عافية الرباب : ضوء أزرق .. الشاعرة بلقيس خالد (دقيقتان... دقيقة واحدة)

مقداد مسعود
2019 / 4 / 12

عافية الرباب : ضياءٌ أزرق
1-3
بلقيس خالد في (دقيقتان ..ودقيقة واحدة)
مقداد مسعود

كل حراثة جديدة هي مغامرة، تستفز الثابت المتغلغل في وعي العامة والخاصة / القارىء بتنويعاته: سينبذ الجديد حتى لا يقلق طمأنينة التلقي لديه.القارىء النوعي سيتحاور مع الجديد بتأن ٍ، القارىء الساذج وهذه النوعية تشمل حتى من لديهم مؤلفات ومنصات شهرة: سيضع الجديد أمامه ويحاكيه خطوة ً خطوة ً، وسيتلقفه تلقف الكرة َ ناقدٌ كبير السن والمكانة،وهكذا تحاصر تاء تأنيث الشاعرة من الجهات الست، من قبل فحولة خاوية المنطق .
(*)
الناقد الذي يعيّن نفسه قيّما مطلقا على المفهومات. ويقيس الأجناسية الصادمة لقواه العاجزة، بالشبر والذراع، ويتلفت يمينا ويسارا وهو يخطو نقديا، وسبب التلفت حرصه الكبير أن لا تتخلى عن حضانته/ حصانته أنظمة الوعي الجمعي المؤسساتي، وفي الوقت نفسه ينتظر أن تكون المبادرة من غيره، ثم يقود الموجة حين يتحول المفرد فريقا. وهذا يعني أن النقد الأدبي تفوق في تزمته على التشدد الأصولي وفي الوقت نفسه : هذا (النقد) هو أكثر تسامحا مع الذين حازوا الشهرة بالمجان: أصحاب منصات الإنطلاق الإعلاموشعرية .
(*)
ضمن حقبتها هي جسارة مجتمعية وشعرية: الخلخة البسيطة التي قامت بها الريادة العراقية في بحور الخليل، أقامت الدنيا ولم تقعدها فكل جديد يكون التعامل معه وفق التشدد الأصولي الديني / الأيدلوجي/ الأدبي/ الاجتماعي، الكل يرى أن عنكبوت النت جعل المعمورة قرية ً لكن الأغلبية ترفض التجاور النصي : اجتماعيا أو آيدلوجيا أودينيا أو ثقافيا، الأغلبية ترفض (التعايش السلمي) هذا المفهوم الذي روجت له قوى التحرر العالمية منذ أكثر من نصف قرن ، ونلاحظ ان هذا المفهوم استبدل بمفهوم : (التطبيع)!!
(*)
علينا أن نتخلى عن لعبة (الحافر على الحافر) التي روّج لها نقادنا القدامى، علينا أن لا نرانا عيالا عليهم، لقد بلغنا سن التكليف، إذن نستثمر منجزهم لنتحاور مع جديد منجزنا، فالأدب لا ينتج بضائع تطابق الماركة الأجنبية وإذا فعلها، أسقط هويته الإبداعية وأصبح نسخة ً طبق الأصل وهذه النسخة بلا طعم ولون ورائحة،والأدب لا يُشترط عليه أن يشتري أمتيازا من المنشأ الرئيس. .والسؤال هنا : إذا كانت الرواية العراقية محض صدى للرواية العربية والعالمية، فأين هي بصمتنا الفنية؟ أين علامتنا الفارقة ؟ أين قدراتنا بتفرداتها التي يمكنها أن تعكس تفردات المحنة والمكابدات العراقية التي لامثيل لها في تاريخ البشرية قاطبة ؟ وبأختصار أين جهويتنا الجديدة ؟!
(*)
مع (بقية شمعة قمري) تخالفَ إبداع الشاعرة بلقيس خالد مع المنجز الإبداعي السائد، ومن خلال متابعتي لمشغلها ومن خلال أجوبتها على أسئلة الحوارات التي أجريتها معها: أن محاولتها الهايكوية هي نتاج حراثة قراءات دؤوبة في منجز الهايكو الياباني الذي استغرق منها سنوات،والمنجز غير الياباني المترجم للعربية الذي كتبه الأدباء الأوربيون والأمريكان قبل أن تنشر (بقية شمعة قمري)..ومقاربات ذلك مع الدارمي العراقي .
(*)
في (دقيقتان ..) ستتجاوز بقية الشمعة، وهو تجاوز مدروس بتمهل واعٍ،خشية الطواف حول خطوتها الهايكوية الأولى، وقد استغرقت الخشية سنوات من البحث والحراثة والشطب وترك الأوراق لتجترح مسافة موضوعية بين نصها ووأنفعالت شخصها أثناء كتاباتها للهايكو. فقد نشرت (بقية شمعة) في 2011، وكانت قد اشتغلته بالتزامن مع مجموعتها الأولى (امرأة من رمل) المنشورة في 2009، ثم أرجأت نشره، حتى ترى صدى كتابها الأول، بعدها عادت للأشتغال على تجربتها الشعرية الريادية في هايكو عراقي: وبشهادة الشاعر بلقيس خالد(ولأنني أؤمن بأن سماء المعرفة تتسع بالتجدد لا بالأستنساخ أو تقليد ماهو متوفر في مجراتها الشعرية والسردية فقد أجترحت ُ لنفسي، طريقة لا أحاول تكرار كتابة الهايكو بالشروط اليابانية. ومحاولتي هذه.. مثل أي خطوة لا تخلو من تعثر،لكنها جادة في كدحها الشعري لكتابة هايكو بنفس عراقي..) إذن بلقيس خالد في محاولتها الريادية تستفيد من التجربة الشعرية اليابانية، بشرط أن تفارقها بهوية عراقية في مسراتها وأوجاعها وأجوائها، فلا يمكن أن يكون الهايكو العراقي تأمليا في ملكوت طبيعة غافية بندى الورد، كالهايكو الياباني والسبب أن حكوماتنا تكره الأمان والأستقرار للأغلبية المسحوتة / المسحوقة، وإذا إنكتب الهايكو العراقي يابانيا بشروطه وإجوائه ونكهته ُ.. كقارىء منتج أصيح ملء الصوت : إن في الأمر خيانة .للمكان العراقي والمكين .
(*)
نزهتي المنتجة ستحتوي العلامات التالية
*أهداب الكتاب
*العنوانات الفرعية
*الأنا بنوعيها
*الهوية المجتمعية
*مركزية المكان الشعري
*الجملة الهايكوية
(*)
العنوان الرئيس يتماهى مع عنوان عربي عريق والتماهي بنوعيه التكراري والزمني
دقيقتان ----------------- ألف ليلة
و دقيقة واحدة --------------- وليلة
نلاحظ أن العنوانين يشتغلان على الزمن وتجزئة العدد، إذ كان بمقدور العنوان أن يقول: ثلاث دقائق، لكنه تعمد التفريق بين الدقائق الثلاث، ومفتاح هذه الشفرة تعتمد على فطنة فعل القراءة
(*)
ترى قراءتي المنتجة، أن معظم العنوانات الفرعية، مستلة من سجايا نسيج حرير هايكوي في(دقيقتان ..ودقيقة واحدة) وهذه العنوانات تومض هايكويا وتستحق التأمل في جمالياتها التي تفتح شهية قراءة القارىء لما بعدها وهذه عينات منها :
(مليئة بالنشيج ترتفع..أسئلتي): هنا يصبح النشيج رافعة الأسئلة المتوجعة
(وحده.. الذي هجرته الأسئلة ينتظر مفتاحا) كيف يوائم جماليا هذا العنوان الهايكوي بين هذه المفردات الثلاث : هجرة ---- أسئلة --- مفتاح ؟! هذه الجملة المشفرة بشفافية، تستحق تأملا عميقا لشحنتها الجمالية .وسنتوقف عميقا مع العنوان التالي(ضيق ٌ جلد أيامنا) ونسأل قراءتنا كيف يكون للأيام جلدا؟ وكم نحتاج للغوص في شعرية هكذا عنونة لنصطاد لؤلؤا.ونسأل مرة أخرى : لماذا الريح تشاكس نايا ؟ ومن المستفيد من هكذا المشاكسة: (ريح ٌ تبعثر حلم الناي) وليس الريح وحدها تشاكس،هناك مطر ٌ عاطل ٌ في العنوان التالي (مطرٌ.. لايروي أزهار المناديل) نلاحظ أنها ليس أزهار حديقة أو... مزهرية: هي أزهار ٌ منقوشة في مناديل وهنا نلامس جمعيّ تكسير : مناديل/ أزهار،يسبقهما مفردٌ متكاثر : مطرٌ. ومن هذا الثلاثي : مطر/ مناديل/ أزهار.. كم شحنة استعارية في هذه الشفرة المكنونة في العنونة..نتوقف عند(أقطع ُ بالأنين ..صرختي):هنا نكون بين : قرار وجواب، بين علو وانخفاض وكلاهما ألمٌ مع فارق في سُلم الصوت.
(*)
تتوزع العنوانات الثلاثة ضمن التصنيف التالي :
*العنوان الوتر الجمعي:(حكايات)(إلتفاتات) (الرؤيا)
*العنوان الوتر الفردي :(وقفة)(أماقٍ)(موسم)
*عنوانات مبتدأ وخبر :(منحدرات متصدعة)(فواصل زرق)
*عنوانات شبه جملة :(ورثة الغد)(دفقة الزهر) (حمالة الرطب)
*عنوانات جمل اسمية(أسئلة : صخب الريح)( شهقة في رئة المكان)(ضيق ٌ جلد أيامنا)
*عنوانات توسعها الأفعال :(مليئة بالنشيج ترتفع ..أسئلتي)(وحده..الذي هجرته الأسئلة ينتظر مفتاحا)(ريحٌ تبعثر حلم الناي)( لاأحد يسأل عنا مثل الصباح)(أقطع بالأنين صرختي)(حيث يستفيق الصمت)(طوعا حملت إليه رسائلي)
(*)
الأنا متصلة كضمير:
ياء المتكلم : أسئلتي/ في(مليئة بالنشيج ترتفع ..أسئلتي) وكذلك (صرختي) في(أقطع بالأنين صرختي) و(رسائلي) و التاء في(حلمت ُ) ضمن(طوعا حملتُ إليه رسائلي) .. هنا على قراءتنا أن تتعامل مع ضمير المتكلم، كتعاملها مع الضمير السردي في القصة والرواية، وأن لا يتنشط عوق في المخيال ويحيل كل ذلك لذات منتجة النص، فكل منتجي ومنتجات النصوص في تماه مع الشخوص فنيا.. وليس في تطابق كلي وبهذه الطريقة نطلق قراءة غير غرضية، قراءة حراثتها إبداعيا في النص المستلم .
(*)
الأشتغال على ياء المتكلمة في الهايكوات التالية :
*لقمة ٍ لذيذة ٍ
يلتهمني
ثوبي
*لست وحدي .. وقت الغداء
أعلق ُ في المطبخ
ثوب َ أمي
فيستعيد البيت : عصافير العائلة
*كلما خبأت ُ في الألوان
سري
فضحته الثياب
*إلهي................
..................
..........
*ما أكثرهم
وما أوحدني
*يشنقني حبل المسافة
كلما
علقتُ
في
السماء
دعائي
*سريعا تنتزعه مني
صائحا بي :
لاأحب الفرحين .
*ولأنني لاأملك إلاّ وزري
طرقت ُ بابك
مطمئنة
*من أحلام تحتجزني
يحررني
العمل
*مالم استطع أسترجاعه ُ
نسيته
في منامي .
*أشغل ُ بالأحلام .. نومي
*أغلقته جيدا باب الدار
من أين يدخل ويسرق غفوتي
... الكابوس؟
*لم يخرج منها نبي
بئر عميقة
: عيني

نلاحظ من خلال ما التقطناه وهناك الكثير أن هذا الياء تعاني مكابدات شتى، وتحاول تعويض المفتقد الإنساني بالمعادل الشعري، وهكذا يكون التعويض ثمينا، وكثيفا لغويا والملاحظ أن ضمير ياء المتلك يعلن عن مفقودات كانت تمتلكها وهذا يعني أن أثناء الإعلان عنها شعريا هي في عداد المفقودات
(*)
والضمير المستتر في (دقيقتان) :
*أحتفظ ُ برائحة أرض ٍ : الضمير :أنا
*أشتهى ملامسة نجمة
تسلّق نخلة ً
وأنشغل بمذاق الرطب : الضمير : هو
*أقرأ اسم الروح : الضمير : أنا
*أزهرت وأثمرت وقطفت ثمارها: الضمير : هي
*تغادرنا ولا تشعرنا بالخسارة : الضمير هي
*لأرتكب ُ الأخطاء: الضمير المستتر : أنا
*دع : الضمير المستتر : أنت
*لاتعتلي : الضمير المستتر : أنت
*لا تضيع : الضمير : أنت
*كي لا أضيعُ : الضمير : أنا
*أضحك ُ أيضا : الضمير المستتر :أنا
*لا أدرك ُ لغتها : الضمير أنا
*أخجل ُ : أنا
*أرقبُ : أنا
*إقرأ بصمت ٍ: الضمير : أنت
*أدور حول القصيدة : الضمير : أنا
*أفشل كلما أحاول : الضمير : أنا
*تأوهت ْ ثم أنصرفت : هي
*نيرانك ِ صرخت معي : أنت ِ
*أرغب ُ بالتسلل : أنا
(*)
الضمير المنفصل (أنا)
*أنا بصرية/ أنا بصرية
(*)
ضمير الجماعة المتصل
*أتأملنا في حكاياتهم : نا/ هم
*حكاياتها : الهاء الجمعي
*ترويها : الهاء الجمعي
*صنعوا من أجلها : واو الجماعة وهاء المؤنث
*أضعها : الهاء تعود إلى شبكة لأصطياد النوم
*أسترجاعه: الهاء يعود إلى المسكوت عنه حُلميا
*أغلقته : الهاء تعود إلى باب الدار

(*)
فهرس مقترح للمجموعة، تؤثله قراءتي المنتجة، لتقوم بعدها بتنضيده وقراءته نقديا :
*الشهداء
*الورد
*البيت
*الحديقة
* البصرة
*المرأة
*موتيفات الجزيء
*حضورات الزمن
*تلمسات اللامرئي
*المتماهيات
*النص المفكر بذاته
*بلقيس خالد/ دقيقتان ..ودقيقة واحدة / دار المكتبة الأهلية/ بيروت/ 2019