مزاج الطبقة العاملة - البلشفية طريق الثورة

آلان وودز
2019 / 4 / 14

البلشفية طريق الثورة

الفصل الخامس: سنوات الحرب

مزاج الطبقة العاملة

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

لم يكن ذلك هو المحتوى الحقيقي لشعار لينين، بل كان مجرد وسيلة للتعبير عن الحاجة إلى النضال ضد الشوفينية ومعارضة "Burgfrieden" (السلم الاجتماعي). كان جوهر الموقف هو التأكيد على أن الاشتراكيين لا يمكنهم تحمل أي مسؤولية في الحرب الإمبريالية، وأنه حتى هزيمة روسيا تعتبر "أهون شراً" من شر دعم البورجوازية الروسية وحربها التوسعية. لقد كان من الضروري غرس هذه الفكرة في عقول الكوادر، لتحصينهم ضد مرض الشوفينية. إلا أن لينين، من ناحية أخرى، كان واقعيا جدا ويفهم أنه من الخطأ الفادح الخلط بين الطريقة التي يرى بها الثوريون الأمور وبين مستوى وعي الجماهير. يتمثل كامل فن بناء الحزب الثوري وترسيخ جذوره بين صفوف الجماهير على وجه الدقة في معرفة كيفية الربط بين البرنامج الماركسي العلمي الكامل وبين وعي الجماهير الذي هو بالضرورة غير مكتمل ومشوش ومتناقض. ولهذا السبب بالتحديد، قام لينين بتعديل موقفه عندما عاد إلى بتروغراد في الربيع، مشيرا إلى أنه رأى أن هناك نوعان من النزعة الدفاعية، هما نزعة الاشتراكيين الشوفينيين الخونة ونزعة "الدفاعية النزيهة" عند الجماهير. وهو عندما قال هذا لم يتخل عن موقفه السابق حول الانهزامية الثورية، بل اعترف فقط بأنه يجب عند نقل هذه الأفكار إلى الجماهير أن تأخذ في الحسبان المستوى الفعلي لوعيها. إن عدم القيام بذلك كان من شأنه أن يحول الحزب إلى مجرد عصبة.

لم تكن لخطابات لينين، التي ألقاها في ذلك الوقت، أية علاقة بالموقف الذي طرحه في بداية الحرب. ويكفي أن نقرأ خطابه الذي ألقاه في المؤتمر الأول لسوفييتات عموم روسيا لكي نرى الفرق. عندما تحدث لينين إلى العمال أنصار "الدفاع عن الوطن" -العمال المناشفة والاشتراكيين الثوريين النزهاء الذين كانوا يؤمنون فعلا بأنهم يناضلون للدفاع عن جمهورية ديمقراطية وعن الثورة- أخذ وجهات نظرهم في الحسبان. قال نحن مستعدون للقتال ضد الإمبرياليين الألمان، نحن لسنا من دعاة السلام. لكننا لا نثق في الحكومة البرجوازية المؤقتة. إننا نطالب قادة المناشفة والاشتراكيين الثوريين بالقطع مع البرجوازية وأخذ السلطة بين أيديهم. عندها يمكننا شن حرب ثورية ضد الإمبريالية الألمانية، وندعو العمال الألمان إلى السير على خطانا. كان هذا هو الجوهر الحقيقي لسياسة لينين العسكرية الثورية، وليس تلك الصورة الكاريكاتيرية عن "الانهزامية الثورية" التي غالبا ما يقدمها اليساريون المتطرفون الحمقى.

في البداية حاول العمال المنظمون، تحت تأثير البلاشفة، معارضة الحرب، لكنهم سرعان ما طوحت بهم جانبا جماهير الفلاحين البورجوازيين الصغار الوطنيين والفئات المتخلفة من العمال. هل صحيح أن العمال الروس كانوا مصابين بنزعة الوطنية؟ لقد أثبت الكثير من المؤرخين غير الماركسيين العكس. وقد كتب روبرت ماكين، الذي لا يمكن الاشتباه في تحيزه لصالح البلاشفة، معلقا على التكوين الطبقي للمظاهرات ذات النزعة الوطنية، قائلا:

«وصفت التقارير الواردة في وسائل الإعلام البرجوازية في العاصمة كيف أن الحشود كانت تتشكل في معظمها من أفراد الشرطة والطلاب وسيدات المجتمع وأصحاب المهن، مع بعض الحرفيين وأصحاب الدكاكين. يمكن للمرء أن يستنتج أنه كانت هناك نزعة معارضة للحرب بين عمال المصانع والحرفيين الصغار ولو بشكل ضيق وغير علني».[1]

يتطابق هذا تماما مع شهادة بلشفي بارز، وهو الكسندر شليابنيكوف، الذي كان شاهد عيان على تلك الأحداث. أخذ إعلان الحرب العمال على حين غرة في البداية. وقد وصف شليابنيكوف مزاج الذهول بينهم قائلا:

«اجتمعت حشود من الناس حول المنشورات، يناقشون الأحداث بمزاج من القلق واليأس. واحتشدت مئات من أسر العمال أمام مراكز الشرطة، التي تم تحويلها إلى مكاتب للتجنيد. كانت النساء تبكين وتصرخن وتلعنّ الحرب. أما في ورشات العمل والمصانع، فقد خلقت التعبئة فوضى عارمة، حيث أنتزع ما يقرب من 40% من العمال من آلاتهم ومقاعدهم. لقد ساد العجز واليأس في كل مكان».[2]

لكن بمجرد أن انتهت الصدمة الأولية، استُبدلت بسرعة بموجة من الغضب. كانت هناك منذ البداية، في الواقع، محاولات لتنظيم احتجاجات ضد الحرب. يقول ماكين إنه: «في يوم إعلان الحرب لاحظت الشرطة السرية أن الشبان الثوريين المتطرفين كانوا ينظمون اجتماعات في المصانع، حيث دعوا جميع التيارات الاشتراكية لمعارضة الحرب ودعوا الجنود إلى تحويل أسلحتهم ضد العدو الداخلي، أي النظام الأوتوقراطي»[3]. خرج العمال إلى الشوارع للتعبير عن معارضتهم للحرب. وفي 31 يوليوز، تظاهر ما يقدر نحو 27.000 شخص ضد الحرب في شوارع العاصمة. كانت هناك إضرابات ومظاهرات في جميع المراكز الصناعية الكبرى - في بيلاروسيا وأوكرانيا والقوقاز والأورال. وكانت هناك محاولات أولية لمقاومة التجنيد مما أدى إلى وقوع اشتباكات مع الشرطة والقوزاق قتل وجرح خلالها الكثيرون. ووفقا لأرقام حكومية رسمية، كانت هناك اضطرابات واحتجاجات مناهضة للحرب في 17 إقليما و31 مقاطعة. وقتل 505 من المجندين و106 من الضباط في 27 مقاطعة خلال الأسبوعين التاليين لإعلان الحرب. حتى الشرطة القيصرية نفسها اعترفت بواقع أن الحرب لم تكن تحظى بشعبية كبيرة بين صفوف الطبقة العاملة، بحيث كانت تؤكد في تقاريرها باستمرار أن المواقف الأممية كانت تلقى ترحيبا واسع النطاق[4]. لم يشهد أي بلد آخر، باستثناء أيرلندا، مثل هذه المقاومة ضد الحرب.

كانت تلك بشكل عام احتجاجات جماهيرية عفوية وغير منظمة. لكنها كانت محكومة منذ البداية بالفشل بسبب ميزان القوى الطبقي غير الملائم وموجة الحماسة الوطنية التي اجتاحت كل شيء أمامها. ويتذكر باداييف كيف تم استخدام الفئات المتخلفة من السكان ضد العمال:

«في بيترسبورغ تميزت الأيام الأولى للحرب باندلاع إضرابات وحتى ببعض المظاهرات المتفرقة. وفي اليوم الذي تمت فيه تعبئة قوات الاحتياط بالجيش، أضرب العمال في أكثر من 20 مؤسسة في بيترسبورغ احتجاجا على الحرب. وفي بعض الأماكن التقى العمال مع جنود الاحتياط بصيحات: "تسقط الحرب" وأغاني ثورية.

لكن المظاهرات جرت بعد ذلك في ظروف مختلفة عن تلك التي حدثت قبل أسبوعين أو ثلاثة. كانت حشود المتفرجين، لا سيما في وسط المدينة، ترفع هتافات وطنية. حتى أنهم لم يكتفوا بموقف الحياد "الودي"، بل إنهم هاجموا المتظاهرين وساعدوا الشرطة على اعتقالهم وضربهم. ومن بين الحوادث التي صارت معتادة في ذلك الوقت كان الهجوم "الوطني" الذي حدث في نفس اليوم الذي تم فيه تنظيم التعبئة في وسط المدينة، أمام مبنى مجلس مدينة، في شارع نيفسكي.

ففي نفس الوقت الذي كانت فيه مجموعة من جنود الاحتياط تمر من هناك، ظهر حشد من العمال المتظاهرين، يرفعون هتافات "تسقط الحرب"، وأحاطوا بقوات الاحتياط. كان الجمهور في شارع نيفسكي، ومعظمهم من البلطجية وجميع حثالة المجتمع، الذين كانوا عادة ما يفرون ويختبؤون في الشوارع الجانبية أثناء مرور المظاهرات العمالية. أو كانوا في بعض الأحيان يحتشدون بهدوء في الشرفات والبوابات يراقبون المتظاهرين من بعيد. لكن هذه المرة أظهر الجمهور "نشاطه"، وتولى دور الشرطة القيصرية. وبينما كانوا يزعقون: "خونة، عملاء" هرعوا من الرصيف إلى الشارع وبدأوا يضربون العمال المتظاهرين. ثم ألقت الشرطة القبض على المتظاهرين وأرسلتهم إلى مراكز الشرطة القريبة.

في ظل تلك الظروف صار أي تطور واسع لحركة الاحتجاج ضد الحرب مسألة مستحيلة. وغرقت الأعمال البطولية الفردية للعمال في بحر واسع من النزعة الوطنية المتطرفة».[5]

نجا النظام بسهولة من العاصفة. لقد أدت التعبئة من أجل الحرب إلى إغراق تلك الفئة القليلة نسبيا من العمال البلاشفة الطليعيين في بحر من الجماهير المتخلفة سياسيا. كان الجيش يتكون في أغلبيته الساحقة من الفلاحين. وقد استمر العمال البلاشفة عاجزين عن أي فعل، إلى أن غيرت الأحداث من وعي "الموجيك بالبذلة العسكرية".

هوامش:

1 : R.B. McKean, St. Petersburg Between the Revolutions, p. 358.

2 : Lenin’s Struggle for a Revolutionary International, p. 128.

3 : R.B. McKean, St. Petersburg Between the Revolutions, p. 356.

4 : Ibid., p. 365.

5 : Lenin’s Struggle for a Revolutionary International, pp. 129-30.