افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها (116)

عماد علي
2019 / 4 / 17

حاول الاشعري ان يتوسط على عدة مستويات بين المعتزلة و الحنبلية، وفق رأي كوربان، يمكن ان يختزل في ثلاثة محاور رئيسية ( صفات الله، مخلوقيةالقرآن، مسالة القضاء والقدر).. قال حول الصفات؛ لله سبع صفات وهو في هذا مشارك مع الحنبليين، و لكن قال ان الصفات الاخرى كاليد والرجل والاصبع و الاستواء هي مجازية، وهذا ايضا شراكة مع المعتزلة. اما حول مخلوقية القرآن، ان الاشعري فصل بين كلام الله و قدرة الكلام، اماالمعتزلة قالوا ان الله لا يتكلم و انما يخلقه، لذا فان القرآن مخلوق،اما الحنبلية قالوا ان الله يتكلم لذا فان القرآن غير مخلوق و انما صفة الله.اما الاشعري فقال ان الله يقدر على الكلام و لكن ليس باحرف و الكلمة، وانما بشكل النفس اي (الحديث النفسي) و هو مختلف عن (الحديث اللفظي). لذا فانه قال ان القرآن قديم و كان يقصد به ان قدرة التكلم عند الله بشكل نفسي، قديم و قبل ان يكو بكلمة و احرف، و يصبح قرآنا في ذلك الوقت.، يُكتب او يُقال، وفي هذه الحالة فانه مخلوق او مصنوع، عندما يبرز سؤال، كيف يمكن ان يكون القرآن مخلوقا وغير مخلوقا؟ ان جواب الاشعري هو؛ يجب ان تؤمن به من دون كيف( 14). النقطة الثالثة عبارة عن مسالة القدر، المعتزلة لم يقولوا لا وجود للقضاء والقدر فقط و ان الانسان حر فقط، وانما قالوا هوخالق افعاله، وبعكسه ان الجبريين قالوا ان الانسان ليس له قدر و ان ما موجود هو قدر الله. جاء الاشعري و اقترح نظرية الكسب، التي هي عبارة عن؛ انه من الصحيح انه لايمكن ان لا يكون للانسان اية سلطة و من ثم يعاقب و يُثاب على افعاله( كما قال الجبريين)، و لا يمكن ان يكون الانسان خالق لافعاله( كما يقول المعتزلة)، و افضل جواب هو ان الانسان لم يخلق افعاله، و انه له قدرة كسب افعاله، وبهذاالشكل ان الخالق هوالله فقط، و لكن الانسان له قدرة لاختيارالخير و الشر، و بهذا خلط بين اختيار المعتزلة و الجبرية و الاخرين ( 15).
ان هذه الطبيعة المخلوطة للاشعري ما حدا ان يكون هذا المذهب في قمة العقلانية الاسلامية عند البعض، و يكون نسخة اخرى لمذهب اهل الحديث عند البعض الاخر، بين اولاءك الذين نظروا اليه من الزاوية العقلانية الكلامية الاسلامية، مع اولاءك الذين استلموه من بعد الالتزام بمعنى النص. لذا ان بعض من السلفيين القدماء عرفوا الاشعري بامام اهل السنة و امام جماعات البدعة الكلامية و الاكثرية عرفوه امتدادا للتيار العقلاني الاسلامي، انقسم مؤيدوه بشكل عام بين المناوئين العنيدين للعقلانية ( الاكثرية) مع قسم من هؤلاء الذين كانوا على المستوى الظاهري كلاميين ( الاقلية).
الغزالي في قمة الوقوف في وجه الفلسفة و الخلاف الباطني الاشعري
بعد الاشعري استمر هجوم ذلك المذهب مرحلة وراء مرحلة، الى ان وصل الى ان يسيطر هذا الخطاب بشكل نهائي على الساحة الفكرية للدول السنية في عصر الوزير السلجوقي و فتح جامعة النظامية و مجيء الغزالي لادارة هذه الجامعة، و ان اعتبر الغزالي بعكس العلماء الاخرين هو عدو الفلسفة وكفّر الفلاسفة، في الوقت ان العلماء الاشعريين المعروفين الاخرين من قبل في القرن الرابع والخامس كالشهرستاني و الباقلاني و عبدالقادر البغدادي و الاسفراييني معروفين بعدو المعتزلة واهل الكلام و كتبوا كتب و مقالات في ذلك المجال، و لكن قوة شخصية و موقع الغزالي هو السبب المهم الاكبر في انتشار هذا المذهب، عدا نهاية الموقع الاداري و السياسي له في نهاية السلطة العباسية.
بمجيء ابن تيمية و تلميذه ابن القيم الحنبلي في القرن الثامن، اصيب بالمشاكل و التراجع، و لكن بعد السيطرة النهائية للاتراك على سلطة الخلافة ، اصبحت الاشعرية المذهب الرسمي للخلافة الاسلامية السنية, و لهذا السبب فان توجهات الغزالي على تكفير الفلاسفة و تحريمه كان له تاثير كبير على المجتمع و السلطة العثمانية، في اطار المدرسة النظامية لحكم الخلافة العثمانية التي هي امتداد للمدرسة نفسها في عصر الخلافة العباسية، قُرا فيها كتاب ( تهافت الفلاسفة )كاحد المصادر المهمة( 16).
الخلافات الداخلية في المذهب الاشعري ان لم تكن عرقلة امام نجاح هذا التيار في مقاومة التيار العقلاني الاسلامي، وانما كانت دائما محل ظهور تلك الخلافات الداخلية على المستوى الفكري، مما مكن تيار اهل الحديث النقلاني ان يهاجموه بسهولة، ان قمة بيان هذه الحقيقة لدى الغزالي و الذي كان في جهة منه فقيه، من جهة اخرى فهو متصوف بجانب كالاشعري متشدد و ضد الفلسفة و من جانب اخر ضد اهل الفلسفة، لذا ان احد اشهر ما يقال من كلام عن الغزالي هو( انه معروف كفيلسوف لدى اهل الشريعة و كفقيه متشدد لدى اهل الفلسفة). اول شخص ادرك تلك الخلافات الداخلية للغزالي، وهو عبارة عن الخلافات الداخلية للشرعية نفسها هو الفيلسوف ابن الرشد.
ابن الرشد في مقدمة احد تلك الكتب النقيدة الخاص بالتوثيق و اثبات انه ليست هناك اي خلافات بين الاشعرية و الفلسفة، يقول حول الغزالي( في كتبه لم يستقر على اي مذهب ، انه اشعري مع الاشعرية و صوفي مع المتصوفة، وفيلسوف مع الفلاسفة ( 17), في العصر الحديث، فان هنري كوربان حول الوضع الفكري الذي وقع فيه الغزالي، انه يعتقد ( حاول الغزالي بكل قدرته ان يثبت للفلاسفة ان البرهان الفلسفي لا يثبت شيء، و انما لسوء الحظ اضطر ان يثبت ذلك بدلائل فلسفية) ( 18).
من المحتمل ان ابو بكر ابن العربي، هو اهل الشرع المالكي و كان الاشعري اول شخص اشار الى ذلك و هو من سوء الحظ للغزالي في الثقافة الاسلامية، والذي هو سوء الحظ للاشعرية نفسها، ان هذه الشخصية من اهل الشرع المالكي و كما يروي عنه الذهبي وه قائل ( شيخنا ابو حامد الغزالي ابتلع الفلاسفة الاخرين، ومن ثم اراد ان يرجعهم، ولكنه لم يقدر (19). و بالشكل ذاته ان الغزالي بنفسه و المعروف كمناويء عنيد لاخوان الصفاء و الاسماعيليين و التاويل الفلسفي لابن سيناء للقران و الشكل الباطني لتاويل الآيات، انه بنفسه في كتبه المنوعة و بشكل خاص ( مشكات الانوار) و بالشكل الباطني ذاته فسر العديد من النصوص القرآنية، و الذي لا يختلف عن الاسماعيليين، عدا الميل و المقصد السياسي للاسماعيليين. و لهذا السبب يسمي شميل كتابة هذا الكتاب بمسالة عجيبة ( 20)، لان في محتواه قريب من المباديء الغنوصية، وهو مخالف مع المباديء الفقهية للغزالي، لم يكن يؤمن بها فقط و انما دافع عنها بشدة و كفر الناس عنها. وبالشكل ذاته احد اكبر الباحثين للتصوف و الفلسفة الاسلامية و بعد ان يجري قراءة بشكل مطول لكتاب مشكات الانوار للغزالي من منظور النظرية الاشراقية، يقول ( ان مشكات الانوارو بالشكل الذي عرضناه انه مصدر مهم للمذهب الاشراقي )( 21). فبالشكل ذاته انه في كتابه الاكثر شهرة حول اعطاء المعنى و تفسير الآيات القرآنية، يطرح ميله الباطني بشكل واضح و هذا مخالف كثيرا مع نهج الفقيه و اهل الشرع و اهل الحديث السائد، وحتى يعتبر انه شكل عجيب و مخالف لقسم من هذه الخصوصيات الفكرية التي يعرف بها نفسه، والتي عبارة عن الوقوف القوي في وجه الخطاب الباطني.