كردستانية المنطقة الآمنة -2/2

محمود عباس
2019 / 4 / 3

... وفي الخط الجنوبي ما بعد العمق المحدد، ستنحل القوة الكردية الـY P K والـ Y P J فيما إذا خسرت عمقها الجغرافي الكردستاني الرئيسي، هذا ما تخطط له وتطالب به تركيا، وتدفع ببعض القوى على مساندتها ومنها بينها اطراف كردية، أو فيما إذا تم تطبيق ما صرح به جيمس جيفري، وهلل لها نفس القوى الكردية، والتي يتوقع في حال تنفيذها أن تتخلى القوى العربية وغيرها، من أبناء العشائر، وخاصة المرتزقة منها، والمنضوية تحت لواء القسد، التخلي عنها عند أول هبات مادية أفضل من ما تقدمه لهم الإدارة الذاتية، هذه إلى جانب احتمال قطع المساعدات الأمريكية اللوجستية عنها، في حال حصل تقارب أمريكي-تركي، واعترضت الإدارة الذاتية على التراجع والتخلي عن المنطقة الأمنة، وهذه قد تؤدي بدورها إلى تقلص جزء من العنصر الكردي. لا شك جميع هذه الاحتمالات ستعمل عليها السلطات المعادية للكرد، وعلى رأسهم تركيا والسلطة السورية، ولا نستبعد أن تساعدهما إيران وروسيا لإضعاف القوة الكردية وسلطة الإدارة الذاتية، لتفرض عليها شروط هيمنة السلطة المركزية. ومن جهة أخرى، وهذه جدلية قد تكون غريبة معاكسة تماما للاحتمالية الأولى، لكنها محتملة، والتي قيل فيها تخلي العنصر العربي عنه، على الخلفية الانتهازية أو عدم الإيمان بمفهوم الأمة الديمقراطية ( المفهوم الطوباوي وخاصة في هذه المرحلة التاريخية) فسيحاولون يوما بعد أخر، تنقية القوة المسماة بقسد، من العناصر الكردية وتحويلها إلى قوة عربية، لتنضم، كقوة عربية، إلى المنطقة الأمنة المتوقعة تشكيلها بغياب الكرد، أو ستصبح قوة تابعة لها، أو ستنحاز إلى سلطة بشار الأسد، وفي الحالتين قد لا نجد للكرد أي ثقل حتى لو تم تطبيق الديمقراطية في المنطقة، أو تم إجراء الانتخابات بنزاهة. وعليه فكل من يطالب بمنطقة أمنة، من القوى الكردية، وبهذا العمق، وإخلائها من القوة الحالية، وليس الاشتراك معها أو مطالبتها بتغيير منهجيتها، يساهم بشكل أو أخر في إذابة ماهية جنوب غربي كردستان، وهي لا تختلف عن الجهالة التي قال فيها البعض من كردنا، سابقا، ولا يزالوا يكررونها أن جغرافية كردستان في جنوب غربها تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وأعدموا بها البعد التاريخي، والتطورات السياسية والديمغرافية في المنطقة، وبالتالي ستكون تلك القوى الكردية قد كررت تجارب التاريخ المؤلم، يوم وقفوا البعض وتحت حجج متنوعة ضد ثوراتهم أو مكتسباتهم وساندوا المتربصين بها.
2- من يعرض أن تكون المنطقة الكردية وعلى طول الخط حتى ولو كانت على منطق اتفاقية أضنه، بغياب الكرد، منطقة أمان لتركيا، ويتحكم بها قواتها أو لها دور رئيس في مراقبتها، وبسيطرة المعارضة التكفيرية السورية، يضع بشكل أو أخر مصير الشعب الكردي وديمغرافيته بيد هاتين القوتين، ونكون بالتالي أمام مسرحية مشابهة لما قيل عن المنطقة الأمنة بالعمق الأول، أي على جنوب غربي كردستان السلام، وكل من يدعم هذا المخطط أو يتهاون معه من الكرد يساهم بشكل أو أخر في القضاء على القضية الكردية في سوريا.
3- المخطط الذي تم الحوار عليه في إقليم كردستان ما بين وفد الإتلاف والأنكسي، والمقال على أنهم اتفقوا، أن يتم طرد الإدارة الذاتية وقواتها منها، وتتكفل الإتلاف في مشاركة الأنكسي بإدارتها سياسيا وعسكريا، ودون أن ينتبه الطرف الكردي إلى عدة نقاط منها: من سيقوم بطرد قوات الـ PYD؟ هل الكرد؟ وإذا كانت كذلك، فلماذا ستتم مشاركة القوى العربية في إدارة المنطقة الكردية؟ أما إذا كانت تركيا ستتكفل بها، فهل تتوقع الأنكسي من أن تركيا ستديرها كمنطقة كردية أو حتى شبه كردية، وستسمح لهم أو لغيرهم بإقامة إدارة كردية؟ والشكوك فيها تصبح يقينية، فتجربة عفرين خير مثال، وهي لا تزال متفاقمة، ونحن شاهدون على من نحن بصدده. أم إذا حاولت أمريكا تنفيذها سياسيا أو بأساليب ما، فهل حقا أنها تثق بالمعارضة السورية لتحل محلهم، وتعلم أنه ليس لتركيا قوى أخرى غير التكفيريين من المعارضة، ولن تعرض بديلا كردياً، ولأمريكا مع القوى المعارضة السورية تجربتين مريرتين، أما إذا كانت ستعتمد على قوات بيشمركة روج أفا، فلا نظن بأن بتلك السذاجة العسكرية، وستتخلى عن أداة قوية حاضرة، ولها معهم تجربة طويلة، وتاريخ، بأداة مشكوكة في إمكانياتها، ولها ارتباطات سياسية عن طريق الأنكسي مع المعارضة السياسية التكفيرية، وهي من جانب أخر مرفوضة من روسيا والسلطة السورية، ولا يستبعد في حال خروج أمريكا من المنطقة الكردية، وتكون تحت سيطرة بيشمركة روج أفا، وعلى الأغلب ستكون معها قوات من المعارضة التكفيرية، أن تتلقى المنطقة الكردية بعض البراميل مثلما تلقتها المعارضة العسكرية في المناطق الأخرى، وبالتالي وفي هذا السيناريو ستعرض الأنكسي المنطقة إلى خطر مرعب.
4- هل من الممكن أن تتم إقامة منطقة أمنة تحت المراقبة الدولية، مع وجود القوات الكردية والعربية في إدارتها؟ مخطط عرضته بعض المراكز الإعلامية، وروجت له معظم الأطراف الكردية، وهي تنم عن سذاجة وبوجه أخر، وقصر رؤى سياسية، وفي الواقع نتائجها سوف لن تكون أقل كارثية عن غيرها، فهنا سنكون أمام أمر واقع لا نتمكن من معارضته، لأنها ستكون، منطقة دولية، وتحت قوانين دولية، لا سلطة كردية عليها، وبالتالي ستذاب الديمغرافية الكردية المتبقية مع عمليات التعريب المباشرة أو غير المباشرة، والتغيير الديمغرافي سيتم تحت رحمة قوانين هيئة الأمم، وقد يحصل هنا الكرد على بعض الحقوق الثقافية ضمن واحات متفرقة، وفي مناطق جغرافية متباعدة، وكان قد مهد لها، وبدون إدراك، بعض الأقلام الحزبية يوم قسموا جنوب غربي كردستان إلى أجزاء، والبعض الأخر فتحوا تاريخها من بداية العشرينات من القرن الماضي، عندما قدموا ديمغرافيتها بعد المجازر التركية، أي بعد ثورة الشيخ سعيد بيران، المفهوم الذي عمل عليه العديد من المثقفين العروبيين مؤخرا، وتأثر بهذا المفهوم، ولجهالة، أو على خلفية صنع طوطم عائلي أو عشائري، البعض من كتابنا الكرد وحزبيينا.
5- كل الاحتمالات عن المنطقة الأمنة، وبغياب القوة الكردية الحاضرة، رغم أخطائها ومساوئها الماضية، واستخدامها الأساليب المرفوضة، وبعدها عن التعامل الديمقراطي، ودورها في تهجير شريحة واسعة من الكرد عن المنطقة، وتسهيلهم ترسيخ التوطين العربي، وعدم تقبلها للقوى الكردية المعارضة لها، ستعرض المنطقة إلى كارثة قومية، سياسية وديمغرافية، وستفاقم من الأخطاء الحاضرة أو التي تمت سابقا. فأغلبية مجتمع المنطقة، وخاصة الكردي، حتى المعارضون للإدارة الذاتية يرفضون تغيير السلطة الكردية الحالية، ولا يقبلون لها بديلا، ويجدونها القوة المحافظة على أمانهم، حتى ولو أنها منتقدة في التلاعب بالخدمات والفساد المستشري والتجاوزات العديدة على المجتمع الكردي بشكل خاص، وعليه فلا بد من البحث معا لإنقاذ الذات من مؤامرات الأعداء والمغطاة تحت مخططات المنطقة الأمنة، وهذه لن تتم ولن تنجح بدون انفتاح جدي وواسع من قبل القوة الحزبية-السياسية المهيمنة على الإدارة الذاتية.
6- هذه وغيرها من الطروحات المعروضة في الأروقة السياسية، والتي تبحث في مصير المنطقة الكردية في شرق الفرات، وعلى رأسها المنطقة الأمنة وبعدة احتمالات، وجميعها خالية من القوة الكردية، والمتحاورة عليها تركيا مع القوى الكبرى، أو التي تسكت عليها إيران والسلطة السورية، وتعمل عليها روسيا حسب مصالحها، تتعارض والمصلحة الكردية والكردستانية، ولا نرى بديلا للكرد في جنوب غربي كردستان، إلا اليقظة، ومحاولة العمل معا لإيجاد البديل، لأننا نكاد نكون الحلقة الأضعف في كل هذه الحوارات، وقد أصبحنا أقل أهمية، عندما تنازلنا عن فيدراليتها، وتخلينا عنها أمام عروض تحصر ضمن إدارة ذاتية أو مشابهة لها. فالفيدرالية كمطلب، حتى ولو كانت تحت إدارة أو مراقبة هيئات دولية، رغم ترهيبها سابقا جميع القوى الإقليمية، والتي تباحثت فيها وكادت أن تقبلها، فيما لو استمرينا بالإصرار عليه، ستضع القوى الكردية في المحافل الدولية، ولا نستبعد أن ما سيجرى من المباحثات على مستقبل سوريا سيكون للكرد دور فيه، فهذا المطلب كبعد سياسي وكمفهوم لم يرفضه روسيا وأمريكا، وبدونه سنخسر الكثير من المعروض حاليا، والمنطقة إن كانت تحت أسم الآمنة أو منطقة حظر الطيران مثلما تمت في جنوب كردستان، لن تغير من المعادلة الإدارية أو السياسية ولا العسكرية، وهي الأنسب رغم كل الحساسيات المفتعلة تحت رهبة التقسيم، وهنا من الأفضل أن تعرف بالمنطقة الفيدرالية الكردستانية الأمنة التابعة للسلطة السورية اللامركزية، لا نظن أنه مطلب أثقل من الإمكانيات الكردية الكامنة فيما لو تكاتفت بين بعضها.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
31/3/2019م