روچر … البودي جارد الذي خاصمني!

فاطمة ناعوت
2019 / 4 / 14


كتبَ على صفحتي: “أنا دائمُ القلق بشأن سلامتكِ. كوني أكثر حرصًا في ظهورك وتحركاتك. كيف تقودين سيارتَك فيراكِ الناسُ؟! بل تتجوّلين على دراجتك، بِحُريّة! لابد أن تكوني أكثر حذرًا في تنقلاتك، وألا تكوني بمفردك مطلقًا. فأولًا وقبل أي شيء، أنتِ أمٌّ، وزوجة، ولديك أسرةٌ تنتظرك. وثانيًا، أنتِ واحدةٌ من 100 مليون. كنزٌ مصريٌّ لا بديل له. فكيف تتهاونين في أمنكِ الخاص على هذا النحو؟! أنسيتِ ما حدث لـ فرج فودة ونجيب محفوظ؟ هل شاهدتِ كيف يحيطُ الفنانُ "عادل إمام" نفسَه بحراسة أمنية مكثفة، وبودي جاردات. يجب أن تكون سيارتكِ بنوافذَ زجاجية غامقة، مع حرس مسلّح، وبودي جارد شخصي. أسرتك تحتاج إليك. مصر تحتاج إليك. المصريون يحتاجون إليك. ونحن ندعو لكِ بالسلامة من الذين يقتلوننا باسم الله!”
انتهت رسالةُ هذا القارئ المحترم. واخترتُها لأعقّبَ عليها من بين مئات الرسائل التي تصلني منذ أعوام، وتكاثفت بعد موجة التهديدات العلنية الأخيرة التي طالتني. بدايةً أودُّ أن أشكره إذْ رفعني إلى مصافِّ أساتذتي، ووضعني في مكانة بعدُ لم أصلْ إليها. فلستُ إلا شاعرةً تمقتُ الظلمَ، وتصبو للعدل والجمال، وتنتصرُ للحق، كما أمرنا اللهُ، ولا شيء أكثر. لكنني سأتوقف عند نقطتين في رسالته.
النقطة الأولى: (الذين يقتلوننا باسم الله). تلك هي المشكلة! فلو كانوا يقتلوننا باسم "الإجرام" لأسميناهم: "سفاحين"، وانتهتِ المشكلة. لأنهم في تلك الحالة سيغدون خارجين عن القانون؛ فيتكاتفُ المجتمعُ كلُّه كتلةً واحدة ضدَّهم؛ فينهزمون، وينتهي الإرهاب. لكنهم، باستخدامهم في القتل اسمَ الله (حاشاه)، يكون بوسعهم خداع البسطاء؛ فيحتمون في حماهم. وهنا يحدثُ الشِّقاقُ المجتمعيّ: ما بين مَن يراهم مجرمين، ومَن يراهم أتقياءَ أنقياء مجاهدين في سبيل الله! هنا تتشتتْ قوى مجابهتهم، فيزدادون غُلوًّا وشراسةً وإجرامًا. والحقُّ أن المجرمين والسفاحين أكثرُ شرفًا من الإرهابيين. أو لنقل إنهم أقلُّ خِسّةً؛ إن جاز لنا القولُ إن للشرفِ والخسّةِ درجاتٍ ومنازلَ، وهذا غير صحيح. فالشرفُ شرفٌ، والخِسَّةُ خسةٌ. لكن السفاحين على الأقل أكثرُ وضوحًا وأقلُّ كذبًا من الإرهابيين. ذاك أنهم لا يسيئون لاسمِ العليّ العظيم، ولا يلوّثون العقائدَ بالدم الحرام. "القتل باسم الله"، والتكبير عند نحرِ الرقاب، يُربِكُ المعايير في العقول، ويجعلُ السؤالَ شاخصًا في الأفئدة: “اللهُ واهبُ الحياة، فكيف يُقرن اسمُه بإزهاق الأرواح المسالمة؟!”
النقطة الثانية: “مسألة سلامتي الشخصية". وهنا سأحكي لكم حكايةً طريفة تُلخِّصُ فلسفتي في مفهوم "الحراسة البشرية”. قبل سنوات سافرتُ إلى هولندا للمشاركة في مؤتمر. بمجرد خروجي من الطائرة، لاحظتُ رجلًا ملوّنًا هائل البُنيان يتبعني. تجاهلتُه واستكملتُ إجراءات الوصول بمطار أمست-تُ: “يا سلام سلّم، بقى عندي بودي جارد زي الفنانين والساسة!” فقال المستقبِل: ثم التفتُّ للبودي جارد وصافحته، فقدم لي نفسَه: “روچر”. فشببتُ على أطراف أصابعي حتى أصل إلى أذنه وهمستُ: “أنا سأحميك، فاطمئِنْ ولا تخف!” بدا الرجل الأسمرُ جافًّا ولم يبتسم للدعابة! فقررتُ أن ألاعبه. تركتُ حقائبي للرفاق، وبدأتُ أركضُ بين أعمدة المطار وأختبئُ من “روچر”. فيبحث عني و يجدني، فأستمرُ في الركض والضحك. في الأخير ضجر مني وقال بخشونة مغلّفة بابتسامة:
(Okay ma am, as long as you feel safe, then I m doing well”)
(حسنًا سيدتي، طالما تشعرين بالأمان، فأنا إذن أؤدي عملي بإتقان.) رددتُ إليه ابتسامتَه، وأشرتُ إلى السماء قائلةً: “أنا أشعرُ بالأمان، ليس لوجودك، بل لوجود حارس البشرية الأعظم في الأعالي. الله!”
في اليوم التالي كنتُ أُحاضِرُ على المنصّة، وشاهدتُ روچر يقف بعيدًا عند باب القاعة يراقبُ الداخلين والخارجين. ناديتُه ليدخل ويجلس، فهتف بحسم:
(I m at work ma am)
(أنا في شغلي)؛ ويقصد طبعًا أنه يقوم بتأميني. ذلك هو عمله! ركضتُ إليه وجذبته من يده ليدخل ويجلس! ففعل مُرغمًا شبهَ غاضب. بعد المحاضرة، اختفى. وحين عدتُ إلى الفندق، وجدته وقد ترك لي في الريسبشن هديةً جميلة، وبطاقة كتب فيها أنه تشرَّف بمعرفتي وأنني فريدة من نوعي. ثم أخبروني أنه اعتذر عن المهمة قائلا:
(This lady needs no bodyguard, she needs to be scared)
“هذه السيدةُ لا تحتاج إلى حارس، بل تحتاج أن تخاف.”
يقول شكسبير: “الجبناءُ يموتون عديدَ المرات قبل موتهم.” وأنا قررتُ ألا أموتَ إلا مرةً، حين يقررُ الله. ولماذا أموتُ كثيرًا؟! "الدينُ لله، والوطنُ لَمن يُحبُّ الوطن”.
***