افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها (120)

عماد علي
2019 / 4 / 19

ان هذه الشخصية التي من اصول كوردية ( توفي سنة 643 الهجري) انه صاحب اشد و اوضح فتوى دينية ضد المنطق و الفلسفة، ان فتوى ابن صلاح بقدر ما هي لتحريم المنطق، فهي ليست بالقدر ذاته في تحريم الفلسفة، لانه قبل مجيء تلك الفلسفة كان المنطق محرما، انها الحقيقة التي قبل ان يقولها فان جولدتسهير يشير اليه و يقول( ان فتوى ابن صلاح لم تكن شيئا عدا كونها تعبيرعن الراي السائد في البيئة السنية الواسعة للعالم الاسلامي في ذلك العصر ( 43)، لانه كانت هناك فتوى الغزالي الشافعي الاشعري لتكفير الفلسفة قبل هذا و كانت انعكاساتها اكثر من ان تحتاج لفتوى حول الفلسفة كمسالة دينية مرة اخرى. و حتى قبل الغزالي، كانت الفلسفة كجسد ميت، اي ان ضربة الغزالي لقتل الفلسفة كضربة لجسد ميت، و كثيرا ما يستخدم الطرابيشي هذا التصور، ابن صلاح الشهرزوري اغلق تلك النافذة الصغيرة لفعالية العقل نهائيا بهذه الفتوى، التي سار الكثير الاخرين على المسار ذاته فيما بعد، بمعنى اخر ان فتوى الشهرزوري هي فتوى منع استخدام المنطق و قراءته لدى اهل الشرع و المدرسة و حلقة قراءة و تعليم الشريعة، وحتى ان كان هدفهم هو الدفاع عن الشريعة و استخدامه للصياغة و الخدمة.
فتوى ابن صلاح هي جواب للسؤال حول ( المنطق و الفلسفة) الذي من المزعوم انه سُؤل عنه ( هل يسمح الشرع قراءة و تعليم المنطق؟) و (هل من الحق استخدام المصطلحات المنطقية لاثبات الحكم الشرعي؟) و( هل يحتاج برهان الحكم الشرعي الى المنطق؟) و( ما واجب السلطات ان عرفت ان هناك شخصيات في مكان ما مشغولون بالفلسفة؟).
هذا فحوى السؤال، و ليس بشرط ان كان شخص ابن صلاح ساله واقعيا، وانما الاحتمال الاقوى انه صاغه باسم السؤال، وفي اول نظرة يتوضح ان الهدف الرئيسي لذللك السؤال المنطقي في بودقة الشرع، بانه استخدام ذلك العلم كاداة ديني، و ان الغزالي هو رمز ذلك العمل و اصبح فيما بعد تقليدا، مثلا عند فخري الرازي الاصولي( و قبله الشافعي الاشعري) في القرن السابع الهجري، اي هو متوفي بحوالي نصف قرن قبل ابن صلاح، ابن صلاح في جوابه لذلك السؤال المحتمل ( له جواب قوي حاسم) يقول ( الفلسفة قمة الغباء و انعدام الاخلاق، مصدر التخبط و التمرد و سبب الانحراف و الزندقة. اي شخص يعمل في مجال الفلسفة تعمى عينه في رؤية خيرات الشريعة، التي تستند بشكل كبير على الدليل الواضح و المكشوف و اي شخص يشغل نفسه بالتعلم والتعليم، يصيب بالمذلة و الحرمان و يسيطر عليه الشيطان، فما ارذل فن ان يعمي عين صاحبه...؟
اما المنطق فهو منفذ الفلسفة و منفذ الشر هو الشر، لذا ان الانشغال بالتعلم و التعليم ليس بشيء يسمح له الشرع,,, لذا من واجب السلطات( يحفظه الله و يحفظ الاسلام و المسلمين من اجله) ليحفظ المسلمين من اعمال شر تلك الشخصيات النحسة و يبعده عن المدارس و يعاقب اولاءك الذي ينشغلون به. ومن كان لديه مباديء الفلاسفة يجب ان يخضع للسيف او الاسلام، لكي تُخمد نارهم و تُفنى بقايا الفلسفة، مع بقايا الفلاسفة( 44).
بهذا الشكل فان الفتوى ابن صلاح هي لتابعي الغزالي و مشابهيه بالدرجة الاولى، ضرب هذا العمل المفصل الصغير لبقاء علم الفلسفة اليونانية في مجال الدين غير الفلسفي. و حتى ابن صلاح بنفسه في مكان اخر من النتاج ذاته يقول؛ في كتاب اصول الفقه ان كان فيه خلط المنطق و الفلسفة معا، فان قراءته و الاطلاع عليه حرام (45)، و بدون شك فان ما يقصده هو كتاب ( المستشفى) للغزالي الذي عُلم في ذلك العصر في اكثرية المدراس الدينية.
مع كل تلك المحاولات لابن صلاح و مؤيديه، و لكن ان كان هناك استخدام للمنطق في مجال ضيق و صغير جدا و تمكن ان يصمد ( مجال الشريعة)، وبالاخص مع مجيء ( تاج الدين السبكي) الذي كان شافعي اشعري في القرن الثامن الهجري، ومن هنا فان استخدام المشروط للمنطق في الحجرات و المدارس الدينية بالعديد من الشروط المسبقة مرة اخرى اخذ شرعيته، ان الاهمية الكبرى لهذه الشخصية لنا هو تاثيره على الحجرة و المدارس الدينية الكوردستانية بالدرجة الاولى، و الذي من المحتمل انه قد شمل ذلك كوردستان في القرن الثامن عشرمع اهتمام جامعة الازهر بنتاجات هذه الشخصية و بالاخص كتاب ( جمع الجوامع) الخاص بعلم اصول الشريعة، لذا فان جزء من تلك الحجرات في كوردستان لم تسيطر عليها ايدي الخطاب الوهابي الحنبلي للخليج العربي لحد الان، ان هذا الكتاب قُرا و اعتبر احد تلك العلوم القديمة لملالي كوردستان سابقا.