الحراك الشعبي-حرب نفسية في ظل صراع إرادات-

رابح لونيسي
2019 / 4 / 14


يدخل إعلان بن صالح عن رئاسيات في04جويلية2019 في إطار الإصرار على التنفيذ الحرفي للمادة102 من الدستور التي وضعها الرئيس بوتفليقة والمحيطين به حسب المقاس في 2016 بعد تعديل المادة88 كي يصعب تنحية الرئيس والحفاظ على تحكمهم في الجزائر، وهؤلاء الأشخاص سماهم قائد الأركان العامة للجيش ب"العصابة" في بيانه في2أبريل2019، ولهذا لا نفهم كيف نسمح بتطبيق حرفي لهذه المادة، ويشرف عليها أحد المقربين جدا من بوتفليقة الذي كان يستهزأ بكل معارض للعهدة الخامسة، وستجري هذه الرئاسيات بنفس الإجراءات والأساليب السابقة، مما يعني بقاء النظام كما هو بدون بوتفليقة لاغير، وما يدفع للإستغراب هو قول بن صالح في خطابه يوم09أبريل2019 أنه سيشكل هيئة سيدة لتنظيم ومراقبة الإنتخابات ، فهو كلام لذر الرماد في العيون، فهل سيعدل الدستور أو المادة194التي تنص على هيئة لمراقبة الإنتخابات التي حلها بوتفليقة قبل إستقالته؟، ألا يعلم أنه لايملك صلاحيات للقيام بذلك؟، لانفهم كيف يتمسك هؤلاء بالنص الحرفي للدستور في مادته102، ويسعى لتعديل المادة194 رغم منعه لذلك دون نسيان الإجراءات التي يجب المرور عليها، والتي ستأخذ وقتا طويلا.
تعتقد السلطة أن الإسراع في تحديد تاريخ رئاسيات مزورة مسبقا سيعيد الجزائريون إلى نفس الإنشغالات قبل 22فيفري2019، وهو الإهتمام بالمرشحين والنقاش حول المشاركة من عدمه في هذه الإنتخابات، وسينتظرون مرشح السلطة، ثم سيندفع الكثير من الإنتهازيين لدعمه والتطبيل له بعد ما قفزوا من مركب الرئيس بوتفليقة، وأصبحوا يدعون أنهم مع الحراك. يبدو أن رسالة وجهت لهؤلاء الإنتهازيين من خلال تحديد يوم4جويلية2019، والذي يعني أن الإنتخابات ستجري في دور واحد لأن إجراءها في دورين معناه سيتم تجاوز90يوم المحددة دستوريا بكثير، وبتعبير آخر تلميح بأن مرشح السلطة سيفوز في دور واحد كما تعودنا .
أن هؤلاء الإنتهازيين هم أكبر مأساة الجزائر، حيث تجدهم بقوة في أحزاب السلطة ومنظماتها، فهم يصفقون لكل السياسات رغم تناقضاتها منذ1962،كما طبلوا لكل حكام الجزائر، فهم يجسدون ذهنية الفتوة التي صورها نجيب محفوظ في روايته "الحرافيش" التي نشرها في 1977، فكل من أخذ السلطة بالقوة سيصفقون له، لكن هب الشعب اليوم لتنحية الجميع وإقامة نظام ديمقراطي وإجتماعي، وكأن رواية نجيب محفوظ حول الحرافيش بصدد التنفيذ في جزائر اليوم، فمن سماهم قائد الأركان ب"العصابة" يلعبون على الوقت، لعل سينجحون في تفتيت الحراك، خاصة أننا مقبلون على شهر رمضان، لكنهم مخطؤون، فالشعب مصر على تغيير جذري للنظام، فهو لن يضيع فرصة لن تتاح له مرة أخرى.
نحن اليوم أمام إرادتين، إرادة السلطة التي تريد فرض التنفيذ الحرفي للمادة102 متجاهلة ورافضة لإرادة الشعب الذي يطالب بتغيير النظام القائم بنظام جديد يجد فيه كل الجزائريين أنفسهم فيه دون أي إقصاء، ولهذا سيستمر الحراك بقوة أكثر، خاصة بعد ما تخلى قائد الأركان العامة عن وعوده بعد ربطه المادة102 بالمواد7و8 التي تعني في الحقيقة تنحية الرئيس بموجب المادة102 ثم الدخول في مرحلة إنتقالية لإقامة نظام سياسي جديد يستعيد به الشعب سيادته تطبيقا للمواد7و8، فلنحذر من إرتكاب أخطاء إستراتيجية قاتلة، يمكن أن ندفع بها الشعب إلى التشكيك في المؤسسة العسكرية وقياداتها التي تحظى بإحترام وثقة كبيرة منه، ويعلق عليها الكثير من الآمال، فهو ينظر إليها كعمود فقري للدولة وحامية للشعب ولإرادته، وللوطن وسيادته، ولهذا يجب تبني إرادة الشعب الذي يريد إستعادة سيادته كاملة غير منقوصة بواسطة مرحلة إنتقالية يقودها شخص أو هيئة رئاسية تكون محل ثقة الشعب، وتعمل وفق إعلان دستوري، ويمكن أن يعين المجلس الأعلى للأمن الذي هو مؤسسة دستورية هذه الهيئة بالتشاور مع الفاعلين في الحراك، ويأخذ بعين الإعتبار إرادة الشعب، فتقود هذه الهيئة المرحلة الإنتقالية التي ستؤدي إلى نظام جديد تماما بعد تعيينها حكومة إنتقالية والدخول في خطوات أخرى التي نجد حولها إختلاف بين من يرى ضرورة البداية بدستور جديد توافقي مبني على أساس عقد وطني تتوصل إليه ندوة وطنية لكل مكونات الأمة، وتراه شرطا ضروريا لزرع الثقة بين هذه المكونات، وممكن أن ينبثق عن هذه الندوة الدستور الجديد أو يأتي بواسطة مجلس تأسيسي منتخب، وهناك طرف آخر يرى إنشاء لجنة لتنظيم الإنتخابات، وليس مراقبتها، أي لجنة شبيهة بما وقع في تونس، ثم تنظم إنتخابات رئاسية شفافة بعد تعديل بعض القوانين، ثم سيقوم رئيس الجمهورية الجديد بإعادة النظر في الدستور وبناء المؤسسات بالإنتخابات كما تنص المادة8 من الدستور الحالي، ولو أني شخصيا أحبذ وضع دستور توافقي قبل إنتخاب رئيس للجمهورية، لأننا أصبحنا نخشى من تلاعب أي رئيس كان بالدستور القادم، فالإستبداد طبيعة بشرية، ولهذا لايمكن وقفه عند حده إلا بدستور ومؤسسات قوية نابعة من الشعب، لكن إن حققنا التغيير بالأسلوب الأول أي بإنتخابات رئاسية شفافة تشرف عليها هيئة رئاسية متفق عليها، لكن لايحق لها الترشح، فهو أيضا مكسب هام، لأن مايهم هو تغيير النظام وتحويله إلى نظام ديمقراطي ومرتبط بالعدالة الإجتماعية التي يجب أخذها بعين الإعتبار لأن عدم تجسيدها سيكون سببا لإنتكاسة المسار الديمقراطي، فالتغيير يجب أن يكون في خدمة الطبقات الشعبية المحرومة. ان تحقيق إرادة الشعب هو سهل وغير معقد كما يروج البعض، فهو مرتبط بإرادة سياسية فقط من صناع القرار الذي يجب أن يسايروا طموحات الشعب دون أي حسابات مصلحية ضيقة على حساب الجزائر ومستقبلها.
شهد هذا الحراك حرب نفسية من خلال نشر إشاعات وتخويف الشعب والتشكيك في فاعلين، وتم توظيف لذلك فضائيات تابعة للمال الفاسد، أما بخصوص فكرة المرحلة الإنتقالية أنصح البعض بقراءة كتاب "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة" لمالك بن نبي الذي يتحدث عن كيفية ضرب الأفكار الفعالة وتشويهها، فقد لاحظنا أن السلطة قد استعانت بعلم النفس لتشويه فكرة التحول الديمقراطي بمرحلة إنتقالية، ولانستبعد إمكانية إستعانتها بوزير خارجية فرنسا الذي تحدث عن مرحلة إنتقالية، ثم نسبت نفس الفكرة إلى أخ الرئيس السابق، وكل ذلك بهدف التلاعب بعواطف البعض منا بدعوى أن فكرة مرحلة إنتقالية هي فكرة مستوحاة من فرنسا وأخ الرئيس السابق كي يرفضها الشعب الذي له حساسية تجاههما. أن المرحلة الإنتقالية هي ضرورية، لأنه لايمكن الإنتقال من نظام إلى آخر بدونها، ويمكن أن نختلف فقط حول مدتها ومن يقودها وإجراءاتها، مثلها في ذلك مثل الدستور، فإنه يصعب القيام بهذا التحول بواسطة دستور وضعه نظام قديم حسب مصالحه ومقاسه، فمنذ متى ساهم الشعب في وضع الدستو، فأوله وضعه أفراد في قاعة الماجستيك(الأطلس اليوم) في 1963متجاهلين المجلس التأسيسي آنذاك، مما دفع رئيسه فرحات عباس إلى الإستقالة، فكل الدساتير الجزائرية صاغتها لجان لانعرف حتى أعضاؤها، ثم تعرض لإستفتاء لانعرف حتى النسب الحقيقية للتصويت عليه، فقد جاءت فرصة اليوم لوضع دستور توافقي نابع لأول مرة عن الأمة الجزائرية، ويكون في خدمتها لاغير.
البروفسور رابح لونيسي