الظروف، وتبين أنه كان شكلياً، علما أن الاسم كان قد تبنته المجموعة الأوروبية المنشقة قبل سنوات والمنضمة لاحقاً إلى مجموعة الأحزاب الأربعة، كما لم ينقذه التوافق الشكلي على البيان الختامي من الشرخ الحاصل ضمن المؤتمر، لأن الخلافات والشرخ في الواقع أبعد من المؤتمر الذي لم يتمكن من ردأ الصدع، فإلى جانب التأثيرات الخارجية، هناك العامل الذاتي، وأهمها استهلاك العوامل المشتركة التي ربطت بين قيادات الحزب، وتناميها بشكل فردي أو على شكل تكتلات.
برز حزب يكيتي على الساحة النضالية، رغم ظهور المجلس الوطني الكردي، والديمقراطي الكردستاني -سوريا بعد وحدتها على الساحة، كأشرس حزب معارض للإدارة الذاتية وانفرادية الـ ب ي د بالسلطة، فكان من الطبيعي أن يتلقى وقياداته النشيطة الكثير من الطعنات، وهجمات حادة من الـ ب ي د ومن يحوم حوله، ومن الإدارة الذاتية. استمر الصراع خلال السنوات الماضية رغم كل الهجمات الخارجية على الشعب الكردي وقضيته، ولا يزال، عكست سذاجتهم، أمام الكوارث التي يواجهها المجتمع الكردستاني، ولا شك أن صاحب القوة يحمل الوزر الأكبر إن لم يكن جله.
ظهرت بوادر الخلل في جسم هذا الحزب قبل سنوات وبشكل خاص في منظماتها الخارجية، خاصة ضمن أوروبا، في الوقت الذي كان في مقدمة الأحزاب المأمولة منها، بعد الخمول الذي أصاب الحزب الديمقراطي الكردستاني، مباشرة بعد مؤتمره التوحيدي الأول، وعلى خلفية نوعية الشخصيات القيادية الذين تم فرضهم، بإملاءات خارجية، كردستانية أو غيرها، أو عن طريق التكتلات الحزبية الجارية عادة قبيل المؤتمرات.
لعب البعض من الشخصيات أدوار في تصعيد الخلافات ضمن اليكيتي، وبنفس المنهجية التي سايرت معظم انشقاقات الأحزاب الأخرى، ولم ترق أية منها إلى سويات الصراعات السياسية، بل ظلت في الضحالة الحزبية، وبين الحالتين مساحات فكرية شاسعة، فمحاولة مسؤول أوروبا أحمد مصطفى إنقاذ الحزب من الانشقاق الأول قبل سنوات، حملت منهجية سياسية، عندما جاهد لتطبيق منطق الحوار الديمقراطي وتوثيق روح الاختلاف بدل الانشقاق، والمتخلي عنها بعدما وجد أنها ستنتهي بنتائج سلبية، وهو ما تم، وحينها قال كلمته، أنه لن يضيف رقما أخر على الأحزاب الخمسة عشرة حينها، ووقف ضد منظمة أوروبا المنشقة، بل وترك الحزب.
المنشقون أضافوا تجربة إلى مسيرة التجارب العديدة، وحينها تم تجميد، أو استقال عضو المكتب السياسي، الأخ سعد الدين ملا، ومعه البعض من كوادر وأعضاء الحزب في أوروبا، مرت على تلك الصدمة مؤتمرين، مع ذلك لم يتخلص الحزب من إشكاليات داخلية وهجمات عنيفة خارجية، جلها من أحزاب الإدارة الذاتية في كردستان روج آفا، شاركت فيها وبشكل غير مباشر الجهات الكردستانية الأخرى، والطامحة في استغلال الحزب لأجنداتها، وذلك عن طريق الضغوطات الاقتصادية، وعلى خلفية الوضع المادي المتردي للحزب. فالدعم المقدم من الإتحاد الوطني الكردستاني، وبتوسط من الأستاذ حميد حاج درويش، وقطعه، تم تحت شروط وإملاءات مؤسفة للحراك الكردستاني، لحقه الدعم المقدم لوجستيا وماديا من قبل الديمقراطي الكردستاني، مع جملة من الشروط والقيود على الحزب وعلى القيادات المتواجدة في الإقليم أو من يتبعهم ضمن التكتلات الحزبية والتي تشتهر بها أحزابنا الكردية والكردستانية.
ومعظم هذه الإشكاليات، بدءً من سهولة تأثير التدخلات الخارجية، إلى تلاعب الأحزاب الكردستانية بمصيرها، كانت نابعة من قلة الوعي الذاتي، والتي حصرت قياداتها بإتباع الأساليب الكلاسيكية في حل معضلاتها الداخلية، ولم تنقذها الخطابات الحادة، والشعارات القوية، غير المسنودة بإدراك التمييز بين الخلافات الحزبية والصراعات السياسية.
فبعد المؤتمر الثامن وتغيير الاسم، والخروج باليكيتي الكردستاني من القاعة إلى الشارع، خرجت معها جملة من القضايا الخلافية والتي عكست البنية الفكرية ليس فقط لقيادات اليكيتي بل لمعظم الأحزاب الكردية، حيث الانسجام والتناقض ضمن الشخصية الواحدة، التأييد والاعتراض، والدكتاتورية الفكرية والديمقراطية، الموافقة والضد، مع غياب الاختلاف وتقبلها بحكم البعد الديمقراطي، دون أن يدركوا أوجه الغرابة في هذه الجدلية السلبية. فعلى خلفية هذه التناقضات وبعد الموافقة الجمعية على البيان الختامي، والالتزام بمنطق الأغلبية، حتى ولو كانت الديمقراطية في الكثير من الأحيان تأتي بنتائج سلبية، برزت التكتلات بشكل فاضح ضمن الحزب، تلقت كل كتلة منها دعما خارجيا حسب توجهاتها، وطافت معها السذاجة الحزبية، وبالتالي توسعت الاختلافات المتوقعة أن تؤدي إلى الانشقاق.
مسيرة الخلافات في الأحزاب الكردية والمؤدية إلى الانشقاقات، وغياب منطق الحوار الديمقراطي، نابعة من عدة عوامل:

يتبع...