الانتقال والمعضلة في السيرورة الثورية العربية

جلبير الأشقر
2019 / 4 / 10


تمرّ المنطقة العربية منذ نهاية العام الماضي بمرحلة انتقال تلي المرحلتين اللتين شهدتهما منذ بدء «الربيع العربي»، ذلك الفصل الأول من السيرورة الثورية طويلة الأمد التي سجّل التاريخ أنها بدأت باستشهاد محمد البوعزيزي في مدينة سيدي بوزيد التونسية في 17 كانون الأول/ديسمبر 2010. وقد مرّت السيرورة بمرحلتين متميّزتين منذ ذلك الحين: مرحلة أولى من المدّ الثوري هي ما يُشار إليه اليوم عند الحديث عن «الربيع العربي» كحدث منصرم، وقد دامت تلك المرحلة سنتين ونيّف شهدت خلالها معظم الدول العربية صعوداً قوياً للحركة الاجتماعية الاحتجاجية والمطلبية (وقد درج إطلاق تسمية «الحراك» عليها منذ ذلك الحين)، صعوداً بلغ ذروته في خمس انتفاضات انضافت إلى الانتفاضة التونسية في كل من مصر واليمن وليبيا والبحرين وسوريا. وقد أفلحت تلك الموجة الثورية في الإطاحة برأس الحكم في أربع من الدول الست، باستثناء البحرين وسوريا حيث جرى إنقاذ النظام بتدخّل خارجي.
هذا وقد فقدت مرحلة المدّ الثوري من زخمها تدريجياً في سنتها الثانية، بعد قمع الحراك البحريني في السنة الأولى، حتى استحال المدّ جزراً في موجة معاكسة مضادة للثورة كان المؤشّر إليها انتقال نظام آل الأسد في سوريا إلى الهجوم في ربيع 2013 بعد سلسلة من الخسائر، بفضل دعم إيران وتدخّل أتباعها الإقليميين. وقد عقبت ذلك عودة إقليمية للنظام السابق للثورة بوجه جديد (مصر) أو قديم (تونس) وانتقاله إلى الهجوم العسكري بوجه قديم (صالح في اليمن) أو قديم مجدّد (حفتر في ليبيا)، فيما استمرّت رحى الحرب دائرةً في سوريا حتى حسَمها التدخّل الروسي لصالح النظام القائم.
وها هي السيرورة الثورية العربية تدخل في عامها التاسع منذ بدء الحراك السوداني في 19 كانون الأول/ديسمبر 2018، وقد بدت عليها ملامح مرحلة انتقال تختلط فيها، كما في أي مرحلة انتقالية، عناصر متناقضة. فبينما نشهد النظام القديم القمعي يتعزّز من جديد في سوريا ويوسّع هجومه في ليبيا، بينما تنهار الدولة اليمنية وهي منقسمة إلى شطرين كليهما تحت هيمنة رجعية بما لا يسمح بالتفاؤل بإعادة توحيدها، ها أن السودان والجزائر يشهدان بدورهما حراكاً لا يقلّ زخمه عن زخم انتفاضات «الربيع العربي». ومثلما كان للنصرين اللذين حقّقتهما الحركة الشعبية في تونس ومن ثمّ في مصر من تأثير حاسم في تضخيم الموجة الثورية آنذاك حتى شملت المنطقة العربية بأسرها، يرتهن اليوم مصير المرحلة الانتقالية ومسار السيرورة الثورية الإقليمية القادم بما سوف يؤول إليه الحراك في السودان والجزائر.

والحال أن البلدين يشبهان ظرف مصر من حيث إن الجيش هو المؤسسة الحاكمة فيهما ومنه تنبثق رئاسة السلطة التنفيذية (حتى عندما تضع القوات المسلّحة في سدّة الرئاسة رجلاً مدنياً مثل عبد العزيز بوتفليقة) مثلما هي حالة مصر المزمنة، باستثناء رئاسة محمد مرسي العابرة. هذا يعني، كما سبق وأشرنا، أن السيناريو المصري ممكنٌ في كلا البلدين بخلاف الدول الميراثية، سواء أكانت من الطراز الملَكي أم «الجملوكي» على غرار النظام السوري حيث تهيمن العائلة الحاكمة على القوات المسلّحة بواسطة وشائج عضوية (عائلية وقبَلية وطائفية) بما يجعل عزلها عن الحكم مستحيلاً بغير إلحاق هزيمة عسكرية بها مثلما ألحِقت الهزيمة بحكم آل القذّافي في ليبيا. غير أن ثمة فارقين جوهريين بين حالتي السودان والجزائر وحالة مصر. الفارق الأول هو أن نظام حسني مبارك كان قد مضى في طريق إبعاد الجيش عن تولّي مسؤولية السلطة التنفيذية بصورة مباشرة، وهي الطريق التي دشّنها سلفه أنور السادات، بل تصاعد التوتّر مع الزمن بين مبارك وذويه من جهة والمؤسسة العسكرية من الجهة الأخرى (لاسيما في مسألة «توريث» الرئاسة لنجل مبارك، جمال). وقد يسّر ذلك توهّم غالبية المصريين العظمى بشأن «حياد» قيادة القوات المسلّحة، بل بتضامنها مع المتظاهرين، وقد لعبت جماعة الاخوان المسلمين دوراً كبيراً في بثّ ذلك الوهم في الطور الأول من «ثورة 25 يناير».
أما في الجزائر والسودان، فقد بقي دور المؤسسة العسكرية في الإشراف المباشر على الحكم السياسي جليّاً، بل تقع السودان في منتصف المسافة التي تفصل حالة مصر مبارك عن حالة ليبيا القذّافي أو سوريا الأسد. وأما الفارق الثاني، فهو أن حراكي السودان والجزائر يأتيان بضع سنوات بعدما أفضى المخاض المصري إلى عودة المؤسسة العسكرية إلى تولّي الحكم السياسي مباشرة، وذلك بطريقة شرسة جعلت المصريين يحنّون إلى أيام مبارك. وبنتيجة القارقين، نرى في السودان والجزائر حذراً إزاء المؤسسة العسكرية أكبر بكثير مما ساد في مصر عند ذروة الحراك فيها.
هنا تكمن معضلة السيرورة الثورية العربية شأنها في ذلك شأن كافة الثورات العميقة التي تستهدف تغييراً جذرياً في النظام السياسي والاجتماعي، الذي يرتبط جهاز الدولة به دائماً ارتباطاً عضوياً. فالأجهزة المسلّحة هي العمود الفقري لأي دولة ونظام سياسي اجتماعي (بخلاف النظام السياسي البحت الذي يمكن تغييره بدون تغيير الطبيعة الاجتماعية للدولة)، مثلما يشكّل الهيكل العظمي النواة الصلبة التي تتمحور حولها مكوّنات الجسد الأخرى، وليس ولا يمكن أن يكون في عالم الدول من لافقاريات. وقد حلّت كافة الثورات الجذرية (لا السطحية) في التاريخ تلك المعضلة إما بضعضعتها الأجهزة المسلّحة القائمة بحيث انحاز رجالها إلى الحراك الثوري، أو بتشكيلها قواتً مسلّحة مضادة تمكّنت من الانتصار إثر حرب أهلية.
طبعاً لا يسعنا سوى أن نتمنّى أن يسود السيناريو الأول في منطقتنا، وهو وحده الكفيل بإبقاء العملية الثورية «سلميّة، سلميّة» بحدّ أدنى من سفك الدماء، مثلما جرى في أوروبا الشرقية قبل ثلاثة عقود. بيْد أن هذا الأمر يتطلّب درجة عليا من المشروعية الشعبية للحراك بحيث يطال أفراد القوات المسلّحة، إذ أنهم من أبناء الشعب، ويحثّهم على الالتحاق بالحراك رغم أنف قادتهم أو جزء من هؤلاء على الأقل. كما يتطلّب درجة عالية من الوعي السياسي واليقظة الثورية لدى الحراك وقياداته، بحيث تتمكّن هذه الأخيرة من إدارة الدفّة حتى يبلغ مركب الثورة الضفّة الأخرى بدل أن يقع في شرك النظام القديم بما يتيح لهذا الأخير الاستمرار، ولو بوجه آخر.