افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها ( 121)

عماد علي
2019 / 4 / 20

يمكن من مقارنة الغزالي و ابن التيمية ان يكون اصح توجه هو ما قاله احد الباحثين المستشرقين في سقوط و اسقاط عقل المسلم هو ( ان ما فعله ابن التيمية في الثيولوجيا موازي لما فعله الغزالي بالفلسفة (47)، لان ابن التيمية يعرّف كل طريقة عقلانية لرفض الفكر العقلاني بالكفر و الانحراف من الدين، في الوفت ان الغزالي راى كل طريقة عقلانية لمنع تقديس العقل بطريقة دينية، كان الهدف منه شيئا واحدا، وهو تدمير و اظهار العقل عاجزا، و لكن بطريقتين و هما المدمرة و الاكثر دمارا.
تاثير ابن التيمية الى حد في ذلك المجال بان الاشخاص المذهبية الاخرين و ان لم يكونوا حنبليين في عقيدتهم الدينية( كجلال الدين السيوطي الشافعي الاشعري) الا انهم متاثرين به و اتبعوه، السيوطي نفسه صاحب كتاب كبير لتحريم المنطق و كما يقول هو؛ بالعودة الى فتاوي ابن التيمية و الى ما كتبه هو فقط من اجل ان يزيد من فتاوى ابن صلاح بتحريم المنطق بشكل عام و دقيق ( 48).
لذا بمجيء ابن التيمية، ان انتقاد المنطق الارسطوي لم يقف في حد ان يستند على النص الديني فقط و انما اعتمدت تلك الانتقادات على العقل نفسه. بمعنى اخر، ان حرب ابن التيمية مع الفلسفة و المنطق هي باظهار الخلافات لتلك الاشياء ب ( صريح المعقول) وليس (صحيح المعقول) فقط، لذا كان عمله تخريب المنطق اليوناني و بعكسه تاسيس منطق اسلامي سلفي ( 49). و من ذلك العصر ايضا انتشر ذلك الشعار الجماهيري الذي يقول ( من تمنطق تزندق) اي من استعمل المنطق و اعتمد عليه فهو زنديق، لذا فان شخص كسيف الدين الامدي في القرن السابع( شخصية دينية وعالم اشعري معروف)، لكونه قد درس المنطق و اهتم به في كتاباته، في البداية طُرد و هُجر من العراق و فرّ الى القاهرة. و من ثم طُر د هناك ايضا من قبل رجال الدين السلفيين. و بهذا الشكل فان افول نجم الفلسفة و المنطق في الثقافة الاسلامية كان له بداية و ليس له نهاية.
من الصحيح انه على الصعيد العام و الرسمي قد تلقى هذه الحركة ضربة مؤثرة و مميتة، الى ان وصلت عملية الترجمة كفعل عقلاني و اختيار الفلسفة في اعلى مستوى نموها في القرن الثالث و الرابع الهجري (العصر الذهبي لنشاط العقل)، فوصل الى اعلى مراحل الخمول و الفشل، الى ان توقفت نهائيا خلال مدة سبع قرون، و لكن دامت تاثيرات و شبح العقل الفلسفي على الفكر و الاتجاهات الدينية، فتوى السبكي بعكس فتوى ابن صلاح اشارة اخرى الى بقاء تلك التاثيرات و ان كانت في مجال لافلسفي و بعيد عن عقلانية المنطق. بلا شك بقي ذلك الانين الصغير للمنطق، و لكنه هذا لا يعني انها كانت مادة و نظام عقلاني، و انما هو اشارة الى وجود المنطق في المجال اللامنطقي، وجود العقل في الحقل اللاعقلاني، لان المنطق نفسه ليس بسيف كي يُستخدم في الجهاد او السلب و النهب كما يقول السبكي و انما هو مادة عقلانية للوصول الى قرار عقلاني، طريقة للوصول الى المكان الذي يكون العقل فيه اكثر فعالية و صحة، انه طاقة لتفعيل العقل، عقل حر و منفتح و انتقادي و ليس عقل منغلق جمودي دوغمائي.
مع ذلك و كما قلنا ان السبكي و بسبب فكرة استخدام المنطق كسيف للجهاد من اجل الدين يبعد نفسه بعدد من الخطوات من اهل الحديث. بمعنى اخر، انه كالغزالي و فخري الرازي و ابن الحزم و عدد من الشخصيات اهل الشرع الاخرين، عندما يريد ان يُفعّل المنطق في خدمة الدين انه يُبعد نفسه عن طرق عمل اهل الحديث الحنبلي، لذا فان السبكي وهو على قيد الحياة فهُجم و اعتدي عليه من قبل اهل الحديث الحنبليين بشكل قوي، و بالاخص من قبل شخص باسم ( شمس الدين محمد بن احمد بن عبدالهادي) الحنبلي، الذي توفي عام 744 الهجري. ان هذه الشخصية مم اهل الحديث في كتاب ( الصارم المنكي في الرد على السبكي) يهجم بشدة على السبكي, و ان كان هذا المؤلَف خاص بالرد الشديد من قبل الحنبليين من اهل الحديث على السبكي حول شرعية زيارة قبر النبي، و هذا رد على السبكي الذي انتقد ابن التيمية عن هذه المسالة، و لكن انه اظهر في جمعه بشكل عام بان نهج الفكر يختلف في خطاب المدرسة النقلانية، الذي قارن ما لدى السبكي بما لدى شمس الدين الحنبلي الذي كان اقل سلفية.
في العصر الحديث و بعد تاسيس الدولة السعودية، ان الحنبلية بشكله الاكثر تشددا وفِّرت لها الفرصة في اهم جغرافيا دينية اسلامية كي تنمو مرة اخرى، و بالاخص بعد توقيع اتفاق بين قبيلة ( آل سعود ) في منطقة الدرعية و الحركة الوهابية بقيادة (محمد بن عبدالوهاب) في عام (1745 ه) و المعروف باتفاقية الدرعية، وفق هذه الاتفاقية؛ فان الدنيا و السلطة و الارباح لعائلة آلسعود و الدين و الطريقة الدينية للمذهب الوهابي، فبهذا الشكل و عن طريق الهجوم العسكري لقبيلة آلسعود و احتلال مناطق الحجاز الاخرى بعدة مراحل و بدعم من الوهابيين ، اسسوا في عام 1932 الدولة السعودية، بعد ذلك و بسبب استكشاف النفط و تراكم مليارات الدولارات لديهم تم تطور هذا كخطاب رسمي للاسلام نفسه، و نمى هذا الاتجاه السلفي كمذهب وحيد اسلامي صحيح و انتشر في العالم كله، و بالاخص في سبعينيات القرن السابق، و الذي يعاصره في الوقت نفسه ظهور الحركة الشيعية بشكل قوي، و بشكل خاص بنمطها لدى ثورة الجمهورية الاسلامية الايرانية، و ايضا عصر ازدياد دخل النفط الكبير و تراكم الراسمال غير المحدود لدى عائلة السلطة العشائرية السعودية.
في نهاية متابعة قصة السقوط الماسآوي للعقلانية في الحضارة الاسلامية، يجب ان نقول ( ان غلق عقل المسلم خلق ازمة، و الارهاب الاسلامي الحديث جزء من بيانه ( 50).