العراق على خارطة التيه والضياع. رسالة الى العراق والعراقيين

عباس علي العلي
2019 / 4 / 2

العراق على خارطة التيه والضياع.


كنت أخشى أن أكتب شيئا خلال الأيام الماضية حول وضع البلد ونحن نواجه السيول والأمطار وما رافق ذلك من ظهور تقصير حكومي واجتماعي في مواجهة الأمر لنجدة الضحايا وتخفيف المعاناة عنهم، رافق ذلك ما شهدته بغداد من عادة لم تألفها من قبل ولم تجد لها تفسير حول المسير على الأقدام طلبا للزيارة ما يرافق ذلك من مظاهر وتعطيل بالرغم من أننا ضد تقييد حركة الناس وما يؤمنون به، لكن لكل مقام مقال ولكل زمان أحكام.
السبب الذي منعني ليس خوفا من أحد ولا تملقا لجهة ما بقدر ما كان ذلك سيفسر من البعض العقول المسطحة التي ستفسر ما نكتب على هواها، الإسلام دين الكرامة والعمل الصالح والتعاون على البر والتقوى والنهوض بالمجتمع لما فيه خير البلاد والعباد، وأهل البيت عليهم السلام كانوا أحرارا في دنياهم لا يخافون ظالما أو متجبرا ويعملون بما أمر الله به لا طمعا ولا زلفة لأحد، ومن هذا المنطلق كان على رجال الدين والذين لهم كلمة على أتباعهم أن لا يقفوا متفرجين على بدع لم ينزل الله بها من سلطان ويمارسوا دورهم الهادي المهدوي دون أن يخشوا إلا الله تعالى.
كلنا يعرف أن البلد اليوم في أتون محرقة الفساد وتحت عبث الفاسدين والسراق والطفيليين من كل جهة وحدب وصوب، والوضع الإنساني والاقتصادي كارثي في العراق في كل المستويات، فهل من دعوة حقيقية للتعقل وبناء البلد وتمتين العلاقة بين أبناءه بالتراحم ونسيان مأسي ما حدث، كنت أتمنى أن أرى تلك الحشود تتوجه للناس وتساعد على إنقاذ البلد من الخراب والتخريب لا سيما وأن ما يجري لا يسر عدو ولا صديق، فكيف نرضي الله عنا ونحن لم نتراضى ولم نتوحد تحت راية (خير الناس من نفع الناس) و (المسلمون أخوة كالبنيان المرصوص)، أعرف أن بنياننا اليوم مفكك ومتهالك بفعل المنحرفين وأياديهم الملوثة بدم الله قبل دم الإنسان.
وأعرف أن البلد كسفينة تائهة في وسط البلد والملاحون الفسقة والجهلة هم من يتولون إدارة دفة السفينة وكل منهم يغني على ليلاه، أليس من حقي كمواطن اسأل وأتساءل ما معنى لكل ما يجري فيه وأنا وغيري مصيرهم مربوط على قول هذا وذاك، ولكن العجب كل العجب أن نرى حكومتنا ومن ورائها أحزاب وحركات سياسية تعمل بالضد تماما مما كان يجب أو يستوجبه عاقل يريد مصلحة الوطن وشعبه وهم يفرطون بأخر قطرات الحياة التي يمكن أن تنقذنا وتساعد على ذلك، منغمسة في تشرذمها والبحث عن مكاسب لهذا الرمز أو ذاك.
هل من العقلانية والحكمة من شيء أن تسخر طاقات البلد لأجل مصالح فرعية وإن كانت دينية أو يظنون كذلك والبلد في حال كهذا لو حدث في بقعة أخرى من العالم لأعلن حالة الطوارئ وشدت كل الأجهزة الحكومية والشعبية أزرها لتقوم بدورها في ما يجب أن يكون لإنقاذ عشرات الألاف من المحاصرين بالسيول والأمطار وتهديم الطرق والجسور، وكأن الأمر لا يعنيها ولا من حق هؤلاء الناس من أن تمد لهم يد العون والمساعدة والأنقاذ، أين مسئولية الدولة وأين مسئولية رجال الدين وقادة المجتمع من كل ذلك، أعرف أنها صرخة في واد لا يسمعها إلا من أطلقها ولكن كلمة الحق يجب أن تقال.
كل يوم يخرج لنا حثالة من السياسيين ممن لا غيره له على وطن ولا على إنسان ولا يخافون الله بموقف أو تصريح أو تصرف يشعل تلك النار التي كلما خبت أوقدها شياطين السياسة العراقية عن جهل وتعمد وغايات مريضة، القانون نائم والقضاء يدرك أنه بين كفتي عفريت أما المسير جنب الحائط أو مواجهة الموت الوحشي بدنيا أو معنويا، لذا لم نجد موقفا حاسما ولا هيبة تمنع الفاسدين والمنحرفين من المضي بطريق تهديم أركان الدولة والمجتمع، قد يقول البعض ما علاقة كل ذلك بما يجري فيما عرف أخيرا بالزيارة الرجبية؟ أقول حينما لا نحترم مبادي الدين ولا نعمل بما يرضي الله ولا نفعل ما فعلوه أهل الذكر والقيم النبيلة فإننا نساهم مرة أخرى بقتلهم وتشويه الصورة الجميلة الإنسانية التي كانوا عليها وضحوا من أجلها، لو كان أهل البيت حاضرين بيننا اليوم لشرع كل واحد منهم أن يعمل لإصلاح أمة رسول الله والإصلاح ليس بالتهادن والتهاون ولكن بحمل الحق والعمل من أجله.
هل المطلوب من العراق وشعبه اليوم أن يكون كبني إسرائيل في التيه لا يستدلون على هدى ولا يرون في الأفق ما يجعلهم متفتحين على أمل العودة للحياة؟ هل المطلوب منا أن نضيع كما ضاع وضاح بلا ثمن لنرضي نفوس مريضة وأفكار هدامة لا تزيد الإسلام فخرا ولا تعيد للدين قيمته وبريقه؟ هل هي حرب إبليس على آدم من جديد بفصول ورموز وحكايات لا شرعية لها ولا مشروعية فيها باسم الولاء وحب أل البيت مثلا؟ دعوني أقولها بصراحة أنها جريمة كبرى وعظيمة أن يتمزق العراق ويتشتت وتذهب ريحه نحو جهة الفشل والضياع لأن هناك من يريد ذلك حقدا وتشفيا للماضي الذي كانوا هم فاعلا به ومؤسسا له، لا نريد العودة للعصور الجاهلية وأن تتحول مدننا وحياتنا وكياننا إلى عصور ما قبل التاريخ.
نريد دولة تحترم مواطنيها وتنظم أمورهم بالعدل والإحسان والخدمات وتأسيس مستقبل مشرق وهذا واجبها ومسئوليتها وليس الرضوخ إلى زعم هذا ورأي ذاك، وكأننا أسارى لمن نصب نفسه وليا وواليا وسلطان على رقاب الناس دونما كتاب أو حق، نريد دولة وقانون ونظام وحقوق وواجبات وعمل دؤوب وليس أن يشارك رئيس وزراء دولتنا في المشي مع الناس لتشجيعهم على بدعة لم تكن ولم نشهدها في تاريخنا حتى صارت مودة وموضة لكل من يريد التهرب من واجبه ومسئولياته بحجة الزيارة، وأداء فريضة لم تشرع ولم نجد لها معنى حقيقي يزيد من قيمة الدين أو الإنسان، نريد دولة يشعر المواطن بها أنها أقرب إليه من حبل الوريد تؤدي واجبها بإخلاص وورع وتقى دون أن يطلب منها أحد، نريد دولة تحافظ على أقتصادنا وأموالنا وتفتح المشاريع وتساهم في بناء ما خربه الأشرار وعبث العابثين وهل من متعظ.
هل هذه الطلبات والحقوق والواجبات تتعارض مع الدين ومع الحق ومع الإنسانية؟ وهل كلمة الحق التي تقال في وجه الفاسدين والمفسدين جريمة يعاقب عليها الكهنوت وأتباعه مهما كانوا وتحت أي مبرر، شخصيا أنا رجل أحب الله وأدافع عن ديني وعن الوجوه المشرقة التي نافحت دفاعا عن الدين والإنسان ولكن أدرك أن ما نحن عليه لا علاقة له بكل أولئك العظام المخلدون الذين قدموا للإنسانية أزكى وأعظم ما يملكون دون منة ولا ادعاء ولا حتى طلب منهم أن نتباكى عليهم أو لهم، اللهم إني بلغت وما معي غير إيماني بالله وكتبه ورسله وملائكته والله الموفق.