قصة هزيمتين .. الهزيمة الأولى (2)

جعفر المظفر
2019 / 4 / 1

قصة هزيمتين .. الهزيمة الأولى (2)
جعفر المظفر.
شعر صدام أن هناك محاولات جدية لإستبداله بشخصية أخرى غير مكبلة بمنجزات (البطولة) التي حققها إبان التصدي للخطر الإيراني. والقول أن الرجل كان يعيش حالة خوف "ذهانية" من فقدانه للسلطة بإدعاء أنها حالة خوف لا وجود لها على أرض الواقع وناتجة من القناعة السايكوباثية بنظرية المؤامرة هو قول يحمل في حقيقته بصمة إحتيالية وتوهيمية اضحة, لأن المؤامرة ضده كانت حقيقية ولم تكن متخيلة بإدعاء أنها تأتي كفعلٍ للتسويق السلطوي أو كترويج لإفتراضات نظرية تهويلية.
بل لعل الإفتراض بعدم وجود مؤامرة إستبدال أو إجهاض, والإدعاء أن هذا "الإفتراض الوهمي" قد تأسس كحالة مرضية لا وجود لما يدعمها إنما يأتي من باب التعمد لتغييب الحقائق الفعلية القائمة على وجود صراع مصالح تعبر عن نفسها من خلال وجوه عدة قد تبدأ بالتكشيرة التي قد تنتهي بالحرب.
لقد أخفى قناع الحرب مع إيران كثيرا من التكشيرات العراقية الخليجية التي كان مقدرا لنهايتها أن تحول التكشيرة المخفية إلى حرب معلنة.
والحال إن مبدأ اللاغالب ولا مغلوب الذي نادى به ريغان كتصور منطقي معقول لإنهاء الحرب كان قد عنى في حقيقيته أن الطرفين يجب أن يخسراها.
وكان ذلك وكأنه عنى أن يقاتل العراقيون إيران من أجل أن تنتصر الكويت.
إن هذا المبدأ, وإن هو وضع أمام الإيرانيين فرصة لتحجيم آثار الإنكسار السياسي بعد إعلان الخميني تجرعه السم لإضطراره التوقيع على قرار مجلس الأمن القاضي بإيقاف الحرب, إلا أنه لم يتمكن من التغطية على حقيقة ان صدام, ورغم الخسائر المادية والبشرية والعسكرية الباهضة لحربه ضد إيران, كان هو المنتصر السياسي الحقيقي.
ولذا صار من الطبيعي بعد ذلك أن لا تأتي نتيجة الحرب متوافقة مع رغبات أمريكا الإستراتيجية, أي أن تخسر إيران وأن لا ينتصر العراق, وبات من الطبيعي حينها أن تجد أمريكا نفسها عاجزة من وضع نهاية مفصلة للحرب على مقاس ريغان وليس على مقاس صدام حسين.
لقد وضعت نهاية تلك الحرب حدا حقيقيا لأحلام الخميني الإمبراطورية التي كان مخططا لها عمليا أن تبدأ من العراق. غير أن كابوس الخليجيين الإيراني كان مقدرا له أن يستبدل بالكابوس العراقي الذي لم تكن عباءته القومية أقل خطرا بكثير من العباءة الإيرانية الإسلامية.
وهكذا فإن الخليج الذي كان مقدرا له أن يتكلم بالفارسي قد يصير مقدرا له أن يتكلم العربي ولكن باللهجة العراقية.
ثم أن تبين وإدراك حجم الأخطار التي كان سيمثلها العراق على السياسة والعروش الخليجية في حالة نصره على إيران لم يكن قد نشأ بعد توقف الحرب بين العراق وإيران إنما هو قد نشأ بعد نشوبها حتما.
لقد كان مقدرا منذ البداية أن يحمل الرحم العراقي في حالة النصر على إيران نصرا آخرا مؤجلا ضد الحكام الخليجين أنفسهم. ويمكن تبين إن الحالة الخليجية كانت في مواجهة خطرين في ذات الوقت, الخطر العاجل الذي يمثله الإيرانيون والخطر الآجل الذي كان يمثله العراقيون, وكانت الخطة الأمريكية الخليجية قد إقتضت الوقوف مع الخطر الآجل ضد الخطر العاجل, على أن تتخذ كل الإحتياطات والإجراءات التي تحد من إمكانية أن يحل الآجل محل العاجل.
والحال أن مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية العراقية قد أعادت تسخين الجبهة العراقية – الخليجية التي كانت جمراتها الملتهبة قد أخفاها الرماد المتراكم عليها بكثافة من قبل قنابل وصواريخ الحرب مع إيران. وظهر إن التضامن القومي الذي ظهر على السطح في اثناء الحرب كان من نوع الحقائق الوهمية التي رعتها ظروف المجابهة العربية ضد إيران التي شكل العراق رأس حربتها.
وقدمت الكويت نفسها كرأس حربة في عملية إعادة رسم الخارطة السياسية لسابق عهدها ولكي لا تتحول التكشيرة العراقية إلى حالة حرب سياسية قد تتصاعد بإتجاه عسكري. وبهذا فإن المعركة العراقية الكويتية كانت قد بدأت فعليا حتى قبل توقف الحرب مع إيران وصار من حق البعض أن يعتقد أن دخول الكويت جاء كجزء من حالة حرب كانت قائمة فعليا بين البلدين لكنها كانت مخفية تحت الرماد الكثيف للحرب مع إيران.
ولن يكون غريبا بالتالي الإعتقاد بأن صدام كان قد توصل إلى ضرورة الأخذ بقانون الإستباق مع الكويت ليبدأ معركة كان يؤمن أنها قائمة فعليا وعمليا (على صعيد إقتصادي نفطي بعد زيادة إنتاج النفط الكويتي خلافا لإرادة أوبك وتخفيض أسعادره عمليا مما أدى إلى إنهيار إقتصاد العراق المنهك أصلا, إضافة إلى إقدام الكويت على سرقة النفط العراقي الحدودي في أثناء الحرب مع إيران) أو على صعيد عسكري لوجستي (مطالبته بإعادة جيشه إلى سابق عهده) أو على صعيد مالي (مطالبته بدفع الديون الكويتية ومستحقاتها بدون تأخير أو إعفاءات) أو على صعيد (سياسي شحصي) تطلب منه العودة إلى سابق عهده وقامته قبل ان يعملقه نصره السياسي ضد إيران ويحوله إلى جمال عبدالناصر العراقي.