افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها (109)

عماد علي
2019 / 4 / 15

يعيد ابن خلدون جمع و تراكم الاحاديث بشكل تاريخي الذي له معنى ابستمولجي لدينا، اي استخدام الحديث لصنع الايديولوجيا و التنمية الفكرية الاسلامية. يقول ابن خلدون ( اعلم ذلك ان الامام المجتهدين يختلفون في كثرة وقلة تلك المهنة ( اي مهنة جمع و كتابة الحديث) مثلا، يقولون ان ابو حنيفة روى حوال سبعة عشرة حديثا ، اما الامام المالكي فانه روى حوالي ثلاثمئة حديثا صحيحا، ( في الحقيقة ان عدد احاديث مالك حوال خمسة مئة حديث، و لكن ما يقصده ابن خلدون هو تلك الاحاديث الصحيحة، كما يقول، اما احمد ابن الحنبل وفي مسنده يحتوى على خمسين الف حديثا ( 56).
ان الجانب الابستمولوجي لذلك التاريخ الذي يرويه ابن خدلون واضح، ان التكاثر الكمي الاكثر استخداما للحديث في بناء العالم الفقهي و العقائدي، اشارة الى التغيير الكيفي في ابستمولوجيا الدين. من الفكر الديني الذي يترك مجالا كبيرا للنشاط العقلي( اجتهاد)، الى الفكر الديني الذي يكون لديه نصا لحديث لكل مسالة و شيء. وفق المصادر التاريخية فان ابو حنيفة ( 80 الى 150 ) كصاحب اول مذهب فقهي اسلامي سني، اعتمد على سبعة عشرة حديثا فقط، في الوقت من الجانب التاريخي انه صاحب اقرب مذهب اسلامي سني في عصر النبي، و حتى من المزعوم انه راى اكثر من عشر صحابة، احمد ابن حنبل في الفترة بين موته سنة (241) و موت النبي سنة( 11) اي هناك ( 230) سنة. انه يروي اكثر من اربعين حديثا من النبي و اكثر في كتابة الحديث و جمعه بذلك الشكل الواسع، بدون شك و كما قلنا انه كان نتيجة لقوة خطاب اهل الحديث، بعكسه قلة الحديث عند الحنفين بدون شك هي عبارة عن نوع اخر من فهم المصادر الدينية و الحديث بشكل خاص، و ان كانت الشخصيتان تقعان في اطار المذهب الفقي و مجال الشريعة، و لكن المهم هو عبارة عن تغيير منهج الفتاوي و الشريعة، التي عند ابو حنيفة كان في مجال يحتمل اكثر وجودا لتوجه شخصي و تفكير و في النهاية الوصول الى فتوى مناسب مع القرآن و العقل. و في الثانية هو ربط الفتوى ببداية مقدسة و هو نص الحديث، اول حقيقة لفكرمدرسة اهل الحديث بدلا من ان يتبعوا الاسئلة عن طريق العقل، فلم يبق شيء لم يتكلم عنه الحديث، و نفس التدرج الحنبلي للحديث جعلهم ان يُعرفوا باهل الحديث لم يُعرفوا باهل الفقه و المذهب، لذا ابن خلدون بنفسه و في نفس السياق و في عدد من الصفحات التالية يقول ؛ ان تابعي احمد ابن حنبل قليلون، لان مذهبه بعيد عن الاجتهاد، و انهم مشغولون في جمع الحديث و روايته ( 57)).
بدون شك فان ما يقصده ابن خلدون الاشعري في المبدا و المالكي في الجانب الفقهي من قلة عدد التابعين، و هو ما يقصده من مصطلح المقلدين في المذاهب الاسلامية، اي اولاءك الذين يربطون انفسهم باحد المذاهب و المجتهد المحدد،و لكن في الوقت نعلم تلك الحقيقة ان الحنبلية لم تعرق نفسها في اي وقت كمذهب، و انما صورت نفسها دائما كاسلام، نحن نفهم ان العبارة هذه لمؤرخنا صحيح من جانب و خطا في جانب اخر، لان لم يُعرف عدد الحنبليين في اي وقت بعدد التابعين لهم و انما بتاثيرهم و لم يكن ابن خلدون نفسه خارج عنهم، وكما راينا ذلك في قصة ابو اسماعيل الهروي، الذي كانت هناك اشخاص يجلبون الناس الى المحاكم وفق اما تفرضه لعقيدة الحنبلية، و دون ان يعرفوا بانفسهم ان الحنبلية مذهب، و بالشكل ذاته فان ابن خلدون الذي هو اشعري، دون وعي بذلك فان الاشعرية نوع من التاثر بمدرسة اهل الحديث الحنبلي، و كما نوضحه فيما بعد.
في اطار الضغوطات هذه المدرسة النقلية على اهل الشريعة المعروفين، فنشير الى المؤرخ و الفقيه الطبري فيما بعد في بداية القرن الرابع الهجري. فقط لانه كتب كتابا حول المذاهب الفقهية الاسلامية بعنوان ( اختلاف علماء الامصار في احكام شرائع الاسلام) و عرف فيه احمد ابن حنبل كاحد علماء الشريعة الاسلامية و لم يكتب ارائه، و لهذا السبب فان الحنبليين وقفو ضده بقوة و رجموا بيته، و كما يرويه ياقوت الحموي في القرن السابع الهجري؛ اجتمعت الاف الحنابلة و بعد ان هرب الطبري و اختفى في بيته، انهم رجموه بقدر كانت الحصوة المرمية عليه قد كونت تلة امام بيته ( 58). و حتى يعتقد ياقوت ان سبب هجوم الحنبليين عليه مربط بانه جاء الى بغداد في حينه، سالوه ما رايه حول احمد ابن حنبل و جلوس الله على العرش؟ و هو اجاب قائلا؛ ان الله اكبر من ان يجلس على العرش و ليس مهم راي احمد في ذلك، و عليه هجموه على ذلك، و عندما مات لم يدعوا ان يدفنوه في النهار في مقابر المسلمين، لذا فان اهله دفنوه سرا في الليل في بيته. بعد ذلك عثروا في رواق بيته على ذلك الكتاب الذي يُعرّف فيه احمد ابن حنبل كامل الشريعة.
بهذا الشكل كان التيار الحنبلي في المجتمع الاسلامي تيارا اجتماعيا قويا و اكثر تاثيرا على الابستمولوجيا الاسلامية، في القرنين الرابع و الخامس و السادس، عرض هذا التيار باستمرار قوته في الساحة الاسلامية و في مركز المدن، و عرض بالاخص قوة كبيرة في بغداد للوقوف بوجه المذاهب و الفصائل الاسلامية الاخرى، رويت لنا المصادر التاريخية العشرات من الحوادث الدموية و الهجمات و الاعتداءات من قبل الموالين لتلك المجموعة التي كانت باسم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على الشخصيات العقلانية و العرفانية.
كثيرا ماكانوا يسيرون في الاسواق بشكل مجموعات منظمة و هاجموا كل من كان مخالفا لمذهبهم، و حرقوا المكتبات عدة مرات و تعاملوا معهم كشرطي للعقيدة الاسلامية، بهذا الشكل و على يد هذا المذهب و هذه المدرسة النقلية بشكل عام و بدعم السلطة العباسية توقف حتى انين الفكر والفلسفة الاسلامية و عملية الترجمة في هذا المجال و حتى في كافة المجالات الاخرى فتوقف بشكل نهائي. بدون شك فان سقوط الفلسفة في الحضارة الاسلامية، لم يكن بسبب الضربة الحنبلية فقط و انما لم يكن هناك اي اتجاه وتيار ديني مناويء للفلسفة و لم يكن متاثرا بهذا المذهب، مثلا تيار الاشعري و هجوم الاشعرية على المدرسة العقلانية الاسلامية و فلسفتها.