افول الفلسفة الاسلامية قل تجليها (113)

عماد علي
2019 / 4 / 16

ان المشكلة الرئيسية من هذا الجانب في ذلك الكتاب هي عبارة عن اظهار المعتزلة كمجموعة ملحدة و اتجاه معادي للدين. ثانيا شوهد الراوندي في المستوى الاجتماعي و الديني كظاهرة و هي ان اي شخص يعتمد على طاقة العقل لفهم و تفسير النص الديني بعيداعن ايمان بمقولات النقل، فانه يُصاب بالارباك و الاضطراب و من ثم الضلالة و العصيان، و هذا جانب اخر من ماسآة ظهور ذلك الملحد في الحركة العقلانية الاسلامية. و لهذا السبب صُوّرالدفاع عن العقل و العقلانية كطريق للابتعاد عن الدين و التقرب من الالحاد، لذا ان اصبحت قصة الالحاد الراوندي لدى العىيد من مناوئي التيار العقلاني الاسلامي و بالاخص الاعتزاليين سلاحا مميتا بيدهم لمقاومة التيار ذاته ومن اجل بيانه كتيار الحادي، و ان الاكثر تاثيرا و اصعب على حركة الاعتزال و التيار الكلامي بشكل عام، هو ظهور ابو حسن الاشعري و انفصاله عن المعتزلة و في النتيجة تاسيس حركة مذهبية دينية سنية قوية، التي كان لها الدور في تراجع ليس المعتزلة و الميول الفكر العقلاني فقط و انما انها كانت ضربة مميتة لجميع النشاطات العقلية في اعلى مستواها، اي الفلسفة. هناك حكايات و تفسيرات مختلفة لانفصال هذه الشخصية في المؤلفات التاريخية، و لكن مشكوك فيها جميعا لدى الباحثين، لذا نقفز عليها جميعا و نحاول ان نبحث عن انشقاق هذه الشخصية عن طريق الحقيقة التاريخية، و هذا ليس لفهم نفسية و شخصية الاشعري و انما لان سبب انشقاقه هو باب مهم للفهم الاكثر لتلك الضغوطات التي وقعت على التيار العقلاني الاسلامي من قبل النقلانيين بشكل عام و الحنبليين بشكل خاص في ذلك العصر. لان انفصال الاشعري من حركة العقلانية الاسلامية اشارة الى الازمة الداخلية لهذه الحركة في المجتمع بالدرجة الاولى، و كما ازدادت ضغوطات اهل الحديث و اهل النقل، وعندما نقول الحقيقة التاريخية نقصد الاستعياب و فهم سبب ابتعاد الاشعري من المعتزلة و ظهور المباديء الاشعرية و خصائص ذلك الفكر بين التيار العقلاني السائد و النقلاني في ذلك العصر.
بالعودة الى الصراع الشديد بين التيار العقلاني بقيادة المعتزلة و النقلاني بقيادة الحنبلي و مقارنة الفكر الاشعري و محاولة التوسط كما نرى فيما بعد، نفهم جيدا من هذا الانفصال، عاش ابو حسن الاشعري بين القرن الثالث و الرابع في البصرة وبغداد ( 260 – 324 ه) اي عصر توسع النقاشات الفكرية للاتجاهين المسيطرين للفكر والسياسة. في المرحلة الاولى كان مؤيدا عنيدا للمعتزلة و تلميذا لاحد مرشدي المعتزلة و اسمه الجبائي ( توفي سنة 303 الهجري) و في الوقت نفسه كان هذا زوج امه.
كان اشعري معتزليا لحد عمره الاربعين، اي ثلاث سنوات قبل وفاة الجبائي. عصر ظهور و مجيء الاشعري، عصور الضربة المؤثرة للمتوكل و احمد بن حنبل، عصر مابعد تاسيس الايديولوجيا لاهل الحديث و مطاردة المعتزلة، من قبل السلطة و ايضا من قبل رجال الدين. وفق ما كان بعد انتهاء عملية جمع و كتابة الحديث على الاقل عند الرجال السُنة الستة المعروفين ( البخاري و المسلم و الحنبلي و النسائي و الترمذي و ابو داود)، لذا فانه العصر الذي انتقل من مؤيد للحركة الاعتزالية الى اتجاه مذهبي اخر قريب من الخطاب الايديولوجي الحنبلي، عصر ازدياد الضغوطات الدينية والسياسية على هذا الخطاب.
كما شاهدنا من قبل، ان الحركة الحنبلية في تلك العصور خرجت من ان تكون مذهبا دينيا و صاحب دعم قوي من قبل دولة الخلافة، وانما اكثر من هذا ان قبل ذلك فان الحنبليين و من الاصح ان نقول اهل الحديث كما راينا اصبحوا الاكثر تاثيرا في الحركة الاجتماعية و اقوى تيار ايديولوجي ديني، الذي كانوا اصحاب تنظيم و احقية في الهجوم على المذاهب الاخرى، و التي لم يكونوا صاحب تلك الرؤية من الجانب الديني و السياسي التي كانت لديهم، لانه كان للحنبلية كان تركيبا اكثر من ان تكون مذهبا فانها كانت شكلا فكريا دينيا سلفيا مغلقا و الذي عرف نفسه عن طريق الحديث، لذا اكثر شي في التاريخ ان من يعرفون باهل الحيدث كنخبة ثقافية دينية و ما يقصد بهم هم الحنبليين. في اكثرية المصادر القديمة، والذي من الممكن انهم اخذوه جميعا من ابن النديم، في النصف الاول للقرن الخامس، ان تلك الحكاية اتت من ان الاشعري بعد ان انعكف و لم يخرج من البيت في البصرة لمدة خمسة عشر يوما، في اليوم الخامس عشر الذي كان جمعة، دخل المسجد و اعتلى مكانا مرتفعا بين الناس و صرخ( من يعرفني يعرفني، و من لا يعرفني انا اعرّف نفسي له, انا فلان ابن فلان, كتب من قبل حول ان القرآن مخلوق و ليس لاحد ان يرى الله بعينيه( في يوم القيامة)، و ايضا ان الافعال الشريرة انا افعلها, لذا انا اتوب من هذه الاشياء و اتخلى عن تلك العقائد و ابدأ في رده). و من ثم يقول ابن النديم، بعد ذلك بدا الاشعري ببيان فضائخ و عيوب المعتزلة ( 6).
ان هذه الحكاية الدراماتيكية لارتداد هذه الشخصية يحمل العديد من الاشارات الى بداية اخرى مليئة بالمشاكل و المواجهة للمعتزلة، في الوقت نفسه اشارة الى بداية ظهور مذهب و تيار جديد، الذي يكون له فيما بعد دورا كبيرا في تراجع الخطاب العقلاني الاسلامي للاتجاهين الكلامي في المرحلة الاولى و الفلسفي في المرحلة الثانية. الاشعري في بداية احد تلك الكتب الاكثر اهمية و الخاص بالمباديء الاسلامية، وفق فهم الاشعري، يمدح كثيرا احمد بن الحنبل، وعن تلك الطريق يجامل كثيرا مؤيديه و الذي من الممكن كانت لهم ضغوطات كثيرة في حينه و اصبحوا خطرين على جميع المذاهب و الاتجاهات الاخرى، في البداية يتحدث الاشعري عن مصادر عقيدته، التي عبارة عن القرآن والحديث, ان هذه البداية باتعبير و بالمعنى هي اعادة لعقيدة الحنبلي بالضبط و بيان تاييده في ذلك الاتجاه، على الرغم انه من اجل الطمئنان و تقوية موقعه، يقول ( نحن على منهج احمد بن الحنبل ( يبض الله وجهه و يرفع من درجته وشانه و يثيبه)، نحن ضد اي شيء كان ضده لانه امام كبير و رئيس كامل الذي انتصر الاله الحق بسببه و ابعد الضلالة و نوّر نهجه و قمع به البدعجية و دمر حيل الحائلين و انهى شك المشكوكين، يرحم الله هذا الامام القائد العظيم و زعيم كبير خبير (7)