افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها ( 114)

عماد علي
2019 / 4 / 17

ان هذا الموقف ليس بمجاملة فكرية و انما وفق توسع الضغوطات الاجتماعية و السياسية للحنبليين، فانها مجاملة اجتماعية. ان قرانا موقف الاشعري ذلك، اننا يمكن ان نقول انه محاولة للتلائم مع راي الشارع و نوع من الشعبوية على حساب الفكر، و و ان اعتقدت الاشعرية قديما مع الكثير من الباحثين العصريين ايضا انه اجريت تغييرات في كتاب الاشعري في المراحل اللاحقة، و لكن هذا لا يقلل من الحقيقة التي تبين على انه و ان لم يكن الاشعري تابعا للحنبلي من حيث العقيدة وكما يتوضح في هذا الكتاب ( الابانة) و انما اراد على الاقل ان يعرّف نفسه كأهل الحديث و يطرح مبادئه كعقيدة اسلامية سابقة له كالصحابة. لذا في الوقت عندما كتب ( ابي حسن الاهوازي، توفي 446 الهجري) وهو من اهل الحديث بعد مئة عام كتابا خاصا بعنوان ( مثالب ابي بشير) و في محتواه عبارة عن انتقاد و هجوم شديد على الاشعري و توجهاته، ، فبالشكل ذاته يعيد كثيرا من ان الاشعري كتب عددا من الكتب و الرسائل لاقناع الحنبليين، و هذا له علاقة و كما يقول كان خائفا منهم. و حتى منذ البداية، يقول انه و بسبب انتشار مباديء الاشعرية فانه ادعى كذبا بانه يدعم الحديث. و لكن برأي الاهوازي انه كان مدافعا للبدعة و احاديث المعتزلة و نشره بين الناس. و في هذا الاطار ايضا انه يعيد عن عبدالله ابن احمد ابن الحنبل انه قال ان الحنبليين لم يقبلو كتاب ( الابانة) و رفضوه ( 8). اي يمكننا القول ان ما فعله الاشعري في مقدمة ذلك الكتاب من مدح الحنبلي و بيّن نفسه على انه احد التابعين له، يمكن انه اُضيفَ اليه بعد الهجوم ليُرضي الحنبليين و يخفف من قلقهم، او اُضيفَ اليه من قبل جزء من مؤيديه في عصور لاحقة و ان لم تكن لدينا دلائل على اثبات ذلك الراي، ولكن من الواضح انه اراد ان يبني جسرا متوازنا بين العقلانية المتطرفة و المعتزلة التي انحدرت مواقعهم و سلطتهم الاجتماعية نحو الضعف والهاوية مقارنة بسلطة الحنبلية و ايديولوجيتهم التي ارتفع شانهم و علت سلطتهم و قدرتهم الاجتماعية و الايديولوجية. ان ما يجعل ان يُقوى الشك على انه في بداية القرن التاسع الهجري، عندما تاتي الشخصية الحنبلية و تكتب كتابا دفاعا عن الاهوازي و كتابه، في المقابل ابن عساكر يرد عن تلك الشخصية الحنبلية حول كتاب ( الابانة) للاشعري، يقول ؛ ان الكثير من العلماء يقولون ان الاشعري كتب كتاب الابانة كي يتحايل على الناس( 9) و يعرض نفسه كمؤيد للحنبلي، لان هذا الكاتب الحنبلي المتشدد يدعي ان الاشعري كان يعلم علم الكلام فقط و لا شيء اخر، انه يعيد هذا اللكام كثيرا، و انه يضع جميع مافي نتاجه هذا لرفض دفاع ابن عساكر عن الاشعري، و يدافع عن الاهوازي و يقول؛ كان الاهوازي عالما و من اهل الحديث وكان ابن عساكر جاهلا مذهبيا اشعريا متشددا، في الوقت ان اساس كتاب اهوازي هو مبني على ان الاشعري لم يكن عالما فقط و انما كان زنديقا و ملحدا، و في البداية يقول الاهوازي انه انشق عن المعتزلة اثنان فقط، اولهم الراوندي و الثاني هو الاشعري، وهما ملحدان لديه، و هذا عدا ما يقول ان الاشعري في اصله لم يعد الى ابو الحسن الاشعري الصاحابي، وانما هو من احفاد شخص يهودي، و عليه عنون كتابه ( سيئات ابو بشير) و ما يقصده هو سيئات ابو الحسن الاشعري.
في اطار اسباب ابتعاد الاشعري من المعتزلة، يحدد هنري كوربان سببين وراء هذا الموقف المتشدد، احدهما له علاقة بنفسه و الاخر بالسبب الخارجي, في المستوى الداخلي هو عبارة عن ان الاشعري واجه لدى المعتزلة المناقشات و الحوارات العقلانية بعيدا عن الروحانية و الرؤية الميتافيزيقية التي يمكن ان تقنعه و هذا له علاقة بطبيعة علم الكلام عند هذه الجماعة و التي اختصرت الى عدد من القواعد و القوانين الجافة و خالية من الروح، والثاني عبارة عن محاولته العثور على الطريق الثالث لانقاذ الدين بين الخطاب العقلاني المتشدد للمعتزلة و الخطاب المتشدد للنقلانية الحنبلية ( 10). و لكن في الحقيقة، ان تصوّر الخطاب المعتزلي كخطاب رياضي و عبادة، و كان العبادة( انها فكر مجرد) تغيرت الى نقاش و تحليل، بعد ان فصلوا الله عن كل صفاته كما يقول، و بشكل ليس له اية علاقة بالحياة و الناس، وهذا توجه لم تدعمه الطبيعة الروحانية الفكرية للمعتزلة الى حد كبير، لانه على الرغم من ان التحيليل و التفسير المعتزلي في مجال اللاهوت اصبح فيما بعد مادة مهمة لتنمية الفكر العرفاني بشكل عام، وبالشكل ذاته لم تكن المعتزلة تيارا عقلانيا فقط، و انما كانوا اصحاب تركيبة من الصدق و عبادة الله التي فرقتهم عن اي اتجاه اخر، كما قال الكندي انهم كانوا ينشغلون في التجارة و العمل السياسي باسم الدين، وحتى رفضوا القضاء والقدر و فكرة ان الشخص المجرم يدخل الجنة بسبب اسلامه و لا عقوبة عليه، فلم يكن هذا موقفا اخلاقيا فقط و انما في وجه اخر انه في ذاته بيان نوع من الروحانية و التزام بالخير و الابتعاد عن الجرائم.
بهذا المعنى، عندما قال المعتزلة ان الانسان حر في اختياره و من ثم انه مسؤل امامه، و انه اجبر الناس بشكل مباشر بالالتزام بالخير و التوجه لعبادة الله، لذا فان الله عندهم هو الخير المطلق و لم يخرج منه غير الخير و لا يليق به غير ذلك، وهذا ما يجعل كل خير له علاقة مباشرة مع الله و كل شر بعكسه نتاج يد الانسان بنفسه فقط،، كما قالت التيارات الاخرى ان ما يصيب الانسان شي مكتوب في قدره، انهم كانوا هؤلاء الذين ينظرون الى الاجرام بعين الحلال، و من جانب عبادة الله انهم هم الذين قالوا ان مصدر الشر هو الله و لا وجود لشيء في سلطة الانسان، وبالشكل ذاته، رد المعنى الظاهري لصفات الله، ك( اليد و الرجل و العين، الكلام و اعتلاء العرش و الاخرى الكثيرة) التي جاءت في القرآن، انه جاء من البُعد الميتافيزيقي الروحاني الذي يدعي ان لا يُشبع احدا و لا شكل له. انه الحفاظ على وعي المسلمين كي تُصنع صورة حول الله لديهم، و التي يمكن ان تقلل من قدسية الله.