المغالاة في الإنسانية

ميلاد سليمان
2019 / 4 / 12

من المتعارف عليه حول العالم، في مجال الجنس مدفوع الأجر، أن العلاقة الجنسية بين الطرفين، الزبون والشخص اللي بيقدم له/ لها الخدمة (انثى / ذكر)، أن الموضوع بيولوجي أدائي بحت، على أد الوقت اللي حضرتك بتدفع ثمنه وانت داخل من باب الشقة، بالتالي بيتم تجنب حدوث أي مشاعر تواصلية مبالغ فيها بين الطرفين، من شأنها تعلق احدهما بالآخر، لأنهم عارفين انه أمر مؤقت عابر، وكل طرف له حياته الخاصة لما يخرج من الباب، بعيدًا عن سياقية الغرفة اللي جمعتهم سوى. وحتى هنا في مصر، وحسب دردشتي مع بعض الأصدقاء اللي خاضوا تجربة الذهاب لشقق المتعة المدفوعة، بعضهم قال "وانت رايح بيكون معاك بس الفلوس اللي هتدفعها... والأكل والشرب اللي انت هتاكلهم أصلا، وهي ممكن تاكل معاك، ولو حبيت تاخد معاك سجايرك وبيرتك وحشيشك لك كامل الحرية، المهم وانت داخل بتسلم موبيلك على الباب براا أو في الاوضة جوا هي بتاخده منك تقفله وتشيله في الدرج"، بالتالي ممنوع ضمنيًا تدي البنت هدية... او تاخدوا ارقام موبيلات بعض... أو تتقابلوا خارج الاطار اللي كل شخص عارفه وبيعمل بمقتضاه.

ولكن... واحد صاحبي، في احد جلسات الفضفضة المحاطة بالدخان الأزرق، حكى انه راح أحد شقق المتعة في منطقة فيصل، وجرّب العلاقة مع اكتر من بنت هناك في نفس الشقة في كل مرة بيروح فيها، ولكن فيه بنت معينة حس بارتياح ناحيتها، وتوافق جنسي معاها اكثر من غيرها من البنات - حسب كلامه - وبقى في كل مرة، لما يروح هناك، يختارها هي بالاسم، وبغريزة الانثى المتدربة، لاحظت البنت ميل الزبون وشغفه، ولاحظت كمان ان جيبه ماليان، فقالت ليه لأ.. ما تستغله، وفي مرّة على السرير، اظهرت انها متضايقة ومخنوقة لسبب ما، وهو لاحظ انها بتمارس من غير نفس وباصة للسقف ومش في المود، ولما سألها، دخلت في نوبة من النشيج والنحيب والبكاء واللطميات على امها المريضة اللي بسببها اشتغلت الشغلانة دي، وانها "مش لبووة ولا شرمووطة... دي خريجة كلية قمة وبتقدير كمان.. ولكن اللي هتاخده في الشقة في يوم ااد مرتبها في 3 شهور"، ورغم ان صاحبي متابع شرس للأفلام العربي الساذجة وقصص المراهقين في منتديات نسوانجي، ولكنه وقع في الفخ المكشوف، واصيب بارتخاء فوري، وقام لبس بنطلونه وفضل يهدي فيها ويطبطب عليها في حنو، واداها فلوس - كمساعدة - اكتر من الفلوس اللي كان دفعها للمعلمة على الباب وهو داخل!! ونزل يومها من هناك وهو حاسس بهالة نورانية سماوية تحيط برأسه، وأن كل حاجة يلمسها لونها هيتغير وموسيقى كوري بايقاع بطيء شغالة في الخلفية، وتخيل انه اتكتب له نخلة وقصر وكارتونة زيت جونسون اطفال في جنة الديوريكس العليا.. لحد هنا تخلص القصة.. لا طبعًا.

مع الوقت، صاحبي تقمص دور الطبيب النفسي، وتخيل على صدره عشرات الأوسمة والتكريمات التي لا يراها إلا هو، واصبح في كل مرة يروح فيها الشقة، يجلس على السرير، بكامل ملابسه فقط ليستمع لبكاء البنت ومشاكلها -الاجتماعية والفكرية والنفسية والجسدية والسياسية والدراسية - وكأنه هيكتب عنها رواية أو بحث حالة، لكن الفرق هنا أنه بيدفع عشان يسمع، جيئة وذهاب في دهاليز وخبايا الذاكرة، منذ أن وعت على الدنيا وحتى هذه اللحظة، لدرجة ان مبقاش فيه اي علاقة جنسية بيقوموا بيها، فقط يقفلوا الباب، وتنام على رجله وتفضل تعيط بحرقة وهي بتحكي عن مشاكلها في البيت مع امها، واخوها اللي بيعتدي عليها جسديًا وجنسيًا، وخطيبها اللي نصب عليها في مبلغ وقدره واختفى، وشغلها القديم اللي رفدوها منه عشان واجهتهم باختلاسات بتحصل من الخزنة، وهو بدوره يسمع ويطبطب ويحاول يقترح لها خطط وبدائل وطرق للحياة بشكل افضل، ومن كثر ما اتعلق بيها بقى يروح هناك اكتر من مرّة في الشهر، واضطر ينزل وردية زيادة في شغله عشان يقدر يملك قدر كافي من الفلوس لهذه المهمة النبيلة!!.