افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها (115)

عماد علي
2019 / 4 / 17

في هذا المجال فان الفيلسوف و المتصوف المعتزلي الكبير(ابن المسرة)في القرن الرابع الهجري نموذج الاكثر عظمة لخلط العقلانية الاعتزالية بالزهد و العبادة العرفانية، و الشخصية ذاتها كما ترك التاثير الكبير على المدرسة العقلانية و تنمية ذلك التيار و بالاخص في المغرب الاسلامي في اندلس، فبالشكل ذاته انه المؤسس الرئيسي لتيار التصوف الفلسفي و التي رسخ الارضية لظهور الشخصية العرفانية الكبيرة وهو ابن العربي في القرن السابع، بدون شك كان موقفهم في مجال العبادة مختلفا عن الاخرين، و خاصة التيار التصوف الباطني الاسلامي باتجاهيه الاسماعيلي و السني التقليدي، و لكن الاختلاف لا يساوي الخلو من الروحانية. لذا لا يستبعد ان يكون توجه كوربان هذا تحت تاثير و اعجاب لهذا الكاتب الكبير للمدرسة الروحانية الاسلامية في تركيبتي الشيعة و التصوف اللتين تُعرف بهما، و انه عدا من كونه يؤمن بالفكر المعتزلي للعبادة الذي له علاقة عميقة مع شكل من التدين بعد العثور على الخير و تحقيقه على المستوى العملي في الدنيتين. في المستوى الميتافيزيقي كان صاحب نظرة روحانية دينية عميقة و للاسف لا يمكن التحدث اكثر هنا دون ان نبتعد عن اصل مقصدنا، و هو السبب الحقيقي لانفصال الاشعري عن هذا التيار.
من هنا نقول ان الحقيقة هي الاصرار على السبب الثاني الذي يتكلم عنه كوربان، اي محاولة صنع التوازن الذي هو نوع من المصالحة الاجتماعية في المجتمع الاسلامي، اما من الجانب التاريخي، فان هذه المحاولة و التوجه تعودان الى عصور ماقبل الاشعري و بالاخص لدى( ابن كلاب توفي 241 الهجري) و هو شخصية بارزة من البصرة و احد المتكلمين، و هو ايضا حاول قبل عشرين سنة من ولادة الاشعري جديا صنع التوازن بين الاتجاه العقلاني للمعتزلة والاتجاه العقلاني الاخر و هاجم بقوة خلال عدة كتب على المعتزلة، و حتى قبل ان يظهر ابن حنبل بشكل كامل، و حتى يروون عنه العديد من القصص المختلفة و النوع في مقاومة المعتزلة، في احدى قصصه و هو يظهر كبطل من اهل الحديث في عصر المامون في مسالة مخلوقية القرآن و توجهه المماثل للاشعري في المراحل اللاحقة، ولكن بسبب التشكك من هذه القصة و الخوف من الاطالة نبتعد عن تلك القوى الفكرية للاشعري، عدا ما يمكن ان نقول بسبب وجود الكلاب هذا و( منصور الماتوردي توفي 333 الهجري) ان محاولة العثور على الطريق الثالث للابتعاد عن ضغوطات الحنبليين تعود الى زمن ماقبل الاشعري في تيار المعتزلة و اهل الكلام نفسه.
بشكل عام، ان الخصوصية الاولى لمذهب الاشعري كما قلنا هومحاولة لصنع نوع من التركيبات بين التيارات المختلفة في ذلك العصر، بهذا الشكل فان المذهب الاشعري من الجانب الفكري هو خلط فكري من جميع المذاهب و محاولة لترضية الجميع، و لكن بالاستناد على النهج الحنبلي و عكس المعطيات العقائدية لمباديء اهل الحديث، وخاصة الاتجاهين العقلي و النقلي حول تفسير و فهم المباديء الاسلامية الاشعرية، هو مذهب التلائم( 11) فبهذا الشكل، فان الاشعري لم يكن مبدعا في تفاصيل مذهبه و لم يفعل شيئا عدا جمع تلك التوجهات التي كانت موجودة سابقا و لائمهم و هذا ايضا لم يكن بعيدا عن الخلافات ( 12).

تقريبا في قرن مابعد كتاب الاهوازي، يكشف لنا بشكل اوضح تلك الحقيقة من قبل احدى الشخصيات المهمة المؤيدة للاشعري، اي حقيقة ان الاشعرية من الجانب الفكري مملوئة بالخلافات و المفارقات المذهبية و الاتجاهات الفكرية الاسلامية المختلفة. فمن جهة كانت لها رجل في العقلانية لاهل الكلام و من جهة اخرى اثبتت رجلها الثاني في فضاء فكر اهل الحديث، نصفه عقلاني و نصفه الاخر نقلاني، مؤيد عنيد لاهل الحديث و المعنى الظاهري للنص وفي الوقت نفسه اراد ان يعطي وجه عقلاني و تحليل معقول لتلك النصوص و معانيها، وخاصة التي لها العلاقة مع الله و صفاته. في هذا الاطار فان (ابن عساكر ) جاء تقريبا بقرن بعد الاهوازي، في كتابه الخاص للدفاع عن الاشعري و الرد القوي للاهوازي، يبرز لنا الجانب التوفيقي و محاولة التوازن في هذا المذهب، انه عندما يتحدث عن المباديء العبادة الاشعرية بين التيار و الجماعات العقلانية و النقلانية، يبرهن على تلك الحقيقة عندما يعيد العبارة تلك ( انه اختار طريقا بينهما) ، مثلا يقول بسبب المعتزلة و الجهمي و الشيعة شبهوا صفات اههي بالانسان و قالوا ان اهدا له علم كعلم الانسان و هكذا بالنسبة الى النظر و السمع و الصفات الاخرى، لذا فانه ( اختار طريقا بينهما)، وهو يقول ان لله النظر و السمع و والتسمع، ولكن لا يشبه ما لدى الانسان، بالشكل ذاته قال الجهميون ليس للانسان قدرة على اي فعل، و قال المعتزلة ان للانسان القدرة على كل شيء، لذا ( اختار الطريق الثالث) و قال ان الانسان غير قادر على فعل و لكن يقدر على كسبه، اي انه برهن على القدرة على صنع الرفض و على قدرة الكسب، و كذلك قال الحشويون كما هي كافة المرئيين، ان الله يُرى في مكان، اما المعتزلة والجهمي و النجاريين ايضا قالوا لا يُرى باي شكل كان، لذا ( اختار الطريق الثالث) و قال انه يُرى دون حدود و تشبيه و كما يرانا هو ( 13).
بهذا الشكل فان ابن عساكر و على مساحة ثلاث صفحات يستمر في بيان تلك الوسطية التي اراد الاشعري ان يفعلها فيما بين اولاءك الذين ارادوا معرفة الله عن طريق العقل و من ثم تاويل نصوص القران و الحديث به، مع اولاءك المؤيدين العنيدين لتعطيل العقل و التسليم المباشر لمايقوله النص المقدس بجميع خلافاتهاو عدم تلائمها مع العقل و مع البعض، اي تلك الآيات التي قيل عنها المتشابهة.