افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها ( 107)

عماد علي
2019 / 4 / 14

ان المجزرة وعملية القتل التي ارتكبها الحنبلي ازاء المناوئين لهم ف يمدينة (ري)، فيرويه ابن الجوزي باختصار دون ان يذكر لنا عدد القتلى و كم استغرقت تلك العملية. و يمكن ان تكون تلك المجزرة التي ذكرها السلطان محمود باسم غزوة (الاسماعيلية و اهل الكلام) و جاء في نص ابو اسماعيل، وكما زار ابو اسماعيل حسن الخاقاني في سنة 425 الهجرية، اي ان واجب خاموش كما كان من الحنبليين المتشددين هو المراقبة و الحفاظ على تلك الظروف الثقافية التي نتجت بالقتل و الحرق العسكري، وهنا يجب ان نقول ان ظاهرة حرق الكتب المذهبية والدينية للمناوئينهو ظاهرة تاريخية قديمة و استخدمها باستمرار التيارات الدينية و الايديولوجية المخالفة و المناوئين ضد البعض باستمرار.
في الاسلام ايضا, ان عادة حرق الكتب و اتلاف النتاجات الفكرية كانت عادة اخرى للصراعات، ما يفرق المذهب الحنبلي وفتاويهم عن الاخرين في هذا المجال، له علاقة مع ثلاث نقاط رئيسية؛ اولا: لها علاقة مع الهوية الدينية و خصوية المذهب بذاته، اي اعتمادهم على الحديث و النص القرآني و المنطق و العقيدة التوحيدية في حروبهم تلك، و هذا منطق ديني قوي و المؤثر كثيرا في الفضاء الاجتماعي و الديني للمجتمع الاسلامي، لان وفق عقيدتهم، ان النص لم يُبق شيئا لم يقله و لا يحتاج شخص مسلم الى نصوص اخرى خارج تلك النصوص. الخصوصية الثانية: خصوصية حرق كتب المناوئين من قبل الحنبليين، وجاء ايضا من دعم السلطة و استخدام كافة قدرات الدولة للعثور على تلك النتاجات الفكرية الفلسفية المختلفة و الشيعة و المعتزلة و كافة التيارات الدينية الاخرى و حرقها و مطاردة الكُتّاب و تلك الاشخاص الذين حافظوا على تلك الكتب. الخصوصية الثالثة، هو ما يبين هنا حقد الحنبليين للكتاب، وهو كثرة و تنوع تلك النتاجات الفكرية، التي كانت تستحق الحرق عند الحنبليين، وكان هذا عندهم من الواجب ان تحترق كافة الكتب الدينية الاخرى، من كتب الكيمياء و الفلك و الفلسفة و الكلام و الشيعة و التصوف و الاشعرية و المصادر الفكرية لمناوئيهم بشكل عام. لذا حرقُ كتب المناوئين و المعروفين باهل البدعة عند شخص ك( ابن القيم) الحنبلي المعروف و التلميذ و الصديق القريب جدا لابن التيمية، فهو واجب ديني مقدس. هذه الشخصية في كتاب ( الطرق الحكيمة) عنون قسم خاص حول كتب الضلالة و اتلافها، و هو يستند في هذا القسم على فتاوي احمد ابن الحنبل, فيقول ان حرق كتب المناوئين لاهل الحديث ليس بجريمة و لا تقع عليه عقوبة و مسائلة و انما هو واجب ديني، و حتى بعد ينقل العديد من الفتاوي و مواقف الكثير من الجنبليين حول ضرورة حرق كتب اهل الكلام و البدعجية، يقول اتلاف تلك الكتب اكثر ضرورة من تدمير الالآت الموسيقية و اللهو و كسر جرات الخمر، لان اضرار الكتب اكثر من تلكم و ليس لها اي تعويض، كما ليس هناك اي تعويض لجرات الخمر (48).
فبهذا الشكل ، ان حرق الكتب و ان لم تكن ظاهرة خاصة بالحنبليين فقط و لكن بدون شك انهم اشد تيار ايديولوجي آمن بشكل تام بحرق الكتب و اتلافها، مثلا ان الخليفة العباسي المعتضد و هو نسل المتوكل الحنبلي ، امر بانه لا يمكن لاي شخص ان يبيع اي كتاب فلسفي و لاهل الكلام، الخليفة المعتضد بذاته قتل السرخسي الفيلسوف و طبيبه الخاص بتهمة فلسفته و سوء عقيدته. عندما سُئل انك بعت كتب الفلسفة و الكلام، فرد انني لدي كتب الشريعة و الحديث فقط، و لكن الخليفة لم يصدقه. لذا قال له؛ لانك لك خدمة مسبقة في القصر ، فكيف نقتلك؟ انه طلب ان يسكروه و يربطوا يديه بشدة الى ان لم يبق في جسمه الدم و يجف( 49) وبه سيطرت عليه الاصفرار و جنّ جنونه و بدا يصرخ، بعد ذلك ضرب راسه بالجدار و هرب من شدة الالم، الى ان مات، و حصل هذا في عام 286 الهجري. و بالشكل ذاته توفي ابو الوفاء ابن مرخم، في عام 555 الهجري. عندما اصبح قاضيا في بغداد، و بسبب اهتمامه بالفلسفة، قُبض عليه بامر الخليفة و صودر امواله و املاكه و كتبه و حرق ما كانت لديه من كتب فلسفية، ككتاب الشفاء لابن سيناء و رسائل اخوان الصفاء، و من ثم سُجن ( 50) .