مصطفى الفقي … سَلطنة التشريح الفكر

فاطمة ناعوت
2019 / 4 / 9

"الحكاية مش التاريخ، الحكاية إزاي نقرا التاريخ.” هكذا أقولُ لنفسي كلّما جمعني لقاءٌ بالدكتور مصطفى الفقي، لُأنصِتَ إليه حكّاءً عظيمًا، عزَّ نظيرُه، يُشَرِّحُ أوصالَ التاريخ ويشرحُ أعقدَ الظواهر السياسية والاجتماعية بأسلوب يسْرٍ مرحٍ وشديد العمق في آن. أؤمنُ أن التاريخَ ليس أحداثًا ومواقفَ وحضاراتٍ وزعماءَ وشعوبًا ومعاركَ وحروبًا ومصالحَ ومواءمات. بل هو: دالٌّ ومدلولٌ ودلالة. لا شيء يحدثُ اعتباطًا. إنما الأحداثُ تجري وفق منظومة دقيقة من التراتبية والتوافقية والسببية. شيءٌ يشبه نظرية "تأثر الفراشة"؛ حيث "الكلُّ" بنيانٌ مرصوص من "الأجزاء" التي تؤثر وتتأثر؛ فتُغيّرُ ذلك "الكلَّ”. لو وقع أمرٌ في الشرق الأدنى، تجلّى أثرٌ له في الغرب الأقصى، وإن صدَعَ شأنٌ في جنوب الأرض، سُمِع وجيبٌ له في شمالها. هذا العالم المترامي يُشبه أوركسترا متناغمةَ/متصارعة تعزف كونشرتو غير متفقٍ عليه سلفًا. تتبدّلُ نوتتُه على مدار اللحظة. يُغرِّدُ الكمانُ بعذوبة، فيردُّ عليه النايُ بحزن، يزأرُ التشيللو بصلافة، فتُقرع الطبولُ مُهددةً بغضب، وينفخ الأوبوا بجنون، فيُدندنُ الهارْبُ بحكمة، فتردُّ الماريمبا ساخرةً من الجميع، وهي تُرسل ابتساماتها إلى الدُّفّ لكي يضبطَ إيقاعَه على النغم الجديد. وفي ركن المسرح، يجلسُ عجوزٌ يُنصِتُ وبين يديه دفترٌ وقلم. يضبطُ نظارتَه فوق أنفه، ويبدأ في تدوين النغماتِ التي عُزفِت للتوّ؛ عذبةً حينًا، وناشزةً أحيانًا. ذاك العجوزُ هو أبونا التاريخُ، المعلمُ الأول. يكتبُ في هوامش الصفحات: “لكلِّ جوابٍ قرارٌ، ولكلِّ مذهبٍ خاتمة”. وكما ينطبقُ الحالُ على المكان، ينطبقُ على الزمان. فوحدةُ التاريخ ظاهرةٌ تشبه القاعدة التي لا تقبلُ الاستثناء. كلُّ حدث وقع على سُلَّم الزمان، له أثرٌ ونتائجُ وتجلياتٌ في كل لحظة تالية. فلولا "أرسطو" في القرن الرابع قبل الميلاد، ولولا استنطاق "ابن رشد" لأرسطو وشرحه لأفكاره في القرن الثاني عشر، ما كانت أوروبا المتحضّرةُ اليوم. كلُّ شيء وقع في الأمس، له مَردٌّ وأثرٌ اليومَ وغدًا وبعد غد. ذلك هو "فنُّ قراءة التاريخ". القراءةُ فنٌّ عصيٌّ يفوق في تقديري فنونَ الكتابة. لأن القراءة الصحيحة فعلُ إدراك، واستقراءٌ للمستقبل. القراءةُ الواعية نوعٌ من "التوقُّع" الذي يشبه "الرؤية" رأيَ العين. فالتاريخُ (الحقيقيُّ وليس المكتوب)، لا يختلف عن علوم الرياضيات والمنطق: مقدماتٌ وتوالٍ، أسبابٌ ونتائجُ.
على شرف معرض الإسكندرية للكتاب، كان لنا "حُظوة" اللقاء بالدكتور مصطفى الفقي في ندوة عنوانها "مصرُ تطرق أبوابَ المستقبل". واخترتُ كلمة "حُظوة" لأنه من حُسن حظ المرء أن يُنصتَ إلى ذلك الرجل وهو في حال من "السَّلطنة" الحكائية. والسلطنة هنا ليست بالمعنى السياسي، إنما بالمعنى الاصطلاحي المصري، الذي لن تجد له أثرًا في المعاجم، لكن ستجده في قلب كل مصري يعشق الطرب الأصيل. "السلطنة" هي حال النشوة والتطريب التي تغمرك وأنت تُنصتُ إلى جميل القول.
ذلك الحكّاءُ العظيم، د. مصطفى الفقي، يمتلك القدرةَ على النظرة العالمية الشاملة Global لقراءة الأحداث. يتأمل الخيوطَ الدقيقة ويتتبع سريانها في جدائلَ تتواشجُ وتشتجرُ حتى تصنع الأحداثَ الكبرى. يُدرك أن ما يحدث في شرق الكرة الأرضية، يؤثر على غربها، وما يطرأ في شمالها، ينعكسُ على جنوبها. فالعالمُ ليس جزرًا منفصلةً، بل مجموعةٌ من الأواني المُستطرقة التي تتعاونُ، وتتصارعُ، حتى يظلَّ منسوبُ الماء واحدًا أبدًا. لهذا شرح لنا في تلك الندوة الثرية أن تاريخ مصر يجب ألا يُقرأ فرادى، كلَّ حقبة على حدة. بل يُدرس كوحدة واحدة متناغمة. فلا يجوز أن تقرأ حقبة السادات بمعزل عن الحقبة الناصرية. ولا يجوز أن تقرأ حقبة ناصر بمعزل عن العصر الملكي. التاريخُ المصري بانوراما متكاملة يُفضي جزءُها إلى كلِّها. ويُمهِّد ماضيها إلى حاضرِها، وحاضرُها إلى مستقبلها.
الحكايةُ في "ظاهرة مصطفى الفقي" ليست في غزير العلوم برأسه، ولا في عظيم الدرجات العلمية تُكلِّلُ هامتَه، ولا في رفيع المناصب خلال مشوار حياته، ولا في فريد مؤلفاته تسيل من مداد قلمه، ولا في حشود تلامذته تُصوّب الأنظارَ حيث يحطُّ رحالَه. الحكايةُ هي حالة "السَّلطنة" التي تضرب وجدانك وأنت تستمع إليه شارحًا ومُفسِّرًا لكل دقيقة من دقائق جسد التاريخ: ماذا، ولماذا، وأين، ومتى، وكيف حدث ما حدث؟ وماذا متوقَّعٌ أن يحدث في المستقبل؛ بناءً على ما حدث في الماضي؟ تلك هي المسألةُ. "مصطفى الفقي" في سرد التاريخ والسياسة بالنسبة لي، هو "أم كلثوم" في الطرب الرفيع. كلاهما يمنحني النشوةَ والسلطنةَ فأخرج من بين يدي أحدهما، إنسانًا جديدًا بقلب مفتوح على الحياة، وعقل مفتوح على الإدراك. د. مصطفى، أشكرك، وبارك اللهُ لنا فيك. و"الدينُ لله، والوطنُ لَمن يستحقُّ الوطن”.

***