عصرنة الفهم الديني ج1

عباس علي العلي
2019 / 4 / 13

عصرنة الفهم الديني ج1


لا شك أننا في عصر التحولات الفكرية الكبرى وتبدل المفاهيم تبعا لتلك التطورات الكونية لم ينجح الى حد ما في تخلي الإنسان عن ارتباطه بالدين ولا عزله عن تأثيراته المتجذرة في وعيه ولا وعيه الدفين، ولا نجح أيضا في تجديد فهمه الكلي للدين بكونه معرفة بشرية أرتبطت تاريخيا بوجوده وصاغت له حضورا عميقا في الذات الإنسانية القابلة بالقوة أن تستجيب للوازع الروحي فيها، وبقي هاجس الغيب ومشاكل الارتباك من المواجهة مع الحقيقة التي أفرزنها التحولات وقادت إلى تعرية العقل البشري من الكثير من المسلمات أو النتائج التاريخية هي السمة الحرجة التي تقود العالم المعاصر في الجانب البعيد من شخصية الفرد والمجتمع، كما قادت الحاجة إلى فهم أخر لكل ذلك تتحرك بين الضرورات والحتميات مرة وبين التأجيل وأنتظار ما يمكن أن تنتجه عملية التحول التي لا بد أن تأخذ زمنا ما لتثبت خيارات الإنسان، وتبقى الأفكار السليمة والعملية عاجزة عن إحداث التغيير المطلوب دون ترجمة واعية تتحسس كامل منظومة التحول وبمنهجية عقلانية لا تبني مشروع ناجح أو مؤهل للتطبيق ما دام هناك حاجة دائمة للجديد.
هذه النتيجة قد تكون أكثر عمقا وأزمة في المجتمعات التي يشكل الدور الديني فيها المحرك الأساسي لنمط العلاقات البينية والبنيوية فيه ويلعب دور الفاصل في رسم سلوكيات العقل تجاه وجوده وتجاه فهمه للزمن والحركة السيرورية، في هذه المجتمعات هناك حراك وتناقض في أتجاه التجديد والخروج من دائرة الأزمة والتخلص من أثار التراثية والتاريخية المستحكمة فيه، لكن الإشكالية التي تحد من تأثير هذا الحراك والتناقض لا تعود لقوة الدين فيه وإن كان يبدو ذلك للقارئ الفوقي، لكن وجود قوى داعمة ومتمسكة بالأصولية والهوية الدينية تتسيد قوى العلاقات الفوقية وتقدم مفاهيمها من خلال أليات ومناهج تقصي الإنسان من وعيه المتطور والضروري، هي التي تحاول تأخير ظهور إرهاصات التفاعلات الحاسمة لمرحلة التجدد والتطور والأنتقال من مجتمع الرمزية والقداسة المتوارثة إلى مجتمع الفعل والتماهي مع حركة الزمن ضمن أطار التحولات الكبرى التي تصنع عالم اليوم وتؤسس لعالم الغد.
لا يمكن إذا القفز من فوق وقائع الواقع وإشكالاته بطفرة حادة وغرائبية عنه قد تأت بنتائج غير متوقعة أو تعود لتنتكس حركة التجديد بقوة الراسخ الفهمي، كذلك لا يمكن البقاء في دائرة تأثير الواقع والانصياع له بحجج منها ما هو يرسخ مفاهيم إنهزامية تعود بنا القهقري، ومنها ما هو يرسم لنا أوهام من الخشية والخذلان من نتائج المواجهة بأعتبار أنها محسومة سلفا مبنية على أن الفكر الديني كونه مصدره الله الذي هو رسم حركة الوجود فهو الذي يعلم النتائج سلفا ويعلم العواقب، وبالتالي فالحركة ليست بيد الإنسان بقدر ما هي سيرورة ربانية تحدث بعلاتها وأسبابها التي يريدها الله، فلا مجال إذا أن ندير ظهرنا للمصدر الأساسي ونتمسك بفعل ونتائج عقل الإنسان القاصر والمتواضع في إدراك العلل والأسباب والنتائج البعيدة التي يريدها الله ورسمها مسبقا لنا.
بين متطلبات الضرورة للتحول وبين فهم مستلزمات وأساسيات التحول والتجديد يحضر عامل مهم ووسطي بين الدين والإنسان وبين الإنسان ووجوده، هذا العامل البشري هو رجل الدين أو العنصر الناقل الذي يمكنه أن يحمل الفهم الضروري والحاسم في مرحلة التغيير ويقدمه كحل وليس كأزمة تحيط بالإنسان وتحبط سعيه للتجديد، هذا العنصر والذي يمكن من خلاله وبه وعبر أليات ممنهجة وإرادة في التغيير أو البقاء على ما هو مستحكم بالواقع سيكون المحور الذي يحدد أتجاهات الفهم الديني بهذا الاتجاه أو بذاك، بمعنى أخر إذا أردنا أن نتحول ونتغير ونجدد من واقع العلاقة بين الإنسان والدين لا بد من تجديد هذا العنصر (وسائل وإدراكات ومناهج من خلال رؤية متكاملة)، هذه الرؤية شروطها الأساسية أن تقرأ الواقع جيدا الذاتي والموضوعي وأن تتوفر على قدر عال من المنهجية المتكاملة التي تشرك في رسم رؤيتها بين التجربة البشرية عموما وأسبابها وعواملها الصانعة وظروفها، وبين تجربة الدين والمجتمع ذاته ثم تحاول أن ترى من منظار بانورامي لقضية التجديد مستعينا بكل ما هو متوفر من تقنيات الإدراك والوصول للحلول المثالية.
إن ما يطلق عليه اليوم بعصرنة الفهم الديني أو محاولة نقل الدين بمنظومته الفكرية كاملا إلى أجواء العصر الحديث ومتطلبات التحول الكوني في العالم، وإن كان مشروعا خلاقا وحلا جذريا لإشكاليات انقطاع الزمنية فيه ومراوحته في حيز التاريخية وأحكامها، يبقى هذا الحلم البشري مجرد شعارات تبحث عن ترجمات واقعية ومحاولات علمية وعملية تحقيقها مرتبط بالزمن حتى تجد المفتاح الأساسي وهو العنصر الناقل الذي يقدم المشروع برؤيته التي تكلمنا عنها، إذا العصرنة المطلوبة لا تتعلق بالدين حصرا وإجباره بالقوة أن يكون عصريا من خلال الإخلال بجزء من منظومته الفكرية وتجزئتها التي نعدها وحدة متكاملة ومترابطة وبنسق واحد موحد، بقدر ما تتعلق بعصرنة الإنسان ذاته فهما وإدراكا ورغبة وسلوكيات تحاول أن تتقرب من متطلبات العصر وقوانينه، دون أن يتقاطع مع أساسيات الجزء الروحي فيه الذي لا يمكن أن يشغله طبيعيا إلا الدين وأجواءه.
العصرنة تبدأ أصلا من التغيير البنيوي في معالم النظام العقلي للإنسان وطرائق التفكير فيه، وعدم حصره في نطاق زمني أو حالي كخيار وحيد ونهائي ومغلق على أساسياته ومبرراته، أو ربطه بثوابت ومقدمات جامدة ولا مناهج مقدسة أو أليات لا تتغير ولا تتجدد تبعا لما يتكامل فيه العقل الإنساني بمسيرته نحو مستجدات تتغير بطبيعتها دون أن يستطيع الإنسان وقف هذا التطور أو الحد منه، لأنه أولا وأخيرا جزء من دائرة تنفعل وتتفاعل وتستجيب بقوة الفاعل المحرك الأعظم في الوجود وهو قانون السببية والعلليله الأول، قانون أن الوجود متحرك بفعل القوة الجوهرية الكامنة والظاهرة والتي لا تتوقف لأي فترة زمنية ما طالما أن في الوجود طاقة بشكلها المعروف أو بشكلها المتحول، هذا القانون الأزلي الدائم لا يتوقف ولا ينقطع ولا يمكن إثبات نقيضه أو تناقضه.