توماس فريدمان وقراءة خاطئة للشرق الأوسط

محمد السعدنى
2019 / 4 / 15

وكما عودنا فى معظم مقالاته فإن الكاتب الأمريكى توماس فريدمان غالباً ما يذهب لأبعد مايمكن التفكير فيه، إنها لعبته المفضلة، وهى ذاتها ما أكسبته شهرته فى عالمنا العربى الذى استمرأ التعامل مع مايكتبه باعتبارها نبوءات تكاد تلامس الحقيقة. ولعله فى ذلك ليس وحده، فقبله كان هينتنجتون وفكرته عن صدام الحضارات، وفوكوياما عن نهاية التاريخ، والمحافظون الجدد عن العصر الأمريكى الجديد، وكوندليزا رايس عن الفوضى الخلاقة، وإدارة بوش الإبن عن الشرق الأوسط الكبير، النسخة المنقحة من فكرة عزرا وايزمان عن الشرق الأوسط الجديد. ثم إدارة أوباما وأفكار هيلارى عن إعادة رسم خرائط المنطقة بالتقسيم إلى كانتونات صغيرة متصادمة المأخوذة عن الأمريكى الصهيونى العتيد برنارد لويس. ولعلها جميعاً أفكار تم اختبارها تاريخياً على أرض الواقع بما لاقته من مقاومة شعبية شرسة أخذتها جميعاً إلى الظل والتلاشى بفضل ثورتى يناير ويونيو فى مصر، وبفضل الربيع العربى وما أحدثه من حراك دخلت بمقتضاه الشعوب العربية إلى معادلة السياسة بقوة، لعل من تداعياتها مانشهده اليوم فى الجزائر والسودان وموريتانيا.
فى مقاله المنشور 19 مارس الجارى فى الـ" نيويورك تايمز"بعنوان Beware the Mideast’s Falling Pillars احذروا أعمدة الشرق الأوسط المتساقطة" يقول: إن التغييرات الخارجة عن سيطرة قادة المنطقة تحفزبزوغ شرق أوسط جديد. فعلى مدى نصف القرن الماضي، تشكلت سياسة الشرق الأوسط من خلال خمس ركائز أساسية، جميعها تنهار الآن. فهناك شرق أوسط جديد يزدهر - لكن ليس بالضرورة كما تصوره الناس في التسعينيات. ثم راح يعدد الأركان: الركن الأول المنهار هو دور الولايات المتحدة، فالسياسات الآن ترسمها التغريدات على تويتر بديلاً للدبلوماسية الأمريكية التي طالما أدت دورا مهماً في تشكيل سياسات المنطقة، لكنها لم تعد موجودة، فليس لها سفراء في السعودية ولا في مصر أو العراق أو الإمارات أو تركيا أو الأردن، أما السفير الأمريكي في إسرائيل، محامي الإفلاس السابق لدى دونالد ترامب، فهو مفتون بحركة المستوطنين اليهود المتطرفة، لدرجة أنه أصبح بوقا دعائيا لا دبلوماسيا". ويشير فريدمان إلى أن "الركن الثاني الذى كان يقوم على حل الدولتين، استبدل اليوم بجهد أمريكي إسرائيلي لتحقيق أفضل حل متوفر لدولة واحدة، ما يعني تحكما دائما في الأمن في الضفة الغربية والقدس الشرقية مع شكل من الحكم الذاتي الفلسطيني". ويضيف "الركن الثالث يتعلق بالحكومات العربية التي كانت تضمن دائما وظائف لسكانها في البيروقراطية والخدمات الأمنية، ولم تعد قادرة على ذلك اليوم مع انخفاض أسعار النفط وارتفاع عدد السكان، تحاول كل دولة عربية تقريبًا البحث عن كيفية التخلص من موظفي الحكومة والخدمات". أما "الركن الرابع الذي انهار هو فقدان الحكومات السيطرة على تدفق المعلومات، ففي الماضي كانت المعلومات تتدفق من القمة إلى القاع، وذهب هذا كله، واستبدل المواطنون معلومات الحكومة بـتويتر وفيسبوك وواتساب، فزمن التحكم في المعلومات مضى". ويشير إلى أن"الركن الخامس الذي انهار هو دور الرجل المتسيد للمرأة أوالنظام الأبوي، الذي كان فيه الرجل يتحكم في المرأة من خلال الأعراف الدينية والثقافية، إلا أن حالات الهروب الأخيرة من السعودية والإمارات وجهت رسائل للكثير من النساء العربيات اللاتي لا يردن البقاء تحت ولاية الذكور".
وفى تقديرى فإنه محق فيما قرأه من ظواهر فى الإقليم هى ذاتها تعبير عن واقع عصر بأكثر مما هى سقوط لأركان قامت عليها سياسات الشرق الأوسط، الذى راح يتحدث عنه باعتباره ظاهرة اجتماعية لا دول وأنظمة ومؤسسات وحركة شعوب وتفاعلات أزمات ورؤى يحكمها إرث ثقافى وتاريخى يعرف جيداً ماذا يتوجب عليه فعله تجاه تحولات الفكر والسياسة حوله وفى العالم بأثره. ثم إن حركة التاريخ لا تحكم بمعطيات الواقع البادى على سطح الأحداث وحده، ولا بتوافقات تفرضها ظروف الاقتصاد وموائمات السياسة، فعند الجد تتغير المعادلات ويتم استدعاء التجارب والإرادات، وتقوم كل الأرصدة الثقافية والنضالية للشعوب دفاعاً عن كياناتها وحقوقها ومستقبل دولها ومنطقتها.
ولعل فريدمان كمن سبقوه وأشرنا إليهم فى صدر المقال، قد استنام إلى أن شعوبنا تحصيل حاصل هى مفعول به مطلق، لا فرصة تاريخية له ليبدل موقعه من المفعول إلى الفاعل، أو حتى المقاوم لما يراد له ولايرضيه أو يرفضه. ثم من قال إن فرضيته لهذه الأركان الركائز الخمسة صحيحة على إطلاقها، أو هى نافذة بمجرد أن رآها سيادته هكذا، أو لأن ترامب ونتنياهو قررا بالنيابة عنا ذلك. وللأمانة فأنا أوافقه بان الشرق الأوسط الحالى مرشح للسقوط، فما عاد يرضينا، فقد ضاقت خرائطه السياسية على حركة الشعوب وتطلعاتها، وما ثورتى الجزائر والسودان ورفض مصر الإنضمام إلى الناتو الأمريكى-العربى إلا مثال.