افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها (119)

عماد علي
2019 / 4 / 19

قلنا من قبل ان الاهتام الاول للسلطة العباسية و بالاخص في عصر المامون بالادبيات الفلسفية اليونانية هو اهتمامه بالمنطق، و كان هذا محاولة لتنظيم نظام تفكير المسلم و انقاذه من التفرق الفكري الذي كانوا فيه. وحتى ابن المقفع ترجم جزء من تلك المؤلفات اليونانية من الفارسية في عصر المنصور مع بعض الشروحات للنتاجات المنطقية لارسطو التي كتبت من قبل السريانيين الايرانيين او مدرسة الاسكندرية من قبل. بهذا الشكل قال ابن صباغ ( اول علم اُهتم به من علوم الفلسفة هو المنطق و علم الفلك (37) كان المنطق في الفلسفة اليونانية و الفلسفة الاسلامية اداة للتفكير الصحيح بشكل عام ، كما ان الهدف الرئيسي للالتزام و قراءة القواعد هو عبارة عن الوصول الى التعبير الصحيح و الوقاية من الخطا اللغوي، لذا قورن باستمرار المنطق و قوانين اللغة في الحضارة الاسلامية. من المحتمل ان يكون اقدم مصدر الذي يوضح لنا تلك الحقيقة هو التوحيدي عن طريق ما يرويه من الحوارات بين شخص منطقي و اخر لغوي ف القرن الرابع، نرى تلك التشبيهات للمنطق مع اللغة كمادتين فقط، و كذلك هو احدى تلك التعريفات القديمة للمنطق في الثقافة الفكرية العربية الاسلامية، و هو الحوار بين ( ابو سعيد الصرافي)( اللغوي و المعتزلي في القرن الرابع مع ( ابي بشر متى) المسيحي، الفيلسوف و المترجم المسيحي في ذلك البعصر وهو من اساتذة الفارابي.
قال متي في هذا الحوار ان المنطق اداة الحوار، و بسببه يمكن الفصل بين الكلام الصحيح و غير الصحيح و كذلك المعنى غير الكامل من المعنى الكامل، و كما هو الميزان الذي يفرق بين القليل و الكثير (38), و في الجواب يقول الصرافي ( انت على الخطا، لان يفرق الكلام الصحيح عن غير الصحيح بالصياغة المعروفة و التحليل المعروف ان تكلمنا بالعربية، اي ان الخطا و الصح بالعقل ان فكرنا بالعقل). لذا فان المنطق قواعد يونانية و وضعها شخص وفق قواعد لغتهم، لذا لا يتلائم مع الترك و الهند و الفارس و العرب و بقية اللغات الاخرى. يقول له متي في جوابه، ان المنطق علاقة مع المعنى العقلي وليس القواعد اللغوية ( و الناس متساوية في المعقول الم تر ان اربعة زائد اربعة تساوي ثمانية؟!).
بهذا الشكل استمرت الحوارات، دون ان يتوصلوا الى اتفاق، و على الرغم من ما يرويه التوحيدي و ما يظهر ان الصرافي هو الفائز دون ان يتخلى متي عن توجهاته. ان ما له اهمية بالدرجة الاولى، هو عبارة عن تصور المنطق كاداة بدون روح و لا شيء اخر، و في الحقيقة ان هذا الفهم الذي بدا من ارسطووهو، هل المنطق فلسفة او اداة فلسفي؟
يعتقد الرواقيين ان المنطق جزء من الفلسفة و يقال له المفهوم الرواقي للمنطق، في الوقت في الثقافة الفكرية الاسلامية كان الايمان بان المنطق فقط اداة للتفكير الصحي بشكل عام، و يُقال لهذا المفهوم المشائي للمنطق ( 39). و انعكس التوجهان نفسهما حول المنطق في الحضارة الاسلامية، مثلا الخوارزمي في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري بعد ان يعرّف الفلسفة بانه ( معرفة حقيقة الاشياء و العمل الاكثر نشاطا) يقول ( و يصبح قسم ( اي الفلسفة): قسم نظري و قسم عملي, و هناك من قسّم المنطق الى ثلاثة اقسام عدا الاثنين ذلك، وهناك من جعله قسما من المعرفة النظرية، و يوجد كذلك من جعله اداة للفلسفة، وهناك من جعله جزءا و اداة لها ( 40). سمى ارسطو المنطق ب( ارغانون)، والذي يعني الاداة، اي اداة العلم، اما كتاب اساغوجي، اما تحليل و تفسير ( فريوس ) الذي عاش في القرن الرابع الميلادي و الذي في باطنه عبارة عن تحليل و تفسير و مقدمة لكتاب ارسطو، و لكن في البيئة العربية الاسلامية، و نُسب هذا خطئا الى ارسطو و يعرف على انه له. في الحقيقة لم يكن مجيء المنطق الى البيئة العربية عن طريق الكتب الخاصة بالمنطق نفسه و انما كان عن طريق جميع النتاجات العلمية و الفلسفية اليونانية التي انعكست و بالاخص الكتب الطبية، لانه في ذلك العصر نُظر الى الطب و المنطق كعلم مستقل واحد، و حتى مدرسة جنديسابور التي جاء منها اول طبيب و و مترجم الى بغداد بدعوة الخليفة الثاني للعباسيين بنفسه، و كما ترجم الكتب الطبية بطلب من السلطات، فبالشكل ذاته يمكن ان نقول انه ترجم المباديء الفكرية اليونانية. و حتى نيقولا ريشر يعتقد ان اردنا ان نختزل جميع تاريخ المنطق الاسلامي في جملة، يمكننا ان نقول ( ان المنطق العربي ابتدا بالكتابة الطبية، و انتهى بارتباطه بعلم الكلام ) (41). لذا ان الاطباء القدماء كانوا منطقيين، كما كان الكندي و الحنين والفارابي و ابن سيناء و فخري الرازي .
بهذا الشكل، ان المنطق اليوناني اختلط بالعلم الدنيوي و الديني عند المسلمين باكثر من طريق، لذا ان كان الغزالي في الشرق الاسلامي هو المدافع الاول لخلط المنطق بالشريعة، فكان في اخر الغرب الاسلامي هناك شخص فهو ابن الحزم يمثل ذلك الاتجاه بشكل اخر اشد و اوضح. اعتقد ابن الحزم الاندلسي ان المنطق افضل اداة لخدمة المباديء الدينية و الشريعة، ان من يعلم ذلك العلم، يخلط لديه صحة مقولات الله و النبي و ما يبقى لديه هو اتباع الاخرين و لا شيء اخر، و كما يقول في مقدمة كتابه الخاص في الدفاع عن المنطق (42). لذا انه لم يخص كتابه هذا للتوضيح و الدفاع عن المنطق اليوناني و ربطه بالشرعية فقط و انما هو محاولة ( ان لم نقل اول و محاولة وحيدة) من اجل كسب جماهيرية المنطق و طرحه بشكل بسيط و بلغة عامية، وكما يظهر من عنوان الكتاب ( تقريب تعريف المنطق و منفذ له باللغة العامية و المثال الفقهي ).
جاء دعم ابن الحزم للمنطق في الشريعة من الاعتقاد انه كان مؤيدا لشريعة ان تكون حاسما و لا يمكن ان تكون فيها خلافات، لانه كان شخصية فقهية متشددة تابعة للمدرسة الظاهرية الاسلامية. في مقابل ذلك الاتجاه العقلاني حاول ان يبرهن نوع من النشاط العقلاني بالمنطق، افتى العديد من الفقهاء و اهل الشرع ان هذا الانين العقلي اليوناني في الثقافة الاسلامية كفر و يجب ان لا تبقى، و ابرز الشخصيات التي ادعت ذلك هو (ابن الصلاح الشهرزوري) الشافعي و الاشعري من اهل الحديث الكوردي، الذي في فتوى له و بسبب وضوحه و شدته في اكثر الاحيان حسب كسبب اخر لقلع مباديء الفكر المنطقي و الفلسفي في التراث الاسلامي.