افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها ( 101)

عماد علي
2019 / 4 / 11

و بهذا الشكل فان المدرسة النقلية وكما وضحها (الشاطبي) في القرن الثامن الهجري باستمرار، و كما هو اصول شخصية مؤثرة على العقل النقلي، فان وجود العقل هو لخدمة النقل فقط. هنا العقل عبد و تابع للنقل وفقط و ان النقل مرشد هنا و العقل تابع. لذا فانه لا يسمح للعقل في مجال التفسير الا بمقدار ما يسمح به النقل ( 16). و بالشكل ذاته، في نتاجه يخص تعريف البدعة و اعادة الشريعة الى اصله وفق فهم السلفي (الاعتصام)، يقول؛ نعم ان العقل ليس بمستقل و لا يكون هناك على اصل غيره و انما يتاسس على الاصل السلف المطلق ( 17). و في الدين ان اصل العقل هو النقل، مع العودة لتفسير و فهم للعصور السابقة و بالاخص زمن الصحابة.
ان ما قاله هؤلاء حول النصوص المقدسة، هو التفسير الصحيح الوحيد، و ان الاسئلة التي لم يسئلوها فان التساؤل حولها ممنوع و حرام, و بهذا الشكل و كما يقول الشاطبي في مكان اخر؛ فان اي علم لم تكن له علاقة مع حكم الشرع و غير مرشد للوصول الى الحلال و الابتعاد عن الحرام هو الابتعاد عن المنهج الحقيقي. ان اختزال العقل بسلسلة النقل، ليس في تلك المجالات التي هي نقلانية و دينية فقط و انما في تلك المجالات التي هي عقلانية بشكل تام ايضا، والتي يجب ان يكون المصدر هو النقل بنفسه. يجب ان يُقاس علم التاريخ و الطب و الفلك و البلاغة و جميع العلوم الاخرى بالنقل المقدس و يخضعوا له لان المصدر الحققي لتلك العلوم هو النقل ( 18).
كان للشاطبي كالشافعي دور في صياغة و جمع الشريعة الاسلامية، ان واجبه كنقلاني كبير هو تنقية الشريعة من بقايا العقلانية الاسلامية بعد ان مُنعت الفلسفة و الكلام بشكل قاطع، انه حاول و بكل قدرته ان يعيد مسار الشريعة الى المباديء النقلانية التي وضعها الشافعي من قبل. في هذه الفكرة النقلانية، ان كان التاويل من العقل لم يكن ملتزما و مرتبطا و عبدا للنقل، و تاويل للقرآن و الحديث و مصدر للعقل و يعتمد على النقل في منح المعنى، انه يستحق ان يُداس مع صاحبه بالارجل و كما يقول ابن القيم من اهل الحديث ( 19). وفق كوجيتو ديكارت، ان في المدرسة النقلانية( انني سلمت عقلي للنقل، اي انني مؤمن) و وفق المدرسة العرفانية ( اني لدي اللذة اي انني مؤمن)، الاول هو الاستسلام الى النص و معانيه. اما الثاني هو تسليم النص الى الوعي و التفسير، و الثالث هو تجاوز العقل و النقل الى التجربة الروحانية وفي النتيجة تذوقه. لذا ان السلفية هي الايمان بالله، و ان كانت تفاصيل هذا الايمان لاعقلاني، و لكن العقلانية هي كلام لصنع ايمان عقلاني بالله و اظهار العقيدة الدينية كمعرفة عقلانية، اما التصوف هو تذوق وجود الله، و تجريب العقائد الدينية. في المدرسة النقلانية، ان لم يسلم العقل نفسه الى النقل و المقولات المعلنة يكون عقلا شيطانيا و يمتد في الدنيا الى الفتنة و الى العقوبة في الاخرة. اي و كما انه ليس للانسان ان يزيد او ينقص في الشريعة و تنفيذ العبادات، فبالشكل ذاته ليس له الحق في ذلك على مستوى التفكير و فهم الدنيا. عندهم، فان الدين يتوقف على الايمان، ايمان بالاشياء التي يمكن ان تكون عقلانية و لا يمكن ان نعثر معنى تام لهم بالعقل، ما يقوله النقل هو الحقيقة و يجب ان يؤمنوا به دون سؤال او اي تذمر ويجب يُصمت عنه و لا يُفكر به، لذا فمادام الصحابة لم يفكروا في القضاء و القدر و كيفية الله و معاني صفاته كما هي اليد و الرجل و العين، لا يمكن للمسلم مابعدهم ان يفكروا فيه، وفي المقابل ان المدرسة العقلانية و بالاخص في مستواه اللاهوتي و الكلامي؛ كانو اولاءك الذين اعتقدوا بانه ليس للعقل اي خلاف مع النقل لكي نخاف من استخدامه في فهم النقل، قالوا كما ان العقل هو المصدر الاول للايمان بالنقل و اهي و الانبياء، فبالشكل ذاته فان العقل بذاته له الحق و القدرة على ان يشارك في عملية منح المعنى للنصوص المقدسة، بعكسه فان الشرط االول لتاسلم هو وجود العقل، و المحكومين بان يكونوا مسلمين هم من غير المجانين و الاطفال. و بهذا فان التاويل ليس بفعل عقلاني فقط و انما هو حاجة شرعية، و عليه انه يحمي وعي المسلمين من الشك و الخطا الذي يُصيب من ظاهر النص و فقدان الخبرة. اما عقل المدرسة العقلانية و نقل المدرسة النقلانية، فانه موقف ابتسمولوجي بالدرجة الممتازة في العلاقة مع الله و الوجود، و لكن عند العرفاني الاسلامي هو موقف روحاني للفرد، لذا انه يتبع اللذة و ليس الفهم بدرجة اولى، ان هذا التذوق وهو المعرفة بذاتها ايضا، فان طريقها الضلال و الفناء في الذات، ضل نفسك، فانك تجده، و كما يقول مولانا في غزل له ( انا لست بانا، و لست انا بانا ). لانه عند العرفان، فان وظيفة العقل و النقل يختلف بشكل تام عن الاخرَين، ان واجبهم هو ابتدائي و ليس بنهائي، كما هو الطريق التي تسير بها، فبدون الطريق لا يمكن ان تصل الى الهدف، ولكن الطريق بذاتها هي ليست بالهدف، في الوقت عند العقلانية ان النص المقدس هو النهاية و ليس البداية، اما عند المدرسة النقلانية، فان النص المقدس هو البداية و النهاية معا.