الوَجه الآخَر للآية 37 ... من سورة الأحزاب 33

بولس اسحق
2019 / 4 / 1

لم تستطع السيوف والدماء أن تنسي القائد الأوحد.. رغم كل مسئوليات ومشقة الحرب بما تحمله من هموم.. للاهتمام بحبيبته.. فعن أنس قال: خرجنا إلى المدينة قادمين من خيبر.. فرأيت النبي يجلس عند بعيره.. فيضع ركبتيه وتضع صفية رجلها على ركبتيه حتى تركب (البخاري).. فلم يخجل الرسول- صلى الله عليه وسلم- من أن يرى جنوده هذا المشهد.. ومِمَّ يخجل أوليست بحبيبته.. ويبدو أن هذه الغزوة لم تكن استثنائية.. بل هو الحب نفسه في كل غزواته ويزداد.. فوصل الأمر بإنسانية الرسول الكريم.. أن يداعب عائشة رضي الله عنها في رجوعه من إحدى الغزوات.. فجعل القافلة تتقدم عنهم بحيث لا تراهم ثم يسابقها.. وليست مرة واحدة بل مرتين.. وبلغت رقته الشديدة مع زوجاته.. أنه يشفق عليهن حتى من إسراع الحادي في قيادة الإبل اللائي يركبنها.. فعن أنس رضي الله عنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان في سفر وكان هناك غلام اسمه أنجشة يحدو بهن.. أي ببعض أمهات المؤمنين وأم سليم.. يقال له أنجشة.. فاشتد بهن في السياق.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم.. رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير..( البخاري).. وعندما تتخافت أصوات المؤمنين عند ذكر أسماء نسائهم.. نجد رسولنا الكريم يجاهر بحبه لزوجاته أمام الجميع.. فعن عمرو بن العاص أنه سأل النبي.. أي الناس أحب إليك يا رسول الله.. قال: عائشة، فقلت مَنْ مِنَ الرجال.. قال: أبوها (رواه البخاري).. وعن زوجته السيدة صفية بنت حيي قالت: أنها جاءت رسول الله تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان.. فتحدثت عنده ساعة.. ثم قامت لتنصرف.. فقام النبي صلوات الله عليه وسلم معها يوصلها.. حتى إذا بلغت المسجد عند باب أم سلمة.. مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله.. فقال لهما: على رسلكما.. إنما هي صفية بنت حيي (رواه البخاري){هل هذا يعني ان رسول الله كان يمارس الرذيلة مع البغايا او اللائي كن يهبن له انفسهن في المسجد.. الى درجة انه قال- على رسلكما.. إنما هي صفية بنت حيي.. لانهم شكوا ان تكون احدى بغاياه او احدى الواهبات نفسها.. والا لماذا بدا الشك عليهما من نظراتهما على ما يبدو.. مما جعل رسول الله يقول لهما على رسلكما!!!}.. ولكن كل هذه المشاعر من الحب لأمهات المؤمنين لم توثق في القران وهي بكفة.. ومشاعر الرسول صـــــــــــــــــلى الله عليه وسلم تجاه ام المؤمنين زينب بنت جحش.. التي ورد توثيقها في القران بكفة.. حيث جاء في القران في الآية 37 من سورة الأحزاب ما يلي:
{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ، فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً}
انها من أجمل آيات القرآن على الاطلاق.. وأكثرها تعبيرا وإنسانية.. رغم ما تحوية من مهاترات عن الغاية منها.. انها آية لا تتحدث عن القتل والجهاد والملائكة.. والسبي والأنفال.. وما ملكت اليمين.. انها آية تتحدث في شطرها الأول.. عن الحب الجارف الذي طغى على وجدان رسول الله وسلب لبه.. فحرك فيه الجانب الجميل الذي يعتمل داخل كل إنسان.. مهما كان طاغيا او إرهابيا سفاحا.. ويجعله أكثر رقة وعذوبة.. إنه الضعف البشري أمام الجمال.. أمام النفس.. أمام الناس.. أمام إله السماء.. الآية تظهــر ما تلاطم داخل نفس رسول الله صـــــــــــــــــلى الله عليه وسلم.. من مشاعر وعواطف جياشة.. جعلته يضغط على نفسه من أجل إخفائها.. وجعلته كذلك ينظر بعين الشك للجميع.. خوفا من انكشاف أمره.. وما يمكن أن يترتب عن ذلك من آثار على نبوته.. ومكانته المعنوية.. إنه الحب الكبير.. انه الحب الاعمى:
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ *** وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ
انها جمل قوية.. طافحة بالمشاعر.. أنها شعر مسبوك.. ولا يختلف معناها عن هذه الأبيات.. إن لم يكن أجمل منها:
خضعت لها في الحب من بعد عزتي*** وكل محب للأحبة خاضع
وأيضا.. لقد دب الهوى لك في فـؤادي*** دبـيـب دم الحـياة إلى عـروقي
وأيضا.. تَتبَعُ الهوى روحـي في مسالكه حـتـى*** جـرى الحب مجرى الروح في الجســـد.
هذا الإحساس الكبير تجاه زينب بنت جحش.. كان من الممكن أن تكون له آثار إيجابية على سلوك رسول الإسلام.. لو أن ربه المضل المكار لم يسارع في هواه.. ويزوجها له.. كما عبر عن ذلك الشطر الثاني من الآية.. وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا.. وهذه الآثار الإيجابية كانت ستظهر بالتأكيد.. في سلوك محمد تجاه المرأة وتجاه محيطه القريب والبعيد.. وأن الأمر لو بقي في جانبه العاطفي.. أي هذا الحب الكبير الجارف.. لما تم تدمير سلوك حضاري انساني ليس جاهلي فحسب.. الا وهو (التبني).. ولربما كانت رسالة الإسلام اخذت منحى آخر.. وما يحزنني في القضية.. هو جبريل المسكين الذي كان يضطر لقطع تلك السنوات الضوئية الشاسعة.. لكي يطلق زيدا ويزوج محمداً.. ويأمر محمد بأن يتجاهل غضب حفصة وينكح ماريا.. ويحلل له نكاح المرأة المؤمنة التي وهبته نفسها او التي تعجبه ويأخذها من زوجها.. مسكين جبريل الذي دوخه محمد