افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها ( 99)

عماد علي
2019 / 4 / 10

ان المصادر التاريخية تروي العديد من الاشياء الغريبة و القاسية و المتشددة من قبل هذه الخليفة و بالاخص ضد المناوئين السياسيين و المثقفين بشكل عام، و من هؤلاء الذهبي في الحديث عن سيرة حياة ابن سكيت (و هو لغوي عربي في القرن الرابع الهجري) و يسميه بشيخ اللغة العربية، يقول؛ نظر المتوكل يوما الى ابنيه و سال ابن سكيت، ايهما الاحب عندك؟ هذان، او الحسن و الحسين؟ ( ابنا الامام علي و احفاد النبي). قال ابن سكيت حفيدا النبي. وامر المتوكل الاتراك ( الذي كانوا حراسه) ان يدوسوا بطنه بارجلهم، ومات بعد يومين اثر ذلك ( 6).
و بالشكل ذاته ان الشخصية الاكثر بروزا و معروفا في العصر الذهبي لترجمة الادبيات الفلسفية اليونانية الى اللغة العربية، اُستهزء به في عصر المتوكل و مات بسبب ذلك، اوقتل نفسه؛ وهو حنين اين اسحاق. و اقدم مصدر الذي روى موت حنين، هو ابن جلجل الاندلسي، الذي عاش في اواسط القرن الرابع الهدري ( 332 الى 384 ه). كانت هذه الشخصية طبيبا مسلما في كتابه الاشهر ( طبقات الاطباء و الحكماء) و هو ثاني كتاب تاريخي طبي في الحضارة الاسلامية بعد كتاب حنين ابن اسحاق. يروي القصة الماساوية بالهم و الحزن لموت حنين ابن اسحاق في عصر المتوكل، و على لسان وزير لخليفة المستنصر يروي ذلك، و مختصره هكذا؛ كان طيفور طبيبا لمتوكل، رايى مخطوطا عند حنين و فيه صورة للنبي عيسى و هو مصلوب و حوله اشخاص، فساله من هم هؤلاء؟ فقال حنين؛ انهم هؤلاء اليهود الذين صلبوا المسيح. و يقول له طيفور ان يبصق عليهم، و يجيبه حنين بانها مجرد صورة. و عليه يذهب طيفور الى المتوكل و يافك بحنين على انه ضد المسيح، و انه لم يكن مستعدا ان يبصق على صورة اليهود، يطلب المتوكل من القساوسة ان يعاقبوه على ذلك، و عليه؛ انهم قرروا ان يلعنوه سبعين مرة امام الملأ و نزعوا منه اللباس المسيحي، و هكذا امر المتوكل ان يُبتعد من قصر الخليفة، وعليه ذهب حنين الى البيت منعكفا و مات في الليلة ذاتها. يقولون انه مات قهرا او سمم نفسه. في النهاية يقول ابن جلجل؛ هذه قصة موت حنين ابن اسحاق (7)
اما القفطي ياتي بعد ثلاثة قرون و يروي القصة ذاتها في نتاجه المشابه لابن جلجل و بتغيير قليل، و يروي ذلك كما هو؛ دون اية اشارة الى اي مصدر كان و من الممكن ان يكون المصدر نفسه لابن جلجل ( 8).
المؤرخ الاكثر شهرة و هو طبيب في الكلتور الاسلامي في القرن السابع وهو ( اصيبعة)، في كتابه الخاص حول كتابة تاريخ الطب بشكل عام، يروي انه من المحتمل ان حنين في رسالة له يتحدث عن تلك العداواة و المؤآمرات التي حيكت ضده من قبل اقرانه من الاطباء الاخرين في قصر الخلافة و عليه واجه عراقيل و اتعاب و مشاكل جمة، دون ان يربط موته باي حادث من تلك الحوادث ( 9). و لكن عدا كون رواية الجلجل اقدمهم و يعتمد فيها على المعلومات من حديث الشخصية البارزة و وزير لمتوكل فانه في الوقت نفسه، ان اعتبرنا لتلك العداوات و الخشونة لدى المتوكل ضد المسيحيين و هؤلاء الفلاسفة و المترجمين، نفهم بان روايته اقرب الى الحقيقة، و بالشكل ذاته ان الكندي الفيلسوف و الذي كان له عند الخلفاء الثلاث ماقبل المتوكل موقعا و مكانة و سلطة كبيرة في قصر الخلافة، وبالاخص ابان عصر المامون، فبمجيء المتوكل واجه العداوات و العراقيل و الاستهزاء و الضرب على يد المتوكل و صودر مكتبته، التي كانت معروفة بمكتبة الكندي، و عليه فانه مات بعد ان اصيب بالماسي و الاهمال و التهميش (10).
ان الذهبي الحنبلي في حديثه عن هذا الفيلسوف العربي الكبير و بعد ان يُتهم بالكفر و البخل و عديم الشهامة، و هو يروي عن شخصية حنبلية في عصر المتوكل فيقول؛ بعد ان مات الكندي، انه حلم به و ساله ماذا فعل بك الله؟ قال؛ عندما وصلت الى الله قرا لي هذه الآية ( انطلقوا الى ما كنتم به تكذبون) (11)، اي (اذهبوا الى ما كنتم تعتبرونه كذبا و هذا تكفير علني للكندي).
ان هذه الحوادث و ان كانت ثقافية الى انه على الاكثر سياسية، ولها علاقة متينة بالتوجه السياسي و السيطرة على الدين كاول قاعدة لاعطاء الشرعية لاية سلطة، مع ذلك كان لها تاثر على تغيير اتجاه تطور العقل و الفكر الاسلامي، بمجيء اخر خليفة عباسي في المرحلة الثانية لتلك السلطة، ( اي القادر بالله 381 الى 422 ه)، في عصره لم تنته الفلسفة فقط و انما كل محاولة للتفسير العقلاني بشكل رسمي ايضا، ان هذه الخليفة لهو الوحيد في التاريخ الاسلامي الذي كان يملك قوة عسكرية كبيرة لمدة واحد و الربعين عاماـ و جعل العقيدة الحنبلية منج عمل لاديولوجية الدولة، و عليه كتب رسالة قصيرة وعممها على كافة المساجد و اشترط عليهم ان تُقرا في خطاب كل جمعة باستمرار و تصبح المنهج الديني للمجتمع. في تلك الرسالة عُرفت الشيعة و المعتزلة ( الحركة العقلانية الاسلامية) كتيارين كافرين. و في تلك الفترة الاربعين عاما، فان اهل الشريعة و الفقهاء و من كان مؤيدا للفكر السلفي او الذين كانوا يطمعون لاستلام المناصب ليتاجروا بالدين، وكما قال الكندي؛ قاموا على مناوئة الفلسفة و عداوتها، ان هؤلاء ارباب الشرع، عدا ما ادعوه من الخطاب الشفهي و فتوى منع الفلسفة، كتبوا عدة مؤلفات و اعتبروا الفلسفة في جميعها كفرا و علم العقل بدعة. و بالشكل ذاته ان الخليفة بذاتها و بعكس المامون تماما، الف لجنة خاصة لجمع المؤلفات الفلسفية و العلميةة و احرقها. و اصبحت المدارس النقلانية الاسلامية بديلا عن العقلانية و اصبحت هذه التوجهات و المناهج خطابا رسميا للدولة و تقولب المجتمع الاسلامي على يد هذه الخليفة ايضا.