افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها ( 106)

عماد علي
2019 / 4 / 13

في تلك المحتوى، فان هذه العقيدة عبارة عن تكفير الفلسفة و الشيعة و المعتزلة و فرض عقيدة اهل الحديث على المجتمع، اي العقيدة السلفية. ابن لجوزي يروي قصة فرض هذه العقيدة بهذا الشكل؛ في سنة الاربعمئة و الثمانين الهجرية، فان امير المؤمنين توًب الفقيه المعتزلة الحنفية، لذا؛ فانهم تابوا و تبرءوا من الاعتزال. و من ثم منعهم من قراءة الكلام و الحوار حول المعتزلة و رفض الكلام المخالف مع الاسلام، و اخذ التعهد منهم ان انحرفوا عن هذه العقائد فانه يفرض عليهم الاستهانة و العقوبات ليصبحوا عبرة لامثالهم, و بعد ذلك يقول، و اصبح هذا امر الخليفة لجميع اصحاب السلطة في ادارة الخلافة حول قتل المعتزلة و الشيعة و الاسماعيلية و القرامطة و الجهمية و صلبهم و سجنهم و نفاهم، و كذلك امر بان يُلعنوا من منابر المساجد و تُبعد اي مجموعة من البدعجية و يطردوا من بيوتهم ومن ثم اصبح هذا قانونا في الاسلام ( 42).
و بهذا الشكل فان سلطة الخلافة الاسلامية و في فترة اكثر من ثمانين سنة، فرضوا بكل قدرتهم العسكرية و موقعهم الديني العقيدة الحنفية. سبب اخر لنمو العقيدة الحنبيلة هو اظهار و بروز الجنبل بنفسه كضحية و بطل في عصر المامون، الذي من المزعوم انه قُمع و ضُرب و سُجن, بدون شك فان هذا قد منح طاقة اخرى لمؤيديه للدفاع عنه و تصوره كضحية ( 43), وبهذا اُضيف عنصر اخر الى ذلك المذهب و هو عنصر عطف الجماهير بتصور ذلك المذهب عن طريقشخص مستضعف، ان هذه الخصوصية و كما هي تمنح الاحساس بالشفقة و تصور الحنبلي كضحية، في الوقت نفسه يقوي هذا و يشدد من غضب و حقد مؤيديه للمذهب و اتجاه مناوئيه، وبالاخص المعتزلة التي اعتبروا المتهم الاول لعقوبة و سجن احمد ابن حنبل، بعد ذلك، بمجيء ابن التيمية في القرن الثامن الهجري، فان هذا المذهب صور نفسه كمذهب حقيقي حقيقي للاسلام. وصل هذا التيار النقلاني لاهل الحديث بمجيء ابن التيمية ( 661 الى 728 ه) الى القمة، و عليه فانه سُمي ابن التيمية( بمجدد المذهب الحنبلي في القرن الثامن) (44).
لابن التيمة التاثير الكبير جدا في الثقافة الاسلامية، و بسبب قدرته و كفائته و كثرة نتاجاته و تنوعها، و بشكل خاص ان كتاب (الفتوى) في بعض طبعاته يصل الى حوالي اربعين مجلدا و لم يبق شي لم يُفت عليه و لم يواجهه باشد طريقة و هو مدافع قوي عن المدرسة السلفية الدينية. عدا ذلك، فان عصر ابن التيمية و هو عصر ظهور المغول و سقوط الخلافة الاسلامية، عصر مليء بالفوضى و التعقيد. عصر مقاومة المحتلين و القتل و الخراب الكبير على يد المغول، في ذلك العصر قاوم ابن التيمية بقوة ذلك الاحتلال و شجع المسلمين للتجمع حول الايديولوجيا الحنبلية السلفية و الجهاد ضد المغول.
هنا يعتقد ( المقدسي) كمختص لهذا المذهب ان تسيّس الحنبلية هو الابتعاد عن الحنبلية، و هذا في طبعه البدائي يعود الى ابن التيمية. و من هنا فان الحنبلية تحولت من تيار مذهبي سلفي مغلق الى حركة ساسية جهادية، كل اولاءك و اسباب اخرى جعلوا الحنبلية لم تظهر كمذهب مماثل للمذاهب الاسلامية السنية، و انما ظهر و عرف نفسه كطريقة وحيدة للعبادة و منهج المسلمين، كما كان الشفعي الذي وضع نظام انظمة الشريعة الاسلامية، فبالشكل ذاته ابن الحنبل وضع نظام الانطمة لاهم قسم ديني و هو العقيدة او المباديء.
عدد من الامثلة لتاريخ المجزرة العقلانية
هنا نظرح فقط احد امثلة تاريخية ماسآوية للحياة الفكرية العقلانية في عصر تمخض الخطاب السلفي الحنبلي، اي قرن الرابع و الخامس الهجري، الذي تمكنت فيه المباديء الحنبلية و بدعم من السلطة السياسية العباسية و بعملية طويلة و في مدة اكثر من مئتي عام ان تُنهي الحركة العقلانية الاسلامية، و كما سمى الجابري تلك الحركة بحركة التفكير بالعقل في العقل, و هي قصة قصيرة لشخصية حنبلية متشددة في القرن الخامس الهجري، و هو شخص اسمه ابو اسماعيل الهروي( 396 / 481 ه) ( 45) في الكتب الخاصة بسيرة حياة و تاريخ الشخصيات الاسلامية يروون عنه، بانه ذهب مرة الى خراسان لزيارة( ابي حسن الخرقاني)، و قبل رجوعه، رغب ان يزور (ابي حاتم خاموش) فقيه مدينة ( ري) القريب من طهران اليوم، عُينت هذه الشخصية قاضيا من قبل السلطان محمود الغزنوي. ( ( و بعد ان قُتل و هُلك الباطنيين ( الاسماعيلية و اهل الكلام بشكل عام) من قبل السلطان. و هذا بامر الخليفة القادر بالله و وفق المباديء القادرية، كما رايناه بالشكل السابق عندما يروي ابن الجوزي، وفي نهايته يقول ( اصبح هذا قانون في الاسلام) و ان احد اصحاب السلطة التي يسميهم و هو من نفذ ذلك الامر، هو محمود السبكتين، اي محمود الغزنوي، كان واجب الخاموشي القاضي و بامر السلطان ان يكون ( اذا ذهب اي شخص الى (ري)، يجب ان يوضح له عقيدته و مبادئه، ان قبلها فان له ان يخطب امام الناس، ان لم يقبل بها فلم يكن له ان يقول او ينطق اي شيء (46), والمقصود من هذا ( التوضيح) لعقائد الناس، كانت عبارة عن المقارنة مع عقائد الخليفة القادري، و من ثم يقول ابو اسماعيل: عندما اقتربت من ( ري) جاء شخص و سال عن عقيدتي، فقلت، انا جنبلي، قال الشخص انني لم اسمع بذلك المذهب، انه بدعة. لذا صفد معصمي و اخذني الى خاموش. بهذا الشكل اخذ الشخص ابو اسماعيل عنده و قال سالت منه عن مذهبه، انه ذكر مذهبا الذي لم اسمعه ابدا، خاموش ساله ماذا قال؟ قال الشخص يقول: انا حنبلي. قال خاموش: اطلقه، من لم يكن حنبلي ليس بمسلم.
هذا الحادث هو بداية عملية فرض المباديء الحنبلية في قلب حغرافيا الشيعة و الدين الايراني القديم و مجموعة المعتزلة، بعد هروبهم من بغداد و نقل نشاطاتهم الى المناطق النائية لمركز الخليفة، انه يُظهر تلك الصورة من الارهاب الفكري و فرض العقائد المذهب السني و فق الايديولوجيا الحنبلية، التي رسمتها الحنبلية و بدعم السلطة السياسية بشكل علني.
في هذه الرواية تُعاد عدة جوانب من حديثنا السابق، اولهم ان الحنبلية لم تظهر نفسها كمذهب اسلامي موازي للمذاهب الاخرى في اي وقت، و انما عُرفت كتفسير وحيد و تحليل حقيقي للاسلام، وحتى ان لم تكن هناك اشارات الى بعض المصادر التاريخية، لم نعلم بان كاتب البرنامج العام للعقيدة القادرية هو الحنبلي، مع ذلك ان في جانب المحتوى، ان هذا البرنامح العام للارثودوكسية هو نسخة من عقيدة احمد ابن حنبل. لذا فان وجود شرطي عقيدة اصحاب السلطة لم يكن عصرا لبداية للجنبلية، ولكن بدون شك كان يعرف ما الممنوع و ما المسموح. ثانيا: وفق هذه الرواية فانة ما اوصىبه خاموش هو واجب مراقبة عقائد االناس الاخرين من قبل السلطة الغزنوية، التي كانت دولة تابعة للخلافة العباسية التي تاسست في عصر ظهور القادر بالله. وفق هذا النص و بعد قتل المناوئين للعقيدة الحنبلية التي كانت ايديولولجيا الدولة العباسية في المرحلة الثانية، اي منذ مجيء المتوكل، فابتدا عصر الحرب الفكرية، و ان كانت خطة لهذه الحرب هي منع العقائد المناوئة و المراقبة و المسائلة على العقائد، مثلا ابن الجوزي في حوادث عام (420 ه) يروي لنا انه في تلك السنة وصلت رسالة من قبل السلطان محمود الى الخليفة القادر بالله، يُذكر فيها عن القتل و الفناء و حرق كتب الشيعة و المعتزلة في تلك المنطقة، لانه اصبحت منطقة ( ري) في ذلك العصر ملجئا للمعتزلة البدعجية و الشيعة المتطرفين، لذا ان جيشه هاجم تلك المنطقة و صُلب و عُلق المتهمون على شوارع المدينة ( اي مدينة ري) و نُهب اموالهم واملاكهم. و عندما صودرت اموال قائد هؤلاء الكفار ( المعتزلة و الشيعة)، فاخذوا الاموال و الثروات كبيرة كغنائم.
في اطار تلك الغنائم، يتكلم عن ( خمسون حمولة) كتاب، عدا كتب المعتزلة و الفلسفة و الشيعة. ثم يقول، اُحرقت هذه الكتب تحت جذوع تلك الاشجار التي صُلبت البدعجية عليها. و بهذا ، بعد هذا نظفت هذه المنطقة من مروجي الباطنية وا لمعتزلة و الشيعة ( 47).