كلافيموكس

ميلاد سليمان
2019 / 4 / 2

منذ قليل، كنت في طريقي لشراء أحد الأدوية من "صيدلية بيرو" القريبة من منزلي، بشارع ترعة السواحل/ الوراق، ولكن لم اجد الصيدلية في مكانها، كان المحل مفتوح وهناك بعض التجهيزات والكسر والتركيبات تجرى بالداخل، لا اعرف هل الصيدلية يتم تجديدها لتصبح بشكل اكثر عصرية وحداثة عن شكلها الخشبي الزجاجي التراثي القديم، أم ان صاحبها صرف نظر عن الاستمرار في عمل الصيدلة وباع المحل مثل من باعوا من حوله، خاصة وانه على بُعد خطوات منه، ارتفع بُرج سكني عملاق اخضر اللون يسمى "برج الإسراء"، أقيم في اول ثلاث طوابق منه، مجمع طبي يحمل نفس الاسم، واستقرت اسفل البرج، بالدور الأرضي، صيدلية تحمل هي أيضًا نفس الاسم!!.
جال في خاطري عشرات الذكريات التي حدثت لي مع تلك الصيدلية العتيقة، منذ ان وعيت على الحياة وهي كائنة في مكانها، كأثر يأبى التحرك، حتى اني كنت اعلم شارعنا من خلالها، حينما اصف لأحد الاصدقاء كيفية الوصول لمنزلي، كنت اخبره "بعد صيدلية بيرو هتلاقي شارع كذا وكذا... "، ونظرًا لشهرة الصيدلية اصبح المكان الخاص بها اشبه بمحطة معروفة لأغلبية السكان في الوراق، ولأغلبية سواقين المكيروباص والتاكسي والتوك توك بعد ذلك، فلا يتردد أحد في اخبار السواق "لحد صيدلية بيرو يسطااا" أو "نزلني عند الصيدلية.... ".
في المرحلة الابتدائية كانت هناك اشاعات، بين الطلبة، ان الصيدلية ملك لأحد كهنة الكنيسة عندنا يسمى "أبونا دانيال"، مما جعل البعض، من دعاة الحق، يتجنبون الشراء منها، لأن الأموال ستذهب للكنيسة، خاصة وان الكاهن كان يسكن في نفس العمارة بأحد الطوابق العليا، ويمر على الصيدلية ليلقي التحية على من فيها في طريق خروجه وعودته، قبل ان تظهر عليه بعد ذلك "نعمة المسيح" و"الرب يصنع به العجائب" ويسكن في احد العمارات الفارهة على النيل قرب " محطة محمد سالم".
في المرحلة الاعدادية، كثرت حركتي حول الصيدلية، في طريق الذهاب إلى المدرسة، كنت أمر من امام الصديلية ببطيء، لأرى بداخلها دكتورة قصيرة الشعر عصرية الملابس كحال اغلب المسيحيات في سنها الأربعيني، وبجوارها تجلس فتاة جميلة صامتة دائمًا، اظنها تعمل في الصيدلية وليست ابنتها، فلم أرَ أي منهما تتبادل الحديث مع الاخرى في اي وقت. كنت اتعمد الذهاب لشراء اي شيء من هناك حتى ارى الفتاة لعلها تبتسم لي أو المس يدها أثناء اخذ باقي النقود او علب الدواء.
بجوار الصيدلية كانت مكتبة "عم لطفي" والتي تحمل اسم "مكتبة النجاح" اظنها أول مكتبة لتصوير الورق في شارع ترعة السواحل ككل، بجوار مكتبة "شوقي" الأقرب للمدرسة، و "عم لطفي" هذا ايضا لا اعرف عنه اي شيء حاليًا، هل مازال على قيد الحياة أم انتقل لعالم افضل، في طفولتي كنت احب التركيز مع هيئته، كنت اراه شخصية سينمائية، كان أشيب الشعر كثيف الشارب، هاديء الحركة، مقتصد في الكلام، لم اتخيله شابًا ابدًا، رغم صورة شبابه التي كان يزين بها حائط في وسط المحل بجوار ساعة عقارب كبيرة لها بندول كسول. الآن مكتبته مغلقة دائمًا، ربما يفتحها احيانا، او يفتحها احد ابناءه، المعلومة تنقصني، خاصة وانني لا امرّ من ذلك الطريق إلا نادرا، حيث انتقلتُ - في المرحلة الثانوية - مع اسرتي لمنطقة سكنية اخرى، وياللمصادفة، انتقلنا من الوراق لنسكن في مكان آخر داخل الوراق ايضًا، لا اعرف حكمة والدي - رحمه الله - من ذلك، غير اننا انتقلنا من شقة إيجار إلى شقة تمليك، ولكن أي ميزة ونحن مازلنا في نفس المنطقة العشوائية الفقيرة.... على كل حال هذا ما حدث.
تغيَّر شكل شارع ترعة السواحل، عما كان عليه من قبل، ومفهوم الـ "من قبل" لا اعرف يندرج تحتها كم من السنين التي لم ادرك فيها شكل التغيرات التي تتم وتحدث تدريجيًا، فرع فودافون، محل اكتيف للأحذية، صالون تيتو للرجال الذي يعمل به مجموعة اطفال غريبي الخُلق والخلقة، قهوة "ولي النعم"، و أحد اصدقاء الطفولة يعمل فيها، يطمئن عليَا حينما رأى خدي المتورم أثر خلع الضرس العنيد، بعض شعيراته البيضاء تقفز في مقدمة رأسه معلنة ان العمر يمضي بنا بسرعة، أخبرني ان ادمانه بعض انواع المخدرات جعلت لسانه ثقيل في الكلام ودائم ارتعاش الأطراف، مما جعل المِعلِم يتركه يعمل على الشيشة وسط الفحم، ولا يقدم المشاريب حتى لا تسقط من بين يديه الكوبايات الزجاجية، كبرنا ولم نعد اطفال، ولم يعد مسموح بيننا تداول نفس المزاح والهزار الصبياني، بل نكتفي بتحية مصطنعة مع نصف ابتسامة ثم يشيح كل منا بوجهه وكأننا نخشى ماضي مشترك يطاردنا.
بالمناسبة، هناك لافتة اعلى مكتبة "عم لطفي" تحمل اسم "دكتور عماد لطفي" اظنه إبنه، سبق واخبرني احد الاصدقاء انه ابنه، نعم تذكرت، ويخدم في احد الكنائس، أمور كثيرة تطوف في ذاكرتي تباعًا بشكل فوضوي ولا اجد أي مبرر للتفكير فيها والتعاطي معها. سوى انني في بداية الأمر كنت ذاهب إلى "صيدلية بيرو" لشراء مضاد حيوي 1 جرام، لتخفيف ورم ضرسي... كان اسم الدواء "كلافيموكس".