بو تفليقة .. البحث عن عادل إمام

جعفر المظفر
2019 / 4 / 3


لو كان للرئيس بوتفليقة أبناء مثلما كان لغيره من الرؤساء العرب لاسرع الرجال من حوله إلى تنصيبه وريثا كما فعل رجالات حافظ الأسد مع بشار وكما كان ينوي رجالات صدام مع قصي ورجالات القذافي مع سيف الإسلام ورجالات مبارك مع جمال أو رجالات المالكي مع أحمد.
لكن من العدالة هنا التذكير بالموقف الفذ الذي إتخذه الرئيس السوداني سوار الذهب لكونه, ربما, الموقف الإستثنائي الوحيد في التاريخ العربي, والذي لم يسبقه إليه سوى الخليفة الأموي معاوية بن يزيد الذي رفض الإستمرار في الحكم بعد أبيه مؤكدا على ان أباه يزيد وجده معاوية كانا قد إغتصبا الخلافة وأتاها بطرق غير مشروعة, وأفتى بضرورة أن يكون للشورى حق إختيار الخليفة بعد إستقالته.
لنتذكر حكاية أبو مدين الرئيس الجزائري الأسبق الذي ذهب في غيبوبة قرر الأطباء منذ بدايتها أنه لن يفيق على إثرها, ومع ذلك فإن الرجل إستمر يحكم الجزائرمن على فراش موته لسنوات قبل ان يتقرر دفنه.
صحيح أن بوتفليقة إختلف مع بومدين لكونه ما زال يتنقل على كرسي, غير أن الناظر إليه يستطيع أن يعرف أن الفرق بينه وبين بومدين هي فقط في وضعية الموت. فالثاني كان قد مات نائما أما السيد بو تفليقة فهو ميت جالسا.
إن التاريخ يقص علينا كيف ان ملوكا وسلاطين وخلفاء, وخاصة من أولئك الذين لم يكن لهم ورثة على عروشهم, كانوا ماتوا بالفعل لكن الإعلان عن موتهم قد تأخر كثيرا لغرض أن تتمكن مراكز القوى من حولهم الإتفاق على البديل. وحدث أن بعضا من حالات الصراع على السلطة, نظرا لعدم توفر البديل أو صعوبة الإتفاق على أحد المتصارعين, قد أدت إلى حروب دامية حتى يحسم أحد الزعماء المتقاتلين غلبته, أو يذهب كل منهم بقطعة من الكيكة.

هل تتذكرون مسرحية الزعيم لعادل إمام التي روت لنا كيف ان رجالات الزعيم, الذين كانوا قد تفاجئوا بموته, حرصوا على أن لا يذيعوا الخبر حتى يستطيعوا الوصول إلى زعيم جديد فإستأجروا من أجل ذلك شبيها إرتضوا به رغم أنه حولَّهم إلى مسخرة.
المشكلة مع بو تفليقة ليست معه شخصيا وإنما هي مع رجالاته الذين لم يستطيعوا الإتفاق على مرشح مقبول وقادر على أن يحتفظ لها بمغانم الحكم الآيل للذهاب إلى زعيمٍ من المعارضة من غير أولئك المتورطين بمفاسد النظام ورذائل السلطة.
ومعنى ذلك, أن الدولة برمتها, وليس الرئيس وحده, على أبواب التبديل, وأن الرئيس الجديد سوف لن يكون أمامه, لإصلاح الدولة سوى إبعاد رجالاتها السابقين والإتيان بآخرين من جيل لم تفسده بعد السلطة السابقة ولا علاقة له البتة بالمؤسسة البوتفليقية, وقد يكون معنى ذلك, أو غالبا ما سيكون معناه, ذهاب أغلب الرجالات البوتفليقيين إلى السجون والمعتقلات.
إن بقاء الرئيس, الحي الميت, في مكانه حتى هذه اللحظة هو دليل على أن الرئيس نفسه كان قد حكم الجزائر طيلة تلك الفترة بطريقة المفاسد والإفساد ولعبة خلق مراكز القوى, المختلفة فيما بينها على كل شيء والمجتمعة عليه لوحده, والتي يملك هو وحده قدرة الإمساك بخيوط تحريكها, حتى وصل الأمر أن تكون حاجتها إلى إستمراره في الحكم مسألة ذات مساس بمصالح جميع القوى المرشحة للإقتتال حال غياب الرئيس وتوقفه عن لعب دور البطولة في مسرحية السلطة.
إنها مسرحية الزعيم نفسها, لكن الإختلاف هنا إن رجالات الزعيم لم يستفيدوا من تجربة عادل إمام. لقد إستمروا بتقديم زعيمهم الميت كرجل حي لكن الشارع لم يقتنع أن من حق حي أن يحكم لفترة خامسة فكيف تكون عليه الحال إذا كان الحي نفسه هو رجل ميت.