حوار لفائدة جريدة الأحداث المغربية

سعيد الكحل
2019 / 4 / 19

لدى البعض هواجس قيام دولة إسلامية لاسترجاع عز السلف، الشيء الذي أدى إلى طرح نماذج متطرفة عديدة. من اين انت هذه الهواجس وهذه الطالب بإنشاء الدولة الإسلامية؟
تعيش الشعوب الإسلامية عموما وتنظيمات الإسلام السياسي على فكرة "عودة الخلافة على منهاج النبوة" . وهذه الفكرة الطوباوية هي أقرب إلى الخرافة منها إلى الحقيقة . الدولة الإسلامية كدولة دينية أفرزتها مرحلة تاريخية عاشها المسلمون واستلهموا مقوماتها من أسس الدول التي كانت سائدة حينها وهي دول دينية وليست مدنية . فالدولة الإسلامية ككل الدول الدينية لا تستمد مشروعيتها من الشعب بل من الدين والعقيدة ، لهذا كانت دوما دولة استبداد ولم تكن دولة مؤسسات منتخبة . والجرائم التي ارتكبت في ظل الدولة الإسلامية وباسم الدين كانت موغلة في الهمجية والبشاعة . لكن هذه الحقيقة يخفيها الفقهاء والتنظيمات الإسلامية عن الشعوب . فعلا تملّكت فئات واسعة من الشعوب العربية وليس فقط المغاربة ، هواجس من سيطرة التنظيمات المتطرفة على السلطة أو إذا انهارت الدول القائمة . فالجرائم البشعة والمجازر الهمجية التي ترتكبها التنظيمات المتطرفة في حق شعوب ليبيا وسوريا واليمن زادت من مخاوف المواطنين في حالة وقوع ثورات أو سقوط الأنظمة . المغرب ليس استثناء ، وبه تنظيمات تحمل حلم إقامة الدولة الإسلامية وتسعى إليه ، وهي تنظيمات متماسكة داخليا وتتكاثر أعدادها . ولا يخفى على أحد أن الموقع الجغرافي للمغرب يجعل حدوده مفتوحة على البحر والصحراء ، وهي العناصر الطبيعية التي تغري التنظيمات المتطرفة لاستحالة ضبط ومراقبة الحدود في حالة اندلاع انتفاضة أو فورة شعبية ضد الفقر والتهميش والاستبداد . ففي حالة حدوث اضطرابات داخلية لا قدر الله سيخرج المتطرفون من جحورهم ويلتحق بهم المجرمون وضحايا الفقر والتهميش فيعيثون خرابا ودمارا وتقتيلا . لهذا على الدولة المغربية وجميع المسئولين أن يدركوا خطورة الأوضاع الاجتماعية التي يعيشها نصف المغاربة على الأقل على أمن الوطن واستقراره . وبينت الأحداث في الجزائر وتونس وغيرها من البلدان العربية أن الأنظمة السياسية لا تستفيد من أخطاء بعضها ولا تصغي لنبض الشعوب ومطالبها . إذ لا يمكن التنبؤ بما سيقع وكل الانتفاضات التي وقعت لم يكن وقوعها منتظرا ولا حتى محتملا .وانتفاضة الشعب الجزائري خير مثال .

تعيش الأمة الإسلامية انقسامات ومشاكل اقتصادية واجتماعية وكذلك ثقافية، ما هو في رايك شكل الدولة التي يمكن اعتمادها للنهوض بأمر شعوب هذه الأمة؟
إن شكل الدولة الوحيد الذي تكون له القدرة على تعبئة طاقات الشوب الإسلامية لمواجهة مشاكل الفقر والبطالة والطائفية هو الدولة المدنية الديمقراطية . فكل التجارب العسكرية والعشائرية والدينية التي عرفتها وتعرفها الشعوب الإسلامية أثبتت فشلها في النهوض الاقتصادي والعلمي والثقافي . كل هذه الأنظمة لا تستمد شرعيتها من إرادة الشعوب وبالتالي تجرد الشعوب من سلطتها وسيادتها . هناك تجارب سياسية فتية تجري حاليا على أرض الواقع في رواندا مثلا وإثيوبيا تثبت أن الديمقراطية هي قاطرة التنمية . فهذه الدول الفتية تحقق أعلى معدلات النمو في العالم رغم الأزمة الاقتصادية التي تشكوا منها كل دول العالم . لهذا يبقى الرهان الوحيد لتجاوز المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والطائفية هو رهان الدولة الديمقراطية المدنية

كيف يمكن مواجهة التطرف في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعيشها الدول الإسلامية؟
بداية لا بد من التذكير بأن التطرف ثقافة رعتها الدول الإسلامية ونشرتها ودعمت تنظيماتها بكل مقومات الانتشار والتنظيم . فلا توجد دولة إسلامية إلا ومتواطئة مع التنظيمات المتطرفة وراعية لها . بل إن المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية في هذه الدول تخدم التطرف وتتبنى عقائده وتنشرها بين المواطنين . فلا يختلف الخطاب الديني الرسمي في هذه الدول عن خطاب التنظيمات المتطرفة . ولا يخفى على أحد كيف أن التنظيمات المتطرفة باتت تخترق المؤسسات الدينية الرسمية عموديا وأفقيا ، كما أن الأنظمة السياسية تزايد دينيا على التنظيمات المتطرفة فتفتي مؤسساتها الدينية بفتاوى لا تختلف ولا تقل خطورة وتشددا من فتاوى الدواعش ( فتوى المجلس العلمي الأعلى في المغرب بقتل المرتد ، فتاوى الأزهر في مصر تجاوزت فتاوى الدواعش في شرعنة الهمجية ) .
من هنا لا سبيل إلى مواجهة مخاطر التطرف والغلو والكراهية إلى بتجديد الخطاب الديني والقطع مع عقائد الغلو والتشدد وتجريم التكفير والتحريض على الكراهية . يضاف إلى هذا إرساء أسس الدولة المدنية التي لا دين لها ، بل تقف نفس المسافة من كل الأديان والعقائد ، واعتماد النظام الديمقراطي في انتخاب المؤسسات ومحاسبة أدائها والفصل بين السلط واستقلاليتها عن بعضها وسيادة القانون بما يضمن التوزيع العادل للثروة وتجريم نهب الثروات ومصادرة ما تراكم من النهب والتهريب والشطط في استعمال النفوذ والسلطة .