حلم دجاجة سعادة أبو عراق

رائد الحواري
2019 / 4 / 18

حلم دجاجة سعادة أبو عراق
بعد رواية "مذكرات دجاجة" لإسحاق موسى الحسيني يقدم لنا القاص "سعادة أبو عراق" قصة "حلم دجاجة" ولا أدعي أنها القصة الأولى التي تحدث عن الطيور/الحيوان، لكنها القصة المميزة، فقد استخدم القاص الدجاجة ـ اضعف وأجبن الطيور ـ ليعبر عن ضرورة الخروج عن (القطيع) وتجاوز العادي: "مدى من الدجاج المتراص ، يمتد بياضا تخالطه حمرة من الأعراف ، تتمايل بلا انتظام ، كسنابل أتعبتها النسائم ، تتصاعد منها نقنقة غير متناغمة ، كمستنقع من ضجيج ، وزحام يحد من الحركة النشطة" فهذا الوصف يمكن أن نسقطه على العديد من المجتمعات العربية، وهنا يكمن ابداع القاص، ليس في تقديم الفكرة فحسب، بل من خلال اللغة الأدبية الجميلة التي استخدمها، وهي من تجعلنا نتجاوز عن الألم الكامن في فكرة الانسياق وراء المجموع المزعجة لنا، وإذا ما أضفنا إلى ما سبق أن القصة تتحدث عن الحيوان/الطيور والتي دائما ما تجذب المتلقي إليها، لارتباطها بالمورث الثقافي العربي "كليلة ودمنة"، نكون أمام عناصر جمال وجذب عديدة.
القصة تتحدث عن دجاجة تفكر بضرورة تجاوز والتمرد على المألوف/العادي: "فما الذي جعلها ضمن هذا الجمع الهائل من الدجاج ؟" فالدجاجة تفكر بعقلية الإنسان وليس بعقلية الدجاج، وهذا ما يجعلها تتجاوز كونها دجاجة، والملفت للنظر أنها تستخدم صيغة السؤال، التي دائما تستوقف المتلقي، والسؤال السابق فتح أمامها مجموعة أسئلة أخرى: "فلماذا هذه اللامبالاة ؟ ولماذا الاهتمام بالأكل فقط ؟ ولماذا هذا التأدب على الموائد ؟" فهذه الأسئلة بالتأكيد تشير إلى واقع المواطن في المنطقة العربية، كما تشير إلى الواقع الدجاج، فالحالتين واحدة ومتماثلة، ولا اختلاف أو تمايز بينهما، كلاهما خاضع وطائع ومسلم بما هو كائن، وهنا تأتي فكرة إثارة المتلقي، فهو يرفض أن يكون واقعه قواقع الدجاج، لهذا لا بد أن يجيب على الأسئلة الدجاجة، وهنا تكمن أهمية شكل تقديم الفكرة، فالقاص يحرر المتلقي من طريقة تقديم المباشر للفكرة، وهذا يعتبر اختراق للمألوف/للعادي، فقد تعود وألف المواطن على سماع الخطب/المحاضرات/البيانات التي تمثل حشو مباشر وصريح، فالدجاجة بهذه الأسئلة تتجاوز المواطن في المنطقة العربية، فكيف له أن يرضى بهذا الأمر؟.
من هنا تبدأ الدجاجة بالبحث عن طريقة تخرجها من المجموع الخامل: "تساورها رغبة في الطيران ، أن ترتفع وتحلق" الجميل في (رمزية) الدجاجة أنها تفكر بطريقة تتلاءم تماما مع أي واقع خانع/مستسلم/راكد، وهنا يكمن ابداع القاص، استخدم (رمز) يتلاءم ويتماثل ويتوازى مع واقع المتلقي، فهو لا يقدم أفكار مباشرة، بل يتحدث عن "دجاجة" مجرد دجاجة، وعلى القارئ أن يفكر بالطريقة التي يريدها، يمكنه أن يقارن ما جاء في القصة مع واقعه، مع نفسه، ويمكنه ان يأخذها كقصة جميلة مجردة، فالمتعة والتشويق والفكرة حاضر فيها.
علميا من الصعب على الدجاج أن يطير، وفي القصة جاء ليؤكد هذا الأمر "تتشبث أكثر بظهر جارتها المنهمكة بالأكل, وتعيد الكرة بشكل أفضل ، تعتليها وتوازن نفسها على الظهر المترجرج، تصيح فرحة بالانتصار ، بهذا الأفق الرحب الذي لم تشهده من قبل ، لكنها تسقط ، وتعيد التجربة ثانية" فترة التحليق وجيزة، لكن ما فيها من متعة ونشوة كافية لإعادة العمل والتفكير التجربة مرة ومرات، وهنا يقدم لنا القاص فكرة ـ غير مباشر ـ بالنشوة التي تصيب كل متمرد، فهو من خلال حديثه عن الدجاجة والفرحة التي أصابتها، يدعونا لنماثلها بفعل التحليق، الطيران، رؤية الأفق، وكلها حاجات وأفعال وأشياء ضرورية لنا، وهي من يجلنا نشعر بأننا نحى حياة إنسانية وليس حياة القطيع.
في المزرعة الدجاج وفي الدول العربية كل من يحاول ان يتجاوز/يتمرد على العادي يعاقب، وقد تم معاقبة الدجاجة على تمردها بهذا الشكل: "فبدت لصاحب المزرعة تصرفات ذكورية ممنوعة ، فتمتد لها اليد العملاقة ، تمسك بها ، تستغيث قليلا أو تحتج ، تشعر بوخزة في فخذها ، تلهيها عن المنظر الذي تفاجأت به من عل ، شيء ما يسري في جسمها وهي تُسقط على الأرض" يستمر القاص في الابتعاد عن الطرح المباشر، فهو يتحدث عن دجاجة، وليس عن واقع بشيري، لكنه واقع متماثل مع واقعنا، وهذا ما يجعلنا نتشوق أكثر لمعرفة المزيد عن حيثيات التمرد وتلك الدجاجة المتمردة: "لا يمنعها الخدر العام الذي تغرق فيه من استذكار ذاك الأفق من الرؤوس البيضاء المحمرة ، وتلك الإطلالة البديعة التي استشرفتها" عناصر التشويق متكاملة ومتقنة، فنحن أمام قصة محكمة الحبكة، ولا يمكن للقارئ إلا أن يتماهى معها حتى النهاية، بعد معاقبتها بالتخدير تحلم في بالطيران من جديد ، "ترى من جديد ذاك المنظر الرائع ، فأين كان مخبأً هذا العالم المتسع ؟ تطل بلهفٍ من بين الفجوات ، ويغمرها حبور عام إذ استقر بها المكوث على مرتفع أعلى ، يأسرها فيض الدهشة ، إذ تشعر أنها تتحرك ، تمر الأشياء من أمامها بلا جهد، تنظر للأسفل فتدرك كم تطير بلا عناء" دعوة من الدجاجة لنرى العالم من أعلى وليس من أسفل، وهنا تكمن فكرة السمو والعلو، الدجاجة بعد أن فقدت القدرة على الحركة، بقيت تفكر/تحلم بالأفق الذي شاهدته أول مرة، وأصبح هاجسها هو الأعلى وليس الأسفل.
تحاول مرة أخرى الطيران، تفشل، لكن تصرفها يثير بقية الدجاجات، "كما فعلت تلك الدجاجة الملونة التي كان سقوطها ابعد ، تركض برشاقة وخفة ، سريعة ومراوغة ، يغريها الاقتداء بها" فقد أصبح الطيران هاجس الدجاج، ورغم معرفتها بأن عقابها سيكون قاسيا، إلا أن فكرة الطيران/التمرد كان أقوى من اليد الغليظة: "تطبق عليها اليد الضخمة ، فتنكمش بلا حراك ولا صوت، بينما ترى الدجاجة الملونة في اليد الأخرى تعلن احتجاجها بصوت مرتفع ، تنتفض في كل اتجاه ، فتفلت وتمضي سريعا كأنها تطير" نهاية سعيدة، كما هو حال الحكاية الشعبية، لكنها أيضا نهاية مفتوحة، فالتمرد حدث، لكن نتيجته غير معروفة، وهنا يضيف القاص "سعادة ابو عراق" جمالية أخرى في قصة "حلم دجاجة" تتمثل بفتح آفاق/فضاء أمام القارئ، ليحلق فيه كما حلقت الدجاجة.
القصة من مجموعته الفصصية ( طريد الظل) ومنشورة على صفحة القاص على الفيس.