الملك لير … سرُّ عظمة مصرَ

فاطمة ناعوت
2019 / 4 / 15


تسألونَ عن سرِّ عظَمة مصرَ وإعجازية بقائها وصمودها في وجه الزمان؟ لا تسألوا وحسبَ الإرثَ الحضاريَّ العظيم؛ الذي صكَّ لها صكَّ الخلود، ولا النيلَ يجري في شرايين جسدها منذ فجر الأزل يمنحُها الرِّيَّ والقداسةَ، ولا تسألوا عشرات القرونَ ترتمي تحت قدميها دهرًا في إثر دهرٍ، بلِ ابحثوا عن الإجابة في دماء فنانيها العظام. الفنُّ الرفيعُ هو صخرةُ مصرَ القدسيةُ تذودُ عنها تعاويذَ الظلام وغيلات العِدى وصروف الزمان. الفنُّ ظهيرُ مصرَ الصمودُ يحمي قلبَها، مثلما يحمي ظهرَها جيشُها القويّ.
"الملك لير" التي تُقدَّم الآن على مسرح "كايرو شو/الماركي، تثبتُ أن القطاع الخاصَّ قادرٌ على التحمُّس للأعمال الجادَّة الصعبة، المكلَِفة الثرية التي تجمع كوكبةً مدهشةً من النجوم الثِّقال، الذين واحدُهم بوزن مَجرّة بأسرها. في عرض الافتتاح، السبت الماضي، نظرتُ أمامي إلى خشبة المسرح حيث بذخ الإنتاج وأناقة الملابس والديكور والإضاءة، ونظرتُ خلفي حيث قاعة المسرح الهائلة حاشدةً بالجماهير، فتأكدتُ أن الفنَّ الرفيع لم يفقد مَن يُراهنُ عليه، وقادرٌ على جذب الجمهور المتعطش للرُّقي والأناقة والأصالة، وسط ركامات الهبوط. تحية احترام للمنتج مجدي الهواري الذي تحمّس لإنتاج هذا العرض السَّخيّ، وحشَدَ على شرف شكسبير تلك القامات الشاهقة.
والكلامُ على الكلامِ صعبٌ، كما قال أبو حَيّان. فكيف يكون الكلامُ على الجمال؟! تجاوُزٌ وفقرٌ عن التعبير؟ دون شكّ. لهذا بوسعي أن أختصر تعليقي على هذا العمل الفاتن: “الملك لير" بعبارة: (شيءٌ اسمُه الـ Perfection). وآثرتُ استخدام الكلمة الأجنبية لكي أختصرَ جميعَ مُحمّلاتها ودلالاتها العربية في كلمةٍ واحدة: الكمالُ، الإتقانُ، التمامُ، النموذجُ، الحُسن.
العظيم فاروق الفيشاوي، أدمَى قلوبَنا مصلوبًا تُقتَلع عيناه من مأقيهما، ليدفعَ نورَ بصره ثمنًا لنبله وولائه للقيم. فأضحى يتوكأ على عصاه بعينين عمياوين، يقودنا نحن المبصرين لكي نرى سَوءاتنا ونتطَّهرَ من خطايانا. يقوده ابنُه المغبونُ (أحمد عزمي) في أسمال الشحاذين، يتحيّنُ الفرصةَ ليختلسَ قُبلةً على يدِ أبيه، فتطفرُ عيونُنا بالدمع والحسرة. شقيقه (نضال الشافعي)، برع في أداء دور الشرير الحقود صانعِ المكائد حابكِ المؤامرات، حتى جعلنا نتعجَّلُ نصلَ السيف يخترقُ خِصره. ثم يأتي (محمد فهيم)، ليؤدي دورَ البهلول المهرج، رمانة الميزان ومفتاح البهجة وحامل الحكمة في هذا العمل الخالد. ويندهشُ العقلُ كيف لهذا الفنان الذي كان الإخوانيَّ (سيد قطب) في مسلسل (الجماعة 2)، بكل ما تحملُ ملامحُه من جهامة وخشونة، أن يقدّم دورًا استعراضيًّا راقصًا ومُطربًا على هذا النحو الجميل. (رانيا فريد شوقي)، برعت في دور الأميرة القاسية جامدة الملامح التي لم ترحم ضعفَ أبيها الملك، وتحالفت مع شقيقتها (ريهام عبد الغفور) في التنكيل به لتفوزا بالسلطان والجاه. لتبقى الصغيرةُ كورديليا (هبة مجدي) نقطةَ النقاء الوحيدة في تلك الملحمة التراجيدية الموجعة. ولا أنسى دموعي وتوسلاتي في الصفّ الخامس لأؤدي دور "كورديليا" الطيبة على مسرح مدرستي، سوى أن المعلّمات اخترن لي دور "ريجان" الشريرة؛ بسبب طول قامتي بين زميلات الفصل. كنتُ طفلةًٌ لا تدرك أن تجسيدَ الشرِّ على المسرح، هو لونٌ عميق من مقاومة الشرّ في الحياة.
أما الملكُ (يحيى الفخراني)، فإنني موقنةٌ من أن شكسبير كان يفكّر فيه حينما رسم دور (الملك لير) في تلك التراجيديا الخالدة. فلا أحد جسّده مثله، وقد شاهدتُها على خشبات مسارح أوروبا، يؤديها كبارُ فناني العالم. هذا الفنان المبهِجُ الموجِعُ المثقف، جعلَ نصالَ الشوك تخِزُ قلوبَنا فينفطرُ منها الدمُ وهو يستنطقُ المأساةَ بفُصحى سليمة لا عِوَج فيها ولا لحن. بملامح وجهه، المكلومة بجحود بناته، أوعز لهنّ الطمعُ أن يركلن أباهنّ من رَغَد مَلكٍ إلى، عِوَزِ مُتسوّل. كيف يتغضّن ذلك الوجهُ الصبوحُ وكيف يلتمعُ الحَزَنُ على صفحة عينيه المشرقتين لتسقط دمعةٌ حارقةٌ تحفرُ طريقَها على وجنةِ رجلٍ؛ نام ملكًا عظيمًا، ليصحو في غدِه بائسًا مُعدمًا يلبس الأسمال الممزقة، بعد الجواهر وفاخر الرياش، ويتسوّل الحب من القلوب الجاحدة؟! لا يملك إجابةَ السؤال إلا فنّانٌ هائلٌ بحجم عظيمٍ، أدّى مسرحيةً عظيمةً، كتبها مؤلفٌ عظيم، على خشبة مسرح عظيمٍ، فكان الناتجُ شيئًا يفوقُ الخيال. تحيةً للمخرج الشابّ (تامر كرم) الذي جعل من كلّ مشهدٍ تابلوه حيًّا من الفنّ الرفيع، والثراء الحركيّ، والانضباط التناغميّ، والإبهار الضوئيّ واللونيّ والموسيقيّ، وتحيةً لمُصمّمة الملابس (نيڤين رأفت)، ولكلِّ صُنّاع العمل الذين من فرط إتقانهم تخالُ أنهم أمضوا عشرين قرنًا في سَهرِ البروفات. أولئك الفنانون العظماء، ممثلون، ومهندسو صوت وإضاءة وديكور، ومخرجٌ ومنتجٌ، يحملون فوق صدورهم شارة تقول: (صُنع في مصر). "الدينُ لله، والوطنُ لَمن يُحبُّ الوطن”.

***