قصة هزيمتين .. الهزيمة الثانية (3)

جعفر المظفر
2019 / 4 / 12

.
قصة هزيمتين .. الهزيمة الثانية (3)
جعفر المظفر
بعد صدام تأتي قصة المالكي وضياع نينوى. ولكي تكون هناك مقارنة عادلة فيما يتعلق بأسباب الهزيمة وتأثير شخصية كل من الرجلين ودورهما في صنعها علينا أن نتذكر أن هزيمة صدام في الكويت قد تمت على أيدي تحالف دولي طويل عريض قادته أمريكا وشاركت فيه معظم دول العالم, أما الهزيمة في نينوى فقد تمت على ايدي مقاتلي داعش الذين قيل أن عددهم لم يكن تعدى الألفين, لكن الذي كان يجمع بين الهزيمتين أن الجيش في الحالتين لم يحارب وكأنه لم يعتقد بوجود قضية يحارب من أجلها.
صحيح ان هناك أسباب متعددة ومركبة يجب التفتيش عنها لتفسير هزائم كبيرة بهذا الحجم لكن ليس من الجائز مطلقا نسيان عامل الإيمان بوجود القضية التي من شانها أن تقنع الجندي بالدفاع عنها حد الموت والتي بغيابها يكون الفرار هو القضية.
إن قوة ذلك الجيش وإندفاعته في الحرب العراقية الإيرانية لم تكن تأسست بعيدا عن كاريزما قائده ودولته, فلقد سبقت تلك الحرب إنجازات سياسية وإقتصادية ووطنية يتقدمها تأميم النفط والحكم الذاتي للأكراد وبناء البنية التحتية لصناعة واعدة تحدثت عنها التايم الأمريكية في واحدة من أعدادها لعام 1976 قائلة أن بوسعها أن تحول العراق بعد عشر سنوات إلى دولة من دول العالم الثاني. ولم تكن تلك الحرب جرت بمعزل عن ثقافة تاريخية ومعاصرة تتحدث عن اطماع إيرانية بالأراضي العراقية, وهل يمكن التغاضي عن معنى أن يحارب جيش أغلب جنوده من الشيعة ونسبة ملحوظة من ضباطه أيضا الدولة الإيرانية بكل التضحية دون أن يمر ذلك من خلال التاكيد على وجود قضية تشكل عماد الصمود في تلك الحرب .
لكن المعادلة بعدها سرعان ما تغيرت.
في حرب الكويت فَقدَ صدام كلَّ ما كان وقف إلى جانبه في الحرب ضد إيران. لقد فقد القضية مثلما فقد كاريزما القائد الوطني, ودخل معركته بجيش متعب كان يتهيأ للعودة إلى داره فوجد نفسه فجأة ملقى في الصحارى في مواجهة أعتى دول العالم واشدها قوة, في الوقت الذي كان يشهد بعينيه غزوات العيال (الذين كبروا) يتقدمهم عدي وقصي وحسين كامل وأسماء الجيل الثاني من عائلة بدوية كبرت وتعسفت وإستولت على الدولة وأفقدتها قضيتها الاساسية التي من شأنها أن تُفعِّل وتُشغِّل صموده على جبهات القتال.
لهذا بدت المراهنة على النصر مستحيلة, ولم تعد قضية المجابهة تُحْسب بوجود مراهنة عراقية لكسب الحرب بل أنها كانت حسبت بإتجاه أن لا تقع الحرب اساسا, اي أن صدام كان قد راهن على إمكانية ان تتردد أمريكا في خوض مجابهة عسكرية ورأى أنها ستكتفي بالتهديد مشلولةٌ بفعل وجود رأي عام أمريكي حكومي وشعبي كان قد تنامى بعد الهزيمة في فيتنام ضد دخول أمريكا في حرب جديدة من شانها أن تزيد من أوجاعها التي لم تكن قد تجاوزت آثارها النفسية والمادية بعد. إضافة إلى حسابات أهمها خطورة إشعال منطقة الخليج بحرب كارثية, وهي منطقة هشة قد تتعرض فيها المصالح الإستراتيجية إلى خطر من الصعب تلافيه.
في نينوى, وبحساب العوامل الفنية للمعركة بدا الأمر غير معقولٍ على الإطلاق. وبحساب كذاك : لم تبدو الهزيمة أقرب للمستحيل بل لعلها كانت هي المستحيل بعينه. إذ لم تكن هناك ثلاثة وثلاثون دولة بل كان هناك ألفان من مقاتلي داعش وبتسليح خفيف لا يساعدهم على التغلب على قبيلة ! فكيف بجيش وقوات شرطة وأمن ذُكِر أن عددهم كان قارب المائة وخمسين ألف ؟!.
كل العوامل التي ساعدت على الهزيمة كانت هناك. أول تلك العوامل وعلى رأسها : أن الجيش لم تكن له قضية يدافع عنها حد الموت كتلك التي كانت له في الحرب مع إيران. بل لعل الوطن كان تجزأ في تصوره إلى شيعة وسنة, أما الدولة الوطنية الموحدة فقد راحت وبقي ظلها فقط.
وأما أولئك الموصليين فهم إن لم يكونوا أعداء فليس بالوسع حسابهم أخوة. ولم يكن شعور الموصليين قد إختلف عن شعور جندي من الجنوب يقف في إحدى نقاط التفتيش, ففي النهاية كان الوعي الشعبي العام قد تكيف بإتجاه تبني عقيدة الرأسين المتصارعين, وقد زاد عليه في الموصل وجود جيش محسوب على الطائفة الثانية وكأنه جيش لدولة أخرى, أي جيش إحتلال.
لكن ليس هناك ما يشير أن الأهالي هناك كانوا ثاروا بدايةً أو تعاونوا عسكريا مع قوات داعش, إلا من العدل أن يقال أن الأهالي قبْلَ الإحتلال الداعشي كانوا خضعوا إلى خوفين وإلى إبتزازين.
داعش كانت ترهبهم ليلا وتفرض عليهم الخاوات, وبعض ضباط جيش المالكي كانت لهم أيد طويلة لتحصيل الضريبة نهارا وكأنها ثمن حماية. أما بقية الجيش من الجنود فالناس على دين ملوكها, وفي أفضل حالاته كان الجندي (الشيعي) البسيط غير قادرٍ على أن يخرج من المشهد الطائفي العام الذي رسمه قائده المالكي وصحبه من الإسلام السياسي الشيعي حينما أكد على أن المعركة صارت بين الحسين ويزيد, ولم يكن الإسلام السياسي السني حتى ذلك المعتدل بأفضل حالٍ من الإسلام السياسي الشيعي, إذ كان الطرفان رأسين لقضية واحدة هي الطائفية التي كانت توزعت على فرقتين.
الواقع أن الألفين داعشي لم يكونوا وحدهم من إنتصر على جيش المالكي العريض الطويل, إذ يصح القول هنا أن قوات المالكي كانت هي التي (إنهْزَمت لداعش) بدلا من القول أن هذه القوات كانت قد (هزمتها داعش). وفي ساحة معركة كتلك فإن من الخطأ البحث عن مُنهزمٍ أو مُنتصرٍ ثالث من بين الأهالي, لكن دون أن يعني ذلك عدم وجود إنحيازات لداعش من بين صفوف الأهالي لأسباب يتعذر هنا حصرها لكن دون أن يفوتنا التنويه أن هذه الأسباب ومهما بلغت أهميتها أو عددها فسوف تظل تتحرك في خانة التفاصيل التي كان قد أنجبها خلل على مسوى المبادئ.