طه حامد الشبيب في روايته الخامسة عشرة. العيش. (في اللااين) البديل عن الوطن

شكيب كاظم
2019 / 4 / 17

كانت البداية يوم قرأت مقتطفات منها, من الرواية, نشرته الصفحة الثقافية لجريدة (الدستور) العراقية, لأكون على بينة أن طه حامد الشبيب إنما يرود أمراً أمسى جزءا من الحياة العراقية الراهنة, ولاسيما بعد عام 2003, وطه المكتنز بالآراء والأفكار والخيال الجامح واللغة الراقية المعبرة إنما يرود في كل رواية من رواياته أفقاً جديداً, مستنداً على ما أكتنز به عقله, لذا فهو يرود قضية الهجرة, هجرة العراقيين حتى وإن كانت نحو اللا أين هرباً ونجاة بالذات والنفس, مما طرأ على الحياة فعند حافة الجرف توقف وطوّح بساعته بعيداً بعيداً نحو موجة مقبلة, وتبعها بهاتفه, ثم راح يخرج من كيس اسود معلق بذراعه كتبه الثلاثة, فيطوح بها الكتاب تلو الآخر نحو الموجة ذاتها, فما كان منا نحن الذين آثرنا المكوث معه إلا أن نطوح جميعاً, دون تردد بهواتفنا النقالة إلى موجة مقبلة (...) ولو كانت لدينا أية نسخة من كتبه الثلاثة لطوحنا بها هي الأخرى.
هكذا يبدأ الروائي المكتنز طه حامد الشبيب روايته التي تبوأت الرقم الخامس عشر.

الرحيل نحو اللا أين
إنها روايته الخامسة عشرة في ضمن مشروعه الروائي الذي يغدقه علينا مُنَجّماً سنوياً, إنها (في اللا أين) وسيعيد علينا, ما يقرب من هذا النص, توكيداً وتأكيدا منه فطه لا يكاد يغادر صغيرة ولا كبيرة من عمله الروائي إلا أحصاها ودقق فيها, إنه (أمجد) ذاته الشخصية المؤثرة في الرواية بعد ان قرر المكوث في الجزيرة الصغيرة التي سيطلق عليها اسم (المنقطعة) بعد المعرقلات التي اكتنفت رحلتهم نحو بلاد اللجوء, وقتل شرطة ذلك البلد الذي يرومون الهجرة إليه للمهاجرين المهرَبين وتهشيم رؤوسهم وهم لازالوا في جرف البحر, وإذ لا يمكنه العودة إلى البلد لسوء الأحوال فيه, وأن لا أمل في تعافيه وهذا ما يكرره (أمجد) وزميله الراوي المركزي (دانيال) الذي عن طريقه سيصل ألينا هذا النص الروائي الجميل فهو ما ان يجد فرصة سانحة, ولاسيما مع الشروق الأول للشمس, يقعد وظهره إلى حافة الكُهيُف الذي لاذوا به في تلك الجزيرة النائية (المنقطعة) ونُضد الأوراق في حضنه يدون الحوادث التي تمر بهم وهذا لون من ألوان السرد الروائي, كتب به الكاتبون اعني إبقاء سارد حي يدون أو ينقل , وهذا ما فعله هرمان ملفل في رائعته (موبي دك) فضلاً عن ماركيز في روايته (مئة عام من العزلة) إذ استند على ما عثر عليه في (رقاق ملكيادس) في حين استخدم المبدع محسن جاسم الموسوي في روايته (أوتار القصب) الأوراق التي كتبها الشيخ غالب وأودعها صندوقه العتيق وسيعثر عليها السيد رحيم في الحجرة ذاتها, بعد أن انتقل للسكن في المدينة, وقد استخدم الموسوي طريقة جديدة في نصه الروائي, إذ جعل الأوراق هذه يتعاور على قراءتها أكثر من قارئ, وكل يحاول تسجيل حواشيه وأفكاره على المتن, إضاءة للنص الروائي الجميل, في حين استوحى مبدعنا الكبير عبد الخالق الركابي نصه الروائي (الراووق) مما سجله (السيد نور) في مخطوطته.
ويعود بنا الروائي المغربي (بنسالم حميش) بعيداً لينقل لنا نصاً موغلاً في القدم مكتوباً على رقاع من الجلد , آل بعد زمان طويل إلى منصور الكرخي الذي يحاول ترميم الرقاع وإكتناه الحروف, وهذا الروائي الألباني (إسماعيل قدري) ينتهج النهج عينه في روايته (الجسر) فأسقط آراءه على الراهب (اوكشاما) وجعله السارد المركزي, مستخدماً الوثائق التي خلفها (أوكشاما) لكتابة روايته التأريخية الناكئة لجراحات تكفل الزمن بأندمالها.
رواية الحيز الضيق والنهايات المفتوحة
طه حامد الشبيب في روايته هذه (في اللا اين ) الزاخرة بفنون السرد الروائي فهي رواية الحيز الضيق, مثل روايات الشيخ والبحر لهمنكواي , وميرامار لنجيب محفوظ, وفندق البحيرة لانيتا بروكنز الحائزة على جائزة بوكر البريطانية عام 1984, فليس ثمة سوى الجزيرة التي سماها المهرَبون المهاجرون (المنقطعة) وهي حقاً كذلك. بعد أن أعيتهم السبل في الوصول إلى البلد الذي يرومون الهجرة إليه, فشرطة ذلك البلد تهشم رؤوس الهاربين بأخمامص البنادق وأعقابها, إذن تلبثوا في هذه الجزيرة التي أوصلهم إليها صاحب الزورق الذي ركبوه, (اوزيل آغا) حتى ينجلى الموقف, ويواصلون الرحلة, بعد ان قرر عدد منهم الرجوع إلى الوطن.
لكن هذا التلبث ماعتم ان أزهر وأينع عن فكرة البقاء فيها إلى اجل غير محدود, فالوطن ما عاد يستطاع العيش فيه, وبلد اللجوء لا يرغب في اللاجئين إليه, فمكثوا فيها في المنقطعة ثلاثة عشر شخصاً يقودهم (أمجد) ذو العقلية القائدة, الذي يظل طه يغدق عليه لازمته, وطه في كل رواية من روايته, يعيد علينا لازمة, أصبحت مميزة لسرده الروائي, يصفه بأنه ذو قامة ربعة جسيمة وذراعان عبلتان ضخمتان متجسدة للناظر على الرغم من أن بلوزته تغطيها بالكامل ورأس مكور كبير تتلامع فروته نصف الصلعاء, ووجهُ أحمر أحمر , يتوسطه شارب كث, أما الأكثر بروزاً من كل ملامحه في هذه اللحظات وما سبقها من دقائق هما عينا الصقر المجتمعتان المجنحتان منقذفتين من أعالي جبهته نحو منبت انفه ص172-ص174.
وسيظل طه يكرر هذه اللازمة, ما وجد إلى ذلك مناسبة وسبيلاً؟
قلت ان الرواية, ذات حيز ضيق, لذلك استخدم الروائي فيها طرق عدداً وهو يستثمر الحلم, حلم دانيال الذي سيختصره أمجد إلى داني تحبباً, الاسم يرمز إلى لون من ألوان الطيف العراقي المتآخي الجميل, وفي هذا الحلم يصب جام غضبه على الذين اخذوا هذا البلد إلى المجهول, فضلاً عن الأعمال التي كان يوزعها أو يوكلها (أمجد) إلى شخوص الرواية ولا ننسى تلك الأحاديث الفكرية التي كان يسبغها (امجد) لدى تحاوره مع (داني) ويحاول تقريبها إلى أذهان البقية, حيثما يستلزم الأمر ذلك إذن فالرواية إلى جانب كونها رواية حيز ضيق وتحتاج إلى مهارة سردية غير اعتيادية حبي بها طه, فهي كذلك رواية أفكار بامتياز, إذ تجد فيها العلوم العامة, وعلوم الطب وآراء في السياسة والتأريخ والاجتماع, كما أنها زاخرة بالمعلومات العامة وما بارح الذاكرة العراقية منذ عقود مثل حياكة البسط, أو طحن الحنطة بالمجرشة, فضلا عن معرفة أوقات النهار بعد ان طوحوا بساعاتهم وهواتفهم النقالة في البحر.
خيال خصب وذكي
دانيال المعلول الصحة, الذي يتولى كتابة الحوادث التي تمر بهم, كان يروم إشراك (سليمان) الذي صار اسمه (فجر) بعد ان تركوا أسماءهم القديمة في إشارة ذكية وموحية من الروائي, يبدء هؤلاء حياة جديدة كل الجدة, فهاهم يبدأون من الصفر- كما قال أمجد – وسيطول بهم المقام في هذه (المنقطعة) فلا بد من ايجاد منقذ ذكي كي يصل هذا الذي يدونه (داني ) إلى القراء, إذن فليقترح (داني) إشراك (فجر ) في الاطلاع على مدونته هذه تلافياً لما قد يحدث, ((ففضلا عما كان يقوم به (فجر) من أعمال مضافة إلى الأعمال الجماعية, رأيت من المناسب أن اجعله يتابع ما أدونه فجر كل يوم, فرحت اطلعه كل يومين أو ثلاثة على ما أدون, لم يكن من الصعب عليّ ان الحظ في هذا الشاب اتقاد ذهنه(....) خطر ببالي ان استعين بفجر (....) خلل أيام تردي صحتي (....) فوطأة مرضي كانت تزداد ثقلاً (...) فقلت لوطن [الذي كان اسمه (أمجد) قبل تركهم أسماءهم القديمة] إن هذا الشاب ربما كان قادراً على التدوين أيام قعودي عنه (....) ولا يسعني ان اخفي سراً (....) فأخشى ما أخشاه ان يخفق في مجاراة أسلوبي في التدوين, أنا الحريص كل الحرص على الخروج بمدونة تليق بتجربة الابتداء من الصفر في هذا اللااين)) ص189.
ولأن الرواية ذات حيز ضيق, فضلاً عن كونها رواية أفكار فإنها كذلك من الروايات ذوات النهايات المفتوحة, فلقد توفي (محب) الذي كان اسمه قبل ترك أسمائهم الأصلية (دانيال) وبالحري دانيال متي بولص, الذي آذاه تطاير الطحين هو الذي يشكو ضيقا في التنفس, فتؤول هذه المدونة إلى فجر, ولولاه لخسرنا هذا النص الروائي, موصيا الحضور بعظامه إذ ما زال يتنفس بصعوبة بالغة جداً جداً قائلاً: آني رايح وأريدك تاخذ عظامي وياك لما ترجعون لبلدنا لا تنسى امجد لا تنس عظامي هنا(....) لم يكن قادراً على الكلام تبسم فقط وعيناه تتكلمان ظلتا كذلك تلتمعان وتتكلمان (....)آخر شيء لحظته فيهما وهما تلتمعان وتتكلمان كانت صورة وجه (وطن) قبل ان يطبق عليهما أجفانه إلى الأبد ص371.
وهنا أمسى وجه صديقه (وطن) الذي كان اسمه (أمجد) قبل تغييرهم أسماءهم هو المعادل الموضوعي للوطن, للعراق الذي كان وطناً.
وتظل النهايات مفتوحة على الاحتمالات كلها, هل سيعود هذا الجمع المُهَرّب المهاجرَ إلى الوطن, وتقر عينا دانيال بعودة عظامه إلى وطنه؟ أم سيبقى هذا الجمع يحيا في هذه الجزيرة الوطن البديل, بعد ان تعذر العيش في الوطن الأصيل, وطن الآباء والأجداد, وكل الدلائل تشير إلى أنهم سيحيون في الوطن البديل, فها هي آصرة حب تنعقد بين (وطن) والمدرسة (زينة) التي قتل المتعصبون زوجها, فمكثت معهم أماً لهم واختارت كنية (أم بكر) بعد تغيير الأسماء ولعلهما سيتزوجان, وها هو (معين مسكيني ) الشيخ مع بناته الأربع وأبنه الصبي, الذي قتل المتعصبون زوجته يقرر المكوث مع هذه الثلة ولعل أربعة من شباب هذه الثلة سيبنون بالبنات الأربع, وسيديم حياتهم صاحب الزورق (اوزيل آغا) ما وجد إلى ذلك سبيلاً.
وسنكتشف انه عراقي الآباء والأجداد فجده ولد في بلدنا وكذلك آباؤهم جميعاً قبل جده مولودون في بلدنا, إلا أن عائلته كانت مع عوائل أخر غير قليلة ضحية لمؤامرة سياسية ذات أساس ديني... فوجدوا أنفسهم مهجرين إلى خارج بلدهم الذي هو بلدنا (341-340).
ترى هل ان تعاطف (اوزيل آغا) مع هؤلاء المهربين وحنوه عليهم وبكاءه لبكائهم, بسبب آصرة الوطن الذي تجمعه بهم؟
أية هجرة ضربت أسرته فهذا الوطن كثير التهجير والهجرات أهو أثوري ضربته الهجرة سنة 1933 على يد رئيس أركان الجيش الفريق بكر صدقي الذي قمع حركتهم الانفصالية؟ أم يهودي عصفت به حوادث نهايات أربعينات القرن العشرين؟
ام فيلي طوحت به قسوة صيف 1980؟
ولان طه حامد الشبيب لا يكتب تاريخاً ولا يفترض فيه مصاقبة حوادثه فهذه مهمة الباحث المؤرخ, فأن الأمر ليلتبس علينا بحثاً عن هوية (أوزيل آغا) المهجر المهاجر هو الآخر, وهذه الثيمة جزء من الشد الروائي والتشويق السردي والتحريك الذهني بحثاً عن جواب للأسئلة الكثيرة التي أطلقها هذا النص الروائي الجميل.

حاشية
القيت في الجلسة النقدية التي عقدتها جمعية الثقافة للجميع بالكرادة الشرقية ببغداد, ضحى يوم الخميس 4/ مايس/ 2017, وتحدث فيها تباعاً كل من:
1- د. كريم فليح الركابي. 2- د.صلاح القصب. 3- شكيب كاظم. 4- منذر عبد الحر.
5- د.عقيل مهدي يوسف 6- عباس لطيف. 7- علي حسن الفواز. 8- ريسان الخزعلي.
9- عبد الأمير المجر 10- ناظم السعود, قرأها نيابة عنه محمد إسماعيل 11- يوسف عبود جويعد