ثقافة البوح..لما أكتب؟

ماجدة منصور
2019 / 4 / 15

لما أكتب؟؟
هذا السؤال قادني لأعمق ذرات روحي...روحي تلك التي مازلت أجهلها!
قال لي قائل: من أنت حتى تدركين عمق روحك ،، أيتها المرأة التي تلوثت بعهر المدنية فهاهي المادية (المتجمدة) قد سحبتك بعيدا لمطرح العفن و تقرحات الروح.
صرخت بصمت قاتل: من ذا الذي شقٌ قلبي و اخترق ثنايا تلك الروح الغريبة التي تقبع في مكان ما!
هل أنا غريبة عن روحي أم أن روحي هي الغريبة عني؟؟
من منُا غريب عن الآخر؟
لا شك أن روحي هي كائن مجهول ..غريب عني تماما...لكنها لا تكف عن الوجع و الألم و الشكوى ...إنها لا تكف عن البكاء و لا تتوقف عن الضجيج ...إنه روح هائجة..حزينة..غاضبة أحيانا..هي دائما تشعرني بألم الوجود و وجع الدهر.
البارحة حدًقت في عينيك أيتها الحياة فسقطت في حفرة سوداء...عميقة...كئيبة...موحلة...جافة،،كبئر جاف بلا قرار.
طالما أرقني الوجود و أنا أسأل بإلحاح طفل لجوج ما معناك أيها الوجود الغريب!!
ما أقسى أن تشعر بغربتك عن الوجود ذاته.
الحق الحق أقول لكم إني غريبة عن هذا الوجود فباطل هو وجودنا و باطلة هي شعاراتي و قذرة هي أحلامي و تافهة هي تطلعاتي و دنيئة هي آمالي و خسيسة هي أهوائي ففي أعماقي قد نضجت كل التفاهات كي تنمو كنبات شيطاني ها أنا
أراه يلتف حول ثنايا روحي و شغاف قلبي.
لقد سحبتني الحياة بشباك من ذهب ...هذا الذهب الذي إغتال مني معنى العمر و بهجة الروح.
تبا لذهب يلمع و في ذراته قد إختبأ الشيطان الرجيم...هو الشيطان الذي نرجمه من اللحظة التي إخترع بها أسلافي اليهود العجل الذهبي.
تبا لكم و لعجلكم الذهبي فهاهو عجلكم قد شوه فيكم الروح و المعنى و الغاية فقد جعلتم منه صنما إياه تعبدون.
بئس تلك العبادة...و بئس أصنامكم الذهبية و الحجرية.
في البدء كانت العبادة و ما عبد الإنسان سوى صنم أبكم أخرس لا حياة فيه و لا روح تسكنه و لا عقل يحتويه و لا ضمير يرتضيه و لا قلب يسكن إليه.
في البدء كانت العبادة....وما عبد الإنسان سوى نفسه و شهواته الآثمة.
في البدء كانت العبادة...وما عبد الإنسان إلاُ شهوته للجنس و السلطة و إستعباد البشر ما إستطاع إليه سبيلا.
في البدء كانت العبادة...وما عبد الإنسان سوى العجل الذهبي الذي سيأخذه الى فروج العذارى و إنتهاك أجساد السبايا و إستعباد النساء.
إني ألعنكم أنتم و عجولكم...لأني قد قرفت من عالم تتصارعون به كحيوانات جامحة.
من ذا الذي يعيد إلينا الحس الإنساني و الضمير الوجودي والبهجة الآسرة في حياة يسودها الحب و العطاء والألفة و الأنسنة و النمو والإستقرار و السكينة و عشق الوجود.
أيتها المدنية الحديثة و الرأسمالية المتوحشة: لقد قتلت فينا الإنسان.
هاهو إنساني يصرخ بك قائلا: لتذهبي الى الجحيم .
إليكم أتحدث أيها المتوحشون اللذين يمتطون العجل الذهبي اللعين: باطل هو وجودكم و عار عليكم أن تخلقوا كبشر يتنفسون أنفاس الحياة فأنتم قد أثقلتكم حياتنا و أرهقتكم كاهلنا بمنتجات دماركم إبتداءا من اسلحة تفتك بنا و إنتهاءا بمصادرة
إنسانيتنا التي ما زلنا نبحث عنها بين ركام دماركم و مخلفات حروبكم التي لن تنتهي.
توقفوا فورا عن كل هذا العبث و الدمار و الإنتهاك الصارخ لمعنى الحياة.
هل أنتم أحياء حقا أم أنتم مجرد روبوتات غبية لا تفقه و لا تشعر!!!
لا شك أنكم روبوتات تنفتقر لمعنى الروح و بهجة الوجود و دهشة الحياة و فرح الأطفال!!
أي إخوتي، هل أنا شنيع؟ لكني أقول لكم: ما يكون في طور السقوط، على المرء أن يساعده بدفعة!
كا ما هو في طور السقوط و الإنهيار من الحاضر ، من تُرى- و إن بدا هذا غير لطيف و مهذب- سيريد أن يمنعه من الوقوع؟ أما أنا- فإني أريد أن أدفعه.
هل تعرفون الشهوة التي تدحرج الصخور الى القيعان العميقة؟
رجال اليوم هؤلاء، إنظروا إليهم كيف يتدحرجون في الأعماق السحيقة!
( إن الذي لا تعلموه الطيران بالشكل المناسب،،،،لتعلًموه إذا كيف يقع و يهوي و يتحطم بأقصى سرعة و أعنف وسيلة.)
هكذا تحدث زرادشت
لتعلمونا يا أصحاب العجل الذهبي و الروبوت المتطور كيف نموت بسرعة و دون ألم.
لما علينا أن نعاني من إيديولوجيات تعطي الآخرين الحق المقدس بأن يقتلونا بأبشع الطرق؟؟
لقد عشنا ،،ما عشنا،، بألم و قهر و عذاب و معاناة....فهلا رأفتم بنا كي نموت بصمت و هدوء و دون ألم!!
إن الحياة لا تليق بنا،،،نحن شعوب العالم الثالث،،،، فهل من حكيم بينكم يجعلنا نليق بالموت و الفناء!!
أعود للسؤال ذاته:
لما أكتب؟؟
الكتابة هي نزق داخلي و توتر وجودي و فعل تعًري...فعل بورنو....
إن الكتابة تُعرينا من ألبسة الزيف و أقنعة النفاق .
الكتابة فعل طهارة حقيقية.
أنا أكذب في معظم لحظات نهاري....ولكني لا استطيع الكذب حينما أكتب.
الكتابة فعل إعتراف لأنها تأتي نتيجة تفكير و تمحيص و تدقيق و إنتباه و دقة و قصد و إصرار و تصميم على قول ما يعترينا ...في لحظات تجلًي.
إن لحظة الكتابة هي اللحظة الحقيقية و الوحيدة التي تسمح لي بأن أتخلى عن ذاتي المظلمة...إنها لحظة النور و ومضة الإنعتاق من عالم يلفه الزيف و النفاق و الرياء.
الكتابة هي ...لحظة الحقيقة كما يراها كل البشر.
الكتابة هي أعظم طبيب نفسي يعالجك من توتراتك و قلقك و حزنك و قهرك و حيرتك .
الكتابة فعل حرية بمعنى الكلمة.
إنها إنعتاق من كل القهر الذي أحاط بك.
إنها الهواء النقي الذي نبحث عنه كي نتنفسه بعمق و أريحية.
لما أكتب؟؟
أنا..أكتب..إذا..أنا..موجود.
لنكتب جميعنا ما شاء لنا الهوى...لنكتب عن الطغاة اللذين إغتصبوا الإنسان و صادروا إنسانيته.
لنكتب عن الفقر و جرائمه.
لنكتب عن الظلم و عواقبه.
لنكتب عن حقوق المرأة و الطفل و العاجز و المسكين و المقهور و المسجون.
لنكتب عن حق الحيوان .
لنكتب عن حق النبات.
لنكتب عن المسحوقين تحت أقدام الطغاة.
لنكتب عن المساجين في أقبية المخابرات.
لنكتب عن الزعران و الحرامية .
لنكتب عن مشايخ الجنس و شرائعهم المقززة.
لنكتب عن عهر الأنبياء.
لنكتب عن ظلم الله.
لنكتب دائما...كي نبقى على قيد الحياة
لنكتب أبدا...كي نحيا
ففي البدء كانت الكلمة
و في البدء كان الإنسان
هنا أقف
من هناك أمشي
للحديث بقية