الوصف الانتقائي في رواية - النبيذة -

صفاء الصالحي
2019 / 4 / 1

لم تتبعد كثيراً الروائية العراقية المقيمة في باريس انعام الكججي في منجزها الروائي الرابع " النبيذة " الصادر عن دار جديد في بيروت عام 2017 ، عن رواياتها السابقة ( الحفيدة الأمريكية ، وطشاري ) اللآتي دخلتا فى القائمة النهائية القصيرة المرشحة للفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية " البوكر " عامى 2009 و2014 على الترتيب ،

وعلى حد استشهادها بالمثل الفرنسي " لماذا نغير وصفة ناجحة " جواباً عن سؤال وجهتها لها صحيفة البيان الإمارتية : مرة جديدة بطلة روايتك امرأة، بل وتتصدر صورة امرأة غلاف الرواية ، هل هذا بمحض مصادفة أم جاء عن قصد ؟
لم تختلف رواية " النبيذة " عن سابقاتها ( الحفيدة الأمريكية ، وطشاري ) في تقديم الانثى كشخصية رئيسية ( بطل الرواية ) ووضع وصورتها في العتبة النصية الاولى للرواية ( الغلاف )، والصوت الأنثوي راوياً ، كما تشترك الرواية مع سابقاتها باسترجاعها للوقائع التاريخية ، وفي الثيمة الرئيسية " الواقعية التاريخية ، والتشتت والغربة والمعاناة التي يعاني منها الانسان العراقي في العقود الأخيرة " ، لقد انتقلت الكججي في رواياتها بالمتلقي عبر الزمن في سرد احداث وقعت في الماضي متخيلة او حقيقية ، وأحياناً تحتوي على مزيج من شخصيات حقيقية ومتخيلة ، مع احداث حقيقية ومتخيلة ، ولربما يكون الحدث حقيقي والشخصية متخيلة او بالعكس ، وبالإضافة الى ما ذكرنا فقد أحكمت البنية السردية لعناصرها ( الحدث ، والشخصيات ، والمكان ، والزمان ) فشكلت معمار نصياً رصت فيه الكلمات وتنضدت به الجمل ، وتداخلت المقاطع السردية مع المقاطع الوصفية التي فرضت نفسها داخل النص .
وقبل الولوج الى جوهر المقال وغايته لابد من تقديم نبذة مختصرة لتعريف القارئ بالرواية واحداثها :
تنطلق احداث الرواية وبطل الرواية والشخصية المحورية "مارتين شامبيون " جالسة بالقرب من النافذة في القطار فتتخيل ان ماضيها قد ارتمى عليها شامتاً بالمقعد المقابل ص7، قبل ان تنتقل الى المستشفى العسكري في باريس برفقة البطل الثاني في الرواية "وديان الملّاح" عازفة كمان في الفرقة السمفونية العراقية ، التي تعرفت عليها عند بوابة معهد العالم العربي في باريس ، فتنشأ بينهما علاقة حميمة كأم وابنة تربطهما بغداد ، لكنهما قطبان سالب وموجب ، عاشت "مارتين شامبيون " بنت لحظتها تتبع رغباتها وعاشت أنوثتها كما تشتهي ، اما وديان الملاح عصية على الحب تشتهي وتتمنع ، ثم تكون وديان شاهدة على حياة الصحفية التي لفتت الأنظار " تاجي عبادالمجيد الشريفي " وتميط اللثام عن اسرار ، حياتها الصحفية وقربها من الطبقة السياسية ، وحياة المنفى والاغتراب ، ومغامراتها العاطفية والغرامية لاسيما مع البطل الثالث في الرواية الصحفي الفلسطيني (منصور البادي ) الذي تعرفت عليه في أذاعة كراتشي وتنشأ بينهما قصة حب حالت الأقدار والمسافات دون أكتماله فيعيش المراهقان الأشيبان حبهما على الورق .
ارتدت الشخصية المحورية اسماء كثيرة وخلعتها ( تاج الملوك ، وتاجي عبدالمجيد الشريفي، ومارتين شامبيون ، ) ، لقد احتلت الشخصيات الرئيسية الثلاثة ( تاج الملوك ، ووديان الملاح ، ومنصور البادي ) على مساحة كبيرة من المتن السردي للرواية ولكل بطل قصته المستقلة ، وتوزعت أحداث الرواية في عدة بلدان عربية وأجنبية ( العراق، وإيران، وفلسطين ، وبيروت ، وكراتشي ، وفنزويلا ، وباريس ) كأرضية دارت فيها الأحداث ، وتنبني الرواية على استرجاع ذكريات الماضي في بلدان الشتات البعيدة ، بفعل التذكر لأحداث مر عليها ثمانية عقود من تاريخ العراق المعاصر ، حبلى بالمغامرات العاطفية والتحولات السياسية .
لقد شملت روايتها " النبيذة " على مقاطع وصفية متنوعة الأشكال والتعابير أوردتها الكاتبة بأبداع حسب متطلبات الحاجة الفنية او المبتغى الأدبي في وصف ( الشخصية ، ووصف الحدث، ووصف المكان، ووصف الشيء ) فالعيون الصحفية قد أتاحت للروائية دقة وصف عناصر البنية السردية لروايتها ، وبلغة وصفية سهلة وبسيطة لا تكلف اي عناء ذهني وقد صيغت بقالب ادبي جمالي ، وقبل أن نؤشر على البعض من المقاطع الوصفية التي احتلت مواقع مختلفة في النص لابد من تقديم تعريف ماهية الوصف :
{الوصف : عرض وتقديم الأشياء والكائنات والوقائع والحوادث ( المجردة من الغاية والقصد ) في وجودها المكاني عوضاً عن الزمني ، وأرضيتها بدلاً من وظيفتها الزمنية ورهانيتها بدلاً من تتابعها ، وهو تقليدياً يفترق عن السرد والتعليق ، ويمكن ان يقال عن اي وصف انه يتألف من مضمون تيمة تشير الى الشيء او الكائن اوالحوادث ( منزلاً مثلاً) ومجموعة من التيمات الفرعية تشير الى الأجزاء المقابلة : ( باب ، غرفة ،نافذة ) وكذلك التيمات الفرعية يمكن ان تتميز بنوعيتها ( بصفاتها ) : " كان الباب جميلاً " ، " وكان الجدار اخضراً "،او وظيفياً اي وفقاً لوظيفتها او استخدامها : " كانت الغرفة تستخدم فقط في مناسبات خاصة ، والوصف يمكن ان يكون بشكل او باخر تفصيلاً او دقيقاً نموذجياً او مؤسلباً او على النقيض يتسم بإضفاء الفردية او تجميلياً او تفسيرياً او وظيفياً ( مؤسساً لمزاج و نغمة فصل نصي ما محملاً بمعلومات تتعلق بالعقدة او مسهماً في التشخيص او مقدماً ومؤكداً لتيمة او مركزاً لصراع مستقبلي ) ..الخ(1)
{ ويقوم الوصف على مبدأين متناقضين الاستقصاء والانتقاء ، فلبزاك على سبيل المثال كان من أنصار الاستقصاء ،ولم يترك تفصيلاً في مشهد ما الا ذكره ، بخلاف ستاندال الذي كان يفضّل الانتقاء تاراكاً للقارئ مجالاً للايحاء (2).
{ اما الوصف الاستقصائي وهو اسلوب شاع لدى الواقعيين يقوم على تجسيد الشيء بكل حذافيره بعيداً عن المتلقي أو احساسه بهذا الشيء، وهو ان يقوم الكاتب بالتطرق الى جميع التفاصيل الصغيرة والكبيرة التي تخص الشيء المراد وصفه(3) .
فإذا كان الوصف الاستقصائي يهتم بجميع التفاصيل، فأن الوصف الانتقائي يهتم بالاجزاء الرئيسيّة ، التي تكون مهمة وتؤثر على الحركة السردية من حيث البناء ومن حيث الدلالة ، فمهمة هذا النوع من الوصف انتقاء بعض الملامح والطبائع التي تتيح للمتلقي فرصة ملئ الفراغات التي يتركها الكاتب، فهي فرصة لشد انتباه المتلقي والتأثير فيه ومشاركته في النص السردي ، وذلك بالبحث عن الصفات الاخرى التي لم يذكرها الكاتب داخل النص والتي تخص الشيء الموصوف(4) .
وسنكتفي بذكر الجزئيات الهامة دون الأجزاء التفصيلية تحاشياً من الإطلالة وسنقتصر ذلك في وصف الشخصيات لما لها من دور كبير في الكشف عن ملامحهم الشخصية وطبائعها ، ووصف المكان لمعرفة مكان الشخصيات والإطار التي تدور فيه الأحداث .
وصف الشخصيات :
لقد كانت شخصيات الرواية عبارة عن ذوات متحركة عبر ازمنة وأمكنة مختلفة وجاء وصفها اما لسان الراوي او على لسان احد الشخصيات ، وورد الوصف بصور وكيفيات مختلفة ، وان وصف الأشخاص داخلياً وخارجياً مرتبط الى حد ما بوصف الأمكنة التي تظهر فيها الشخصيات وسنتناول هنا الشخصيات الرئيسيّة الثلاثة في الرواية دون تناول الشخصيات الاخرى بحكم انها شخصيات ثانوية.
وتركز وصف تاج الملوك على الوصف الخارجي والوصف الداخلي :
1- تحركت في ارجاء الحديقة ، ماشقة قامَتَها في بدلتها الكحلية التي لا تمتلك غيرها للمناسبات ، تحايلت عليه بياقة بيضاء جديدة مطرزة بلآلئ كاذبة ، خصرها دقيق ومروحيتها اليدوية فراشة كبيرة ترفرف امام وجهها ، ملامحها السمراء تحدد اختلافها عن المدعوات الأجنبيات ص21 .
2-ارى في الصورة فاتنة ذات شعر قصير ، ترتدي فستاناً فستقياً وبوليرو قصيراً مخرماً ،دائماً بوليرو ،تتكئ بذراعين مكشوفتيتن على سياج السفينة ملقية عليه ما يبدو ثقل حسرتها فمها منفرج بضحكة تكشف أسنانها كأنها تعرض شفتيها على الشاب الحزين الواقف على رصيف الميناء عيناها ناعستان تنظران للكاميرا تدعوان المصور اشبع مني ! ص45 .
3-تنفر من المجوهرات الصفراء في العنق والمعاصم ، زينتها في لسانها ، حجتها ونطقها الجميل ، ومحفوظاتها من الشعر عسل اللغة ، لسانها حصانها عند اللزوم تصونه في فمها ، صمتها مثير بليغ في أوانه ، اما الخفي من زينتها كامن في عينيها تتقصد في استخدامه تخبئه خلف النظارة الغامقة ، ثروة طبيعية لا تجاهر بها فيما لا ينفع ص123.
4-انها كانت قنبلة جنسية ، كلما ورد كلمة الجنس تعثرت عربيتها ، تهرب الى الفرنسية لتخفيف المسميات ، تقول " بونب سكسويل " ولا يرف لها جفن ، تقدم نفسها رمانة شهية بقشرة سميكة ، تتعب القاضمين ، تخلخل أسنانهم ، متقشفة في أحاسيسها ،ولها طبع الرجال مع النساء ، تستبقي الواحد منهم ليلة ثم تطرده من فراشها ص42 .

اما وصف الكاتبة لشخصية وديان تركز على وصف البعد النفسي وشعورها بالضياع والاستلاب وماتعانيه من اغتراب نفسي وعاطفي :
1-كاملة بحواسي الخمسة ، هكذا ولدتني أمي ، أبصر وأسمع وألمس وأتذوق وأشم ، لكن الأستاذ أحب ان يسلب إحداها هكذا بقرار منه ، اصبحت على حافة الصمم ، أستعين بلوزتين إلكترونيتين أدسهما في كل إذن تكبرا لي صوت التلفزيون ورنين الجرس واحاديث من حولي اسمع اْبواق السيارات ويفوتني حفيف الشجر ، ونقيق الضفادع وهسيس النار ، وهمسة اشتاق اليها ، ارى الموج يتكسر على جرف النهر ولا تصلني طبطبة الموجة على الموجة ، ترفرف اجنحة الحمام خرساء فوق رأسي وغطاء إبريق الشاي يطفو فوق فورة الماء بسكون، لا منبه يوقظني ، صار علي ان اسمع العالم بعيني ص162.
2- تلومني لأنني خالية أنانية ، لا أظلل رجلاً بفيء أنوثتي ، وكنت أتقبل تعليقاتها وأبتسم أو انحرج ، أنطوي على همي وأحسدها على اخضرار روحها ، أن قلبها أشب من قلبي ص145.
3-أما انا فقد غادرت ارض التخيلات، ودعت شياطيني وتبت الى رب أؤمن به ، بدءت أتردد على حلقات حوار الأديان ، أغطي رأسي بوشاح ، على خطى تاجي ، وأسأل الشيوخ عن حكم سماع الموسيقى ص324 .
وتركز وصف منصور البادي على البعد الجسمي والبعد الاجتماعي بالاضافة محمولاته الفكرية الثقافية :
1- ابن أكابر مزهو بأعوامه العشرين ، قامة نحيلة مثل رمح ، شعره سرح لامع ممشط الى الوراء ، خصلة على الجبين على طريقة روبرت ميتشوم الممثل الصاعد المنشورة اخباره في الصحف ، يرطن مثله بالانكليزيّة ، ويحفظ عشرات الأبيات من المعلقات يرددها بطريقة شامية ص170 .
2-محرر شاب ذو شارب خفيف أشقر وشعر لامع ، أليف الطباع ، تشعر أن محنة ربته وانضجته مثلما ربتها، راقبته يترجم نصوص من الانكليزية ،انتبهت انه يبث فيها تفاصيل مشوقة من عندياته ، يعرب القصص الاجنبية ويكتب مسلسلات غير مألوفة للمستمع الشرقي ص176 .
3- لاينسى ذلك اليوم الذي هزه وكاد يشل ساقيه ، كان يمر فيه امام مخمر للموز حين سمع الراديو داخل المحل ، يعلن أسرائيل عضواً في الامم المتحدة ، إستند الى الجدار خشية السقوط ، والشمس كانت تضرب رأسه صارت لهى قبضات أضافية ، عاد الى غرفته ليكتب مقالاً عن الموضوع ص201 .
4- إحساسي الكامل بإنتمائي وأصلي ، هناك وطن عربي كبير لم تزده هجرتي الا تجذراً في تربة روحي ، كنت أتعقب الى جانب عملي التجاري في فنزويلا ، كل ما يحدث في بلادنا كأنه يقع هنا على الرصيف المتقابل ، هل كنت مجنوناً من مجانين العروبة ،ام ان اغترابي زرع بذرة الذنب في تربة ضميري ؟ أسال نفسي وأنا أتستلقي على السرير بعد نهاعمل يوم شاق ص270 .
وصف المكان :
تتابع الكاتبة انعام الكججي جولات شخصياتها عبر أمكنة مختلفة توزعت على قارتي ( اسيا ، واوربا ، وأمريكا اللاتينية) حتى يمكن القول بأنها رواية عالمية ، وكانت الأماكن سواء المفتوحة والمغلقة المساحة التي تأطرت فيها الاحداث وتشكلت بها الشخصيات وتجلت بها عواطفها وانفعالاتها . لقد انتقت الكاتبة من العالم المرئي بعض الأشياء كلما استدعت الضرورة لاستمرار الحركة السردية فرسمت المكان بالكلمات ، ووصفت الأجزاء الرئيسيّة التي تكون مهمة وتؤثر على الحركة السردية من حيث البناء ومن حيث الدلالة وتاركتاً المتلقي أن يطلق العنان لمخيلته لملئ الفراغ ، ولم توغل الكاتبة في التفاصيل الدقيقة الا بهدف الإيهام بالواقعية .
1- في بيت الكاظمية ، ثلاث غرف تنفتح على ممر علوي واحد يطل على الحوش الداخلي المكشوف ، لكل منهم واحدة ، لم تفهم البنت لماذا يحتفظ رجل البيت بغرفة مخصوصة لنومه ولا يشارك أمها غرفتها ، هناك مجلس صغير للنساء قريب من موقد الطبخ ، يسمونه الحرم وآخر واسع قريب من باب البيت ، ديوة خانة للضيوف من الرجال ص47.
2- بعد اسبوع كانت حاضرة عنده في المرسم ، دارت في الغرفة الفسيحة دورة كاملة ، ثم عادت وتربعت على الأريكة الزرقاء ، خلفها نافذة عريضة مفتوحة على بستان نخيل ، وكلب ينبح من بعيد والمساء ينشر رائحة شبو الليل في حدائق الصليخ ص104 .
3- في شقتي بالطابق الثاني من عمارة في الطرف الغربي لباريس صار لها كرسي يحمل اسمها ، يكفي انها من تلك المدينة المزروعة بين عيني ، هذا مكان وديان ، تنهض الجارة وتخليه لها ، تحضر وأزيح القط الرابض عليه ، انفضه وأمسد حشوته ، لكي تجلس وتستريح كرسي وديان ص26 .
4- شهقت امام بوابة القصر ، أسدان رخاميان على جانبي المدخل ، البوابة هائلة وحجم الأسدين هائل ، كل شيء هائل اجواء خرافية لم أرَ مثلها من قبل ص164 .
5- في غرفة ليست بغرفة ولا مكتب ولا صالة رياضية ، مساحة كأنها بلا سقف ، صعبة الاستيعاب ، تنسحب ارضيتها وتتركني معلقة ، أخطو على هاوية ، ابحث عن زاوية تحتويني مكان دائري بدو اركان يقترب الكرسي مني وصوت أجش يخلخل اللاموجودات ص167.
6-نادي اليخوت : الحديقة واسعة بدون ازهار ، يجلسني هشام الى طاولة مع عائلة أكثر توتراً مني ، شابتان جميلتان مع شقيقهما المراهق ، الاولى سمراء والثانية شقراء اصطناعية ، لا نتبادل الأسماء ،نكتفي بالابتسام المتواطئ ، الكل يتستر على الكل ، صخب ورقص وموسيقى ، عطور تتداخل ببعضها بعضاً ، أضواء ملونة تشتعل وتنطفئ مع اللحن ، ندل يتحركون كالنحل ، وصوان فضة تمر فوق الرؤس، تهمس البنت الجالسة بجانبي أن الاستاذ جالس فوق ص117 .
7-الى مبنى اليونسكو دخلت مع أعضاء الوفد ، بهو بشع من الإسمنت الرمادي ، ذو سقف عالي جداً وممرات فسيحة تقود الى عدة مصاعد وقاعات مرقمة ، كلنا متأهب للحدث ، نرتدي ربطات عنق جديدة ، وننتعل احذية ملمعة ، نرفع الهامات ونحن نمشي بمعيته ، على جانبيه وأمامه ، نهتدي بقامته العملاقة بين زحمة الحضور وهرج الكاميرات ص30 .
8- سر العظمة كثيراً ما يكون في البساطة ، حيث لا تغني خلب المظاهر عن سحر الجوهر ، ان المنظر الذي طالعني في غرفة الجوازات بمطار كراتشي لم يكن سوى راية مثبتة في الجدار وخارطة رسم ، وخيل إلي ان ذلك الهلال المتقارب الطرفين ، المخيم على كوكب مهمش فوق بساط الخضرة القاتمة الى جانب خط عمودي ابيض ، لا يمثل علم باكستان فحسب بل يرمز الى تراث شيده الفاتحون المسلمون منذ ثلاثة عشر قرناً ، وبعثته النهضة الاسلامية الحاضرة في باكستان ، وأما في الجهة المقابلة من الجدار فرأيت أبرز ما في الغرفة : مجرد صورة كبيرة في إطار لرجل ، والرجال تؤدي ادوارها في التاريخ ص217 .
وعلى الرغم من أن نصوص رواية " النبيذة " تنتمي الى الروايات الواقعية وان الكججي من الكتاب الواقعيين الا انها، تبتعد عن الاستقصاء في الوصف، وان نسيج وصفها مختلف اختلافاً كبيراً عن نصوص الواقعيين في الادب الفرنسي أمثال بلزاك وفلوبير ، فتكتفي بتسمية الأشياء دون تجزئتها ويكون الوصف عاماً من غير إسهاب ، وتكتفي في معظم الحالات بذكر الخطوط العريضة التي تخص الشيء الموصوف دون الوقوف على التفاصيل ، تاركتاً المتلقي البحث عن الصفات الاخرى التي لم تذكرها داخل النص ، ومحاولة منها لشد انتباهه والتأثير فيه ومشاركته في النص السردي .
ان التوصيف الانتقائي للشخصيات والمكان في رواية النبيذة أنجز وظيفته البنائية والدلالية ، وان لغة الرواية الوصفية انتقائية اقرب ماتكون الى لغة الصحافة الموجزة الخالية من الترهل والسهلة والمبسطة لا تكلف اي عناء ذهني قد صيغت بقالب ادبي جمالي ، وقد برعت عيون انعام الكججي الصحفية في التقاط التفاصيل ، ودقة الملاحظة ، وتجلت مهارتها اللغوية في الوصف ، ومن اللغة التي شذبتها الصحافة وشفطت شحومها على حد تعبيرها ، وموهبتها الادبية باتت الكججي كأحد همزات الوصل البارزة بين الصحافة والأدب .



_______________________________________
1- { المصطلح السردي تأليف جيرالد برنس ، ترجمة عابد خزندار ص58}.
2- {فضاء النص الروائي محمد عزام ص116} .
3- { إشتغال الوصف في رواية عصافير النهر الكبير لمحمد زتيلي :مذكرة مكملة لنيل شهادة الماستر في ميدان اللغة وا دب العربي مسار: أدب حديث ص33 } .
4- { المصدر السابق ص38} .